بعض أفراد العائلات لا يخجلون من الضحك داخل قاعة الجلسات

متهمون بضرب أمهاتهم وآخرون بسرقة الأحذية من المساجد

السبت 01 مارس 2008 - 10:21

عقارب الساعة تشير إلى الرابعة والنصف مساء. هيئة الحكم بقاعة الجلسات بابتدائية البيضاء في استراحة قصيرة. انطلقت الجلسة في حدود الساعة 2 بعد الظهر.

أجلت خلالها الهيئة عددا من الملفات الجديدة المعروضة على أنظارها إلى تواريخ متقاربة من أجل ترك الفرصة اللازمة لبعض المتهمين الراغبين في تعيين محام للدفاع عنهم أو منح بعض المحامين مهلة للاطلاع على ملفات موكليهم.

يستغل عدد من أفراد عائلات المتهمين هذه الاستراحة، التي قد تدوم لأكثر من نصف ساعة أو لا تتجاوز ربع ساعة فقط، في التواصل مع المتهمين والاطمئنان عن أحوالهم أو تسليمهم بعض الأكياس البلاستيكية السوداء المحملة بالأكل والمشروبات الغازية، وحتى المال.

رجال الأمن من جانبهم يستغلون الفرصة لارتشاف سيجارة أو أخذ قسط من الراحة، وهم يتناوبون على حراسة قاعة الجلسات، لكنهم لا يسمحون بالفوضى ويفتشون كل الأكياس البلاستيكية قبل السماح للمتهم بتسلمها من أمه أو شقيقته أو زوجته، وفي أحيان كثيرة يصدرون أوامر صارمة لأفراد العائلات بالخروج من القاعة، لأنهم تسببوا في الفوضى داخلها.

صاح العون القضائي المرابض في أحد الكراسي إلى جانب منصة الحكم، بأعلى صوته قائلا "محكمة"، وانتفض الجميع داخل القاعة، من متهمين وأفراد عائلاتهم وحتى رجال الأمن، ووقفوا احتراما للهيئة القضائية، التي تبعها ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط، وقال رئيس الجلسة "باسم جلالة الملك نفتتح الجلسة".

نادى القاضي على أول متهم، إنه شاب في عقده الثاني، اعتلت وجهه الصغير لحية قصيرة شقراء اللون، كان يرتدي نظارة وسترة زرقاء، وقف أمام منصة الحكم فسأله القاضي عن اسمه ومهنته، وهل وكل محام فأجاب بالرفض، ثم تلى عليه القاضي التهمة التي يتابع بها "الضرب والجرح ضد أحد الأصول". رمقه القاضي بنظرة صارمة تعبيرا عن انزعاجه الشديد منه، فقد كانت الضحية "طبعا" والدته. نادى عليها القاضي. كانت سيدة في عقدها الخامس، ترتدي جلبابا باليا وتضع منديلا أبيض اللون تضعه على رأسها بشكل عشوائي، تقدمت نحو الهيئة القضائية بخطى متثاقلة، تحمل بين يديها ورقة، ولم تقو رجلاها على حملها، إذ كانت تتوقف تارة وتمشي تارة أخرى وتبكي بحرقة شديدة وتمسح دموعها بمنديلها الذي تضعه على رأسها، وساعدها أحد رجال الأمن على الوقوف.
سألها القاضي من تكون فأجابت "أنا ميمتو أولدي".
القاضي "مالكي معاه".
الأم، وهي تبكي، "انا اولدي راني سامحت ليه وتنازلت عن الدعوى"، وقدمت الورقة البيضاء للعون القضائي الذي سلمها للقاضي. تأمل القاضي ورقة التنازل لمرات عديدة، ثم التفت نحو المتهم الذي طأطأ رأسه أمامه وسأله بحدة "مالك مع أمك".

المتهم "والو". فأعاد المتهم سؤاله بحدة أكثر "مالك مع أمك واش ضربتيها ولا لا، غير سخن عليك راسك وتعديتي عليها، ضربتيها وتكرفستي عليها".

طأطأ المتهم رأسه أمام القاضي، والتفت نحو أمه قائلا "انا تنطلب غير تسمح ليا راني ما قصدتش نتعدى عليها".

القاضي "لقيتي امك مسكينة وضريفة وراعي بعدا غير مرضها وحالتها"، ثم
طالب من رجل أمن أن يرافقه إلى المكان المخصص للمتهمين، في حين أخبره أن الحكم سيكون آخر الجلسة.

نادى القاضي من جديد على متهم آخر، كان شابا طويل القامة، في مقتبل العمر، يرتدي لباسا رياضيا، وقف مستقيما أمام القاضي ووقف إلى جانبه دفاعه، حين تلى القاضي عليه تهمته لم يستطع العديد من أفراد عائلات المتهمين، منع أنفسهم من الضحك بشكل عال داخل قاعة الجلسات، فالتهمة غريبة وطريفة في الوقت ذاته، إنها "سرقة حذاء رياضي من مسجد".

ضرب القاضي بيده على منصة الحكم طالبا من الحاضرين التزام الصمت، وتوجه بالأسئلة نحو المتهم "انت هو ... فاش خدام... عندك محام... واش فايت لك دخلتي للحبس ... واش مشيتي لهاد الجامع؟". المتهم "لا".

فتلى عليه القاضي مقتطفا من اعترافاته في محاضر الشرطة "دخلت إلى المسجد وانتظرت إقامة الصلاة وجلست في مكان آخر الصفوف، وعندما نادى إمام المسجد للصلاة واصطف الجميع إلى بعضهم البعض، استغليت تلك الفرصة وسرقت الحداء الرياضي وخرجت".

المتهم "والله اسعادة القاضي ما شفرتو"
القاضي "واش الناس شدوك وانت شافر السبرديلة بيضا والسيد الي متهمك ملي سالا ما لقاش سبرديلتو وهي الي كانت معاك"، وانطلق مسلسل الحلف بالأيمانـ
أمر القاضي المتهم بالسكوت، وطلب من الدفاع الشروع في دفوعاته الشكلية وملتمساته، فطالب الدفاع بتخفيف الحكم في حق موكله نظرا لحداثة عمره وانعدام سوابقه، مؤكدا على أن ما ارتكبه موكله كان بسبب التهور وفي لحظة طيش.

واصل القاضي النظر بسرعة في عدد من الملفات، تراوحت الجنح فيها بين بيع الكحول من دون رخصة والسرقات بالتهديد والاتجار في المخدرات، في محاولة منه إخلاء القاعة من المتهمين الذين فاق عددهم الـ 20، إلى أن بقي متهم وحيد متهم بـ"النصب". كان شابا وسيما، في الثلاثينات من العمر، يرتدي سترة برتقالية اللون وسروال جينز. وقف أمام القاضي والتف حوله 10 محامين وحوالي 36 شاهدا، وعندما بدا القاضي في مناقشة القضية، اعترض بعض المحامين بدعوى أن بعض الشهود الأساسيين، لم يحضروا، وطلبوا من القاضي تسجيل ما وصفه بـ" خرق وتلاعب" قام به العون القضائي وهو عدم تبليغ جميع الشهود بالاستدعاء.




تابعونا على فيسبوك