كانت القاعة رقم 8 بابتدائية البيضاء على غير عادتها تعج بالمتقاضين والحاضرين من هواة تتبع الملفات القضائية أمام المحكمة. رجال ونساء من مختلف الأعمار، الكل منهم يريد أن يعرف تفاصيل قضية كانت بالأمس القريب غريبة على المحاكم المغربية.
إنها قضية اعتداء الموكلين على دفاعهم.
كانت هيئة الحكم المتكونة من ثلاثة قضاة، إضافة إلى ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط، تنظر في ملف شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره، يقف مطأطأ الرأس أمام الهيئة القضائية ويضع يده خلف ظهره، قام بالاعتداء على دفاعه داخل فضاء المحكمة.
اصطف عدد من المحامين أمام رئيس الجلسة، وكان عددهم الكثير يحجب على الحاضرين رؤية المتهم أو تتبع أطوار المحاكمة، إذ لجأ العديد منهم إلى الوقوف لمعرفة ما يجري.
أخذ الكلمة أكبر المحامين سنا، ليخبر رئيس الجلسة بعد مرافعة طويلة تحدث فيها عن أخلاق المحامي وشرف مهنة المحاماة، أن المحامي الضحية تنازل عن دعواه ضد المتهم، وأن كل المحامين الحاضرين داخل القاعة، ينتصبون اليوم دفاعا عنه بعد أن كانوا بالأمس ضده، وطالب من المحكمة أن تأخذ بعين الاعتبار حداثة عمره وطيش الشباب، وأن لا يكرر فعلة أخرى يندم عليها، وهو ما اعترض عليه ممثل النيابة العامة، مطالبا بإدانة المتهم بأقصى العقوبات ليكون عبرة لغيره ممن يعتدون على أصحاب البذل السوداء.
انضم الشاب وهو ينظر إلى الأرض إلى باقي المتهمين، وعيون الحاضرين تتبعه، منهم من استنكر فعلته وتفاءل بدفاع باقي المحامين عنه، ومنهم من صب جام غضبه ولو بصوت خافت على المحامين.
إن أكثر ما يميز هذه الجلسة هو ممثل النيابة العامة، يصفه العديد من المتقاضين بـ"الخطير".
رجل في مقتبل العمر، ضعيف البنية، لكنه حاد الطباع، وصاحب حنكة عالية في تتبع أطوار القضايا، وأقوال المتهمين وتدخلات محامي الدفاع، يرمق بعينيه الحادتين كل شيء، ويدونه في الوثائق المتناثرة أمامه، وحين يلتمس أحد المحامين طلبا من الهيئة القضائية، تجده واقفا معترضا على الطلب، رافضا أي اتهام للنيابة العامة، رغم أنه يعترف في بعض الأحيان، بالتقصير من جانب موظفيها، لكنه لا يسمح بتوجيه الاتهامات أو التقليل من دور ممثل النيابة العامة، وغالبا ما يتقبل المحامون تعرضاته وتدخلاته بسعة صدر أو يقابلونها بابتسامة عريضة، تخفف من توتر ممثل النيابة العامة وانفعالاته.
نادى القاضي على المرأة الوحيدة، التي تجلس بين عدد من المتهمين، أغلبهم من الشباب، تتراوح أعمارهم بين 19عاما و27 عاما. امرأة ضعيفة البنية، بدأت تظهر على وجهها تجاعيد متفرقة، وكانت ترتدي جلبابا مزركشا، وتغطي نصف رأسها بمنديل وردي، بدورها طأطأت رأسها نحو الأرض، ووضعت يديها خلفها.
سألها القاضي الأسئلة المعتادة: اسمك... اسم باك ...اسم امك...مهنتك...، وأضاف قائلا: واش سبق ليك دخلتي للحبس؟
المتهمة : نعم
القاضي: علاش
المتهمة: على السرقة ...وتشديت 8 شهور..
القاضي: عندك محامي
المتهمة: لا
القاضي: ايوا عادوي لينا اشنو الي طرا مع هاد السيد الي داعيك
المتهمة: هاد واحد السيد ماكانعرفوش، وداك النهار الي تلاقيت بيه هو الي ركبني معاه في الطوموبيل
القاضي: أستاذ جامعي ويركبك انتي ..اشنو باغي يدير بيك
المتهمة: والله السي القاضي
فقال القاضي مقاطعا: دابا انتي الي شيرتي ليه وملي وقف ركبتي وقلت ليه دور معايا ولا نفضحك ونقول للناس راك كونتي كتفسد معايا.
المتهمة: لا السي القاضي والله ما كنعرفو وهو الي صيدني
القاضي: تأخير القضية للحكم بعد المداولة في آخر الجلسة.
نادى القاضي على متهم آخر، فوقف أمامه وهو يرتجف، وسأله القاضي عن سبب ذلك، فتقدم نحوه قليلا وقدم له شهادة طبية، وقبل أن يكمل القاضي اطلاعه عليها، سقط المتهم مغشيا عليه، وانتفض أفراد أسرته وبدأوا في الصراخ، فطلب منهم القاضي الهدوء أو سيتخذ إجراءات صارمة في حقهم.
وساعد العون القضائي وبعض رجال الأمن، المتهم على الوقوف أمام هيئة الحكم، في حين قرر رئيس الجلسة تأخير النظر في ملفه إلى جلسة أخرى، وأمر رجال الشرطة بمرافقته خارج القاعة بعد أن أبلغه كاتب الضبط بتاريخ الجلسة المقبلة.
وانطلق القاضي من جديد في استعراض باقي الملفات المتراكمة أمامه، ويمثل المتهمون أمامه في حالة اعتقال أو سراح، ويقف المحامون إلى جانب موكليهم من المتهمين، ومنهم من يدافع عن ثلاثة متهمين.