اقتيد المتهمان مصفدي الأيادي وسط حراسة أمنية مشددة لعناصر الشرطة القضائية لأمن أناسي إلى مكان الحادث، بعد ظهر الجمعة الماضي، وبالضبط إلى جوار محل إسكافي "الحريزي"، يوجد بكريان طوما (عمالة البرنوصي)، بالبيضاء.
حيث يقطنان ويقطن الضحية الذي كان يحتسي الجعة، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب نزيف حاد.
بعض أفراد أسرة الضحية والجيران، الذين احتشدوا في الزقاق المؤدي إلى مكان الحادث، كانوا يسبون المتهمين اللذين أطرقا برأسيهما في الأرض بعد إلقاء آخر نظرة على الحي، وآخرون كانوا يرددون "باينة على وجوههم ولاد الحرام، يجب أن يقتلا كما قتلا".
المتهمان أعادا تجسيد عملية السرقة، التي تحولت إلى جريمة قتل في حق الضحية نور الدين (ط)، ليلة الثلاثاء- الأربعاء، في وقت كان يحتسي فيه الجعة وماء الحياة، كعادته في رأس الحومة، قبل أن يباغتاه ويسرقا منه 200 درهم، بهدف إتمام سهرتهما، ويطعناه في فخذه، ويفرا هاربين.
عانق الضحية نور الدين (ط)، 44 سنة، حلم العبور نحو الضفة الأخرى قبل 12 سنة خلت، استقر خلالها بإسبانيا، بهوية مزورة منتحلا صفة شخص فلسطيني. لم يكتب له البقاء هناك رغم مرور السنون ودرايته بدواليب الفردوس الأوروبي، إذ اعتقل في إحدى الحملات وأعيد إلى المغرب، وبالضبط إلى كريان طوما مقر أسرته من حيث سافر أول مرة.
اختلطت الأمور على الضحية بعد عودته، بعدما طلق زوجته، وأصبح يعاني العزلة والوحدة، ولم يجد أحسن من الخمر ونيسا له في وحدته. كان الضحية معروفا بحسن معاملته وهدوئه كما يشهد له بذلك أبناء حيه، الذين صدموا لخبر مقتله.
كعادته اقتنى الضحية نورالدين كمية من ماء الحياة وبعض قنينات الخمر، وجلس ليلة الثلاثاء- الأربعاء الماضيين، بجوار إسكافي الحريزي، يحتسيها ويرتشف السجائر منتشيا بنسيم الليل الهادئ الذي أرخى سدوله على المكان.
الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلا، الأمور كانت عادية والهدوء يعم المكان، فالجميع أقفلوا جفونهم وغطوا في النوم، سوى نور الدين والمتهمين بالقتل، اللذين كانا في سهرة خمرية بالجوار، وبعض بائعي السجائر بالتقسيط هنا وهناك.
بينما كان الضحية يهم بفتح قنينة خمر انحنى لالتقاطها من بين رجليه، اقترب منه المتهمان عبد المولى (ت)، 29 سنة، وعبد الرحمان (ر)، 22 سنة، بدافع سرقة ما بحوزته من نقود، من أجل أن يكملا سهرتهما الخمرية، التي توقفت بعد نفاد قنينات الجعة التي اقتنوها مناصفة.
باغت المتهمان الضحية بالتحية، قبل أن يطبق المتهم الأول عبد المولى على رقبته، ويلف ذراعه حولها، فيما استل المتهم الثاني عبد الرحمان سكينا من الحجم المتوسط، وطعنه طعنتين في فخذه الأيسر (واحدة بعمق سنتمترين، وأخرى بعمق سنتمتر واحد)، وسرقا 200 درهم كانت بحوزته، وانصرفا كل إلى حال سبيله.
لم يبال الضحية نورالدين بالطعنتين اللتين تلقاهما في فخذه، ولم يدر بنفسه حتى أسلم الروح لبارئها، بعدما تسببتا له في نزيف حاد، إذ لفظ أنفاسه الأخيرة فوق كرسي كان يستعين به على الجلوس.
كعادته استفاق أحد قاطني كريان طوما لأداء صلاة الفجر في مسجد الحي، فإذا به يجد نورالدين جثة هامدة ملقاة على الأرض، وبجانبها أوراق تخص الضحية، استخرجت من محفظته، إلى جانب قنينة من ماء الحياة وبعض بقع الدم، فبادر بإخطار عناصر الأمن بالحادث.
طوق المحققون مسرح الجريمة، التي انتشر خبرها في أوساط الحي كالنار في الهشيم، ومثلما وصل إلى السكان وصل إلى المتهمين، ففضل عبد المولى أن يظل نائما في بيته لإبعاد الشبهات عنه، فيما اختار المتهم الثاني عبد الرحمان الهجرة سرا إلى الضفة الأخرى، وسافر فورا إلى طنجة، لأنه أحس بأن روح الضحية تطبق على أنفاسه، ورجال الأمن يحاصرونه من كل مكان.
نقلت الجثة إلى مركز الطب الشرعي الرحمة بالدارالبيضاء، في حين شمر المحققون على سواعدهم وبدأووا في التقاط كل صغيرة وكبيرة من مسرح الجريمة، وإجراء بحث ميداني، كشف في بداية الأمر أن الضحية ابن الحي، وأن آخر ما شاهده أكد أنه كان لوحده يحتسي الجعة.
بعدما بينت المؤشرات الأولية أن الدافع كان بهدف السرقة، سار التحقيق في اتجاه ذوي السوابق المعروفين بالحي، وكان على رأسهم عبد المولى، المبحوث عنه في عدة قضايا تتعلق بالسرقة.
اعتاد المتهم عبد المولى، حسب مصدر أمني، أن يدخل بيت والديه متخفيا، وعندما يبحث عنه رجال الأمن هناك لا يجدونه، بيد أنه تلك الليلة، لم يختبأ عن المحققين، وأكد لهم أنه دخل البيت باكرا على الساعة التاسعة، وهو ما أكدته أسرته، من أجل تمويه البحث.
وأضاف المصدر ذاته، أنه بعد تعميق البحث مع المتهم اعترف طواعية بالمنسوب إليه، وأنه قام هو وشريكه عبد الرحمان بسرقة 200 درهم من الضحية، وأن شريكه هو من طعنه في فخذه.
انتقل الفريق المحقق في القضية إلى بيت المتهم الثاني، وبعد تعميق البحث مع والدته، حاولت في البداية أن تنكر علمها بمكانه، أو الوجهة التي قرر الاختباء فيها، غير أنها في آخر المطاف اقتنعت بضرورة تسليمه لنفسه، وبتنسيق مع عناصر الأمن، أقنعت ابنها أن يعود عن فكرة الهجرة من طنجة ويسلم نفسه، وهو الأمر الذي قام به الخميس الماضي، خوفا على أمه وإخوته.
وبعد استكمال إجراءات التحقيق، وإعادة تمثيل فصول الجريمة، أحيل المتهمان، أول أمس السبت، على استئنافية البيضاء، بتهمة "القتل العمد".