الموعد: الأربعاء الماضي، المكان: المحكمة الابتدائية وبالضبط القاعة رقم 2، يوم معتدل، كانت شمسه تشرق أحيانا وتغيب أحيانا أخرى. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر، المتقاضون داخل قاعة المحكمة.
استكانوا داخلها. ازدحام شديد، لا يتحمله فضاء قاعة المحكمة رغم شساعتها، فهي تضم على الأقل أزيد من 60 شخصا، الواقفون أكثر من الجالسين فوق الكراسي الخشبية الطويلة، وعشرات المحامين، الذين جاءوا للدفاع عن مظلوم ومساندته لاستعادة حقه، أو الدفاع عن مجرم وقع تحت طائلة العدالة.
على المنصة ثلاثة قضاة، وفي الجانب الأيسر ممثل النيابة العامة وفي الجانب الأيمن كاتب الضبط والعون القضائي، هذا الأخير كانت تبدو على ملامح وجهه عوامل تعرية الزمن، جسم نحيف لا تكاد تظهر تقاسيمه وسط البذلة الزرقاء الداكنة اللون التي يرتديها، ورغم ضعف بنيته الجسمانية، يتحلى برشاقة عالية وهو يسرع إلى مناداة الشهود أو جلب وثيقة يقدمها محام إلى هيئة الحكم أو جلب وثيقة من خارج قاعة المحكمة، وبين الفينة والأخرى، يقوم بدور رجل الأمن في ضبط النظام داخل قاعة الجلسات، إذ تراه، يشير بيده لبعض الحاضرين لالتزام الصمت واحترام هيئة الحكم.
كان هذا اليوم مليئا بالقضايا الجنحية والقضايا الجنحية التلبسية، غصت القاعة بالمتتبعين ومنهم الفضوليون، لأطوار المحاكمات، وأغلبهم من النساء، طاعنات في السن ومقعدات وشابات، يضعن مختلف أنواع المساحيق على وجوههن، التي تتناسب مع ملابسهن المثيرة، أما الشباب فيقفون مشدوهين وعلامات الاستغراب ترتسم على وجوههم، ومنهم من حضر خصيصا لمتابعة أطوار محاكمة ابن الجيران وفي الوقت نفسه صديق.
المتهمون من مختلف الأعمار، تختلف تقاسيم وجوههم، يجلس الواحد تلو الآخر وجنبا إلى جنب في تزاحم شديد في المكان المخصص لهم، وبمجرد الجلوس يبدأون في الالتفاف وكأنهم يبحثون عن شيء مفقود لا يكون في النهاية إلا أفراد العائلة، الذين يلوحون لهم بمجرد دخولهم قاعة المحكمة، كان من بين المتهمين، أربعة شباب في مقتبل العمر، ملامحهم تدل على أنهم تجاوزوا عمر 18 بأشهر قليلة، يرتدون بزات رياضية ومعاطف صوفية، حشروا أنفسهم بين المتهمين في انتظار المناداة عليهم.
بعد مرور نصف ساعة تقريبا، أجل خلالها القاضي عددا من القضايا التي غاب دفاع المتهمين عن حضور جلساتها، نادى القاضي على المتهمين الأربعة، وهرولوا واقفين أمام منصة الحكم.
كان واحد منهم يحمل نذبا كبيرا في وجهه يغطيه بالضمادات، وكان الأطول قامة بين باقي المتهمين.
وقفوا جنبا إلى جنب، ونظر إليهم القاضي في امتعاض شديد وهم يطأطئون رؤوسهم أمامه تباعا، وأيديهم خلف ظهورهم، كانت أسئلة القاضي صارمة ومحددة، فبعد اطلاعه على ملفهم أدرك أنهم حديثو السن، وأغلبهم كانوا في حالة سكر عند اعتقالهم، فسرد عليهم مجموع الجنح التي بتابعون بها من طرف الضابطة القضائية "السكر العلني والفوضى بالشارع العام والاعتداء على موظف عمومي والسرقة..."
سأل القاضي أولهم وثانيهم وثالثهم .... ورابعهم الأسئلة المعروفة:
- اسمك ... فاش خدام.... واش عندك محامي
أغلبهم أجابوا أنهم يوكلون محاميا واحدا للدفاع عنهم، كان يقف إلى جانبهم.
سأل القاضي أول المتهمين بحدة: "واش كنتي سكران؟
المتهم: نعم
والسؤال ذاته، طرحه القاضي على باقي المتهمين، فأجاب الثاني والثالث بالإجابة نفسها، لكن الرابع نفى.
فقال القاضي غاضبا: "واه أنت زعما واعر وأفضل منهم وما كنتيش سكران".
خفض رأسه أمامه، والتزم الصمت في حين طلب القاضي من أكبرهم سنا أن يقف أمامه، وبصوت منخفض أمره القاضي بأن يقول الحقيقة كاملة.
نفى المتهم ما وجه له من اتهامات وحاول اتهام الشرطة بفبركة المحاضر، لأنه لم يكن موجودا بمسرح الحادث في ليلة الاعتقال.
كتم القاضي غضبه قليلا، وانتظر إلى حين توجيه أسئلة لباقي المتهمين، وحين أنكروا جميعا، ثار غاضبا، فقال: "واش البوليس ماعندهم ما يدار، يجيوبكم هاديك الليلة ويديوكم من ديوركم ويلصقوا ليكم هاد التهم كلها وكاينين الشهود. دابا غير قولو الحقيقة، انتوما كنتو سكرانين وتعديتو على عباد الله ونوضتو الفوضى وهرستو الزجاج وتعديتو على بوليسي وصيفطتوه للصبيطار ... قاطع المتهمون القاضي وهم يقسمون بكل الأيمان أنهم بريئون، وهنا تدخل الدفاع ليطالب بتأجيل القضية، لكن القاضي رفض معلنا عن جاهزية الملف للمناقشة، وأن الحكم سيكون في آخر الجلسة. كانت منصة الحكم تضم أكثر من 30 ملفا، يفترض أن تنظر فيها هيئة المحكمة ذلك اليوم، سواء بالفصل فيها أو مناقشتها أو الاستماع لطرفي الدعوى.
قاربت عقارب الساعة الخامسة مساء، فطلب رئيس الجلسة استراحة قصيرة ثم واصل بعدها النظر في بعض القضايا، التي كانت تتراوح بين قضايا السرقة والفساد والنصب والاحتيال ومشاكل أخرى لا يستطيع تحمل تفاصيلها المثيرة سوى وثائق الملفات، يقضي القاضي أقل من خمس دقائق أو 10 دقائق للفصل فيها والاستماع إلى أقوال الشهود ومرافعات المحامين، والاطلاع على أوراق وملف كل قضية وتأجيلها أو تأخيرها للمداولة من أجل النطق بالحكم، وفي ختام الجلسة، أدان القاضي المتهمين الأربعة بالحبس النافذ.