حين ينطق بالحكم على أحد السجناء وتعرف المدة التي سيقضيها داخل أسوار السجن، تعرف معها المدة التي ستواجه فيها أسرته سيلا من المعاناة. من جهة، جراء صدمتها إثر حبس ابنها، الذي ضاع مستقبله.
بحكم أنه أصبح من أصحاب السوابق، ومن جهة أخرى، انشغالها بالوضعية التي لا تبعث على الاطمئنان، والتي سيعيشها بين جدران السجن، علما أن حياة هذه الأسر غالبا ما تنقلب رأسا على عقب، وذلك من يوم إلقاء القبض على الإبن أو القريب أو الصديق، إلى حين النطق بالحكم. وتستمر المشاكل والمعاناة طيلة فترة حبسه، إذ يصبح من الضروري توفير الغذاء والدواء وكل الحاجيات الأخرى للمسجون.
ومن خلال زيارة إلى أحد سجون الدار البيضاء تنقل "المغربية"، صورة حول معاناة بعض العائلات البيضاوية خلال زيارتها لأحد الأبناء أو الأقارب أو المعارف، ومدى العذاب الذي تتكبده لمده بما يلزمه من حاجيات، خاصة الغذاء المتمثل في بعض الأطباق المغربية، والدواء والسجائر، إذا كان من المدمنين على الدخان.
وفي جولة بالقرب من سجن عكاشة الشهير بعين السبع، شوهد عدد من الأسر التي تنتظر أمام باب السجن دورها للدخول، محملة بـ "القفف" والأكياس المملوءة عن آخرها بالمواد التي تزود السجين بالمؤونة، لكي يتمكن من الصمود ومقاومة ظروف الاعتقال القاسية، وتعويض شيئا من الحرمان من دفء العائلة والحياة الاجتماعية التي كان ينعم بها في الحرية.
حكت فاطمة، إحدى الأمهات اللاتي كن ينتظرن دورهن أمام الباب الكبير لسجن عكاشة، أنها تأتي كل مرة وتمضي وقت الانتظار وهي تتأمل في حسرة ما آلت إليه ظروفها، وترقب دورها والسماح لها بالدخول ورؤية ابنها "هشام" المحكوم عليه بثلاث سنوات، وقالت لـ "المغربية"، "دخل ابني السجن بعدما اتهم باغتصاب فتاة رفقة اثنين آخرين من رفاق السوء الذين تعرف عليهم، قضى بالسجن سنتين وما يزال أمامه اثنى عشر شهرا، لأنه حكم عليه بثلاث سنوات حبسا نافذة". وأضافت فاطمة التي بدا عليها التعب والملل لطول الانتظار، نظرا لكثرة الازدحام، أنه منذ دخول ابنها السجن وهي تأتي لزيارته كل خميس بسجن عكاشة، لمده بما ينقصه من حاجيات وأطعمة، وأيضا للاطمئنان على حاله، قائلة "أحمل له معي ما استطعت توفيره خلال الأسبوع، من أكل وبعض ما يلزمه داخل السجن من أغطية وفرشاة حلاقة وسجائر وغيرها".
وأشارت فاطمة إلى أنها تنتظر يوم الخميس بفارغ الصبر، فرغم أن لديها أبناء آخرين، إلا أن تفكيرها يبقى محصورا في ابنها هشام المحتجز بين أربع جدران. كما ذكرت أن يوم الخميس أصبح مقرونا أوتوماتيكيا في مخيلتها بفترات الانتظار الطويلة والمتعبة، خاصة وأنها، كما أوضحت، تجد صعوبة في التنقل من المحمدية، حيث تقطن، وتحاول في كل مرة بذل المزيد من الجهد بغية الوصول في الوقت المحدد، حتى لا تضيع عليها ولو ثواني من وقت الزيارة المسموح به، إضافة إلى المصاريف المالية التي يتطلبها القيام بالزيارة، علما أن وضعيتها المادية ليست بخير، إلا أنها تجهد نفسها لتستيقظ منذ ساعات الصباح الأولى لتهيئ "القفة"، والتوجه نحو المحطة، لانتظار وصول الحافلة.
وحكت فاطمة أن المسافة تطول عليها أكثر من اللازم، إذ تبدو لها الطريق أطول، لشدة رغبتها في الوصول باكرا ومعانقة ابنها القابع بالسجن. وذكرت أنها في كل رحلة تتمنى أن تصل قبل كل الزائرين، إلا أنها تجد دائما أفواجا هائلة من الناس تزدحم وتنتظر دورها عند الباب، لتقف إلى أن يحين دورها لرؤية ابنها المسجون.
مدينة المحمدية ليست أبعد مسافة تقطعها الأسر لتقصد سجن عكاشة، إذ قال بعض الزائرين، إنهم يأتون من مدن أخرى أبعد مسافة، مثل الجديدة وبنسليمان، وغيرها. ويمكن اعتبار أسرة سعيد (غ) أوفر حظا من هذه الناحية، إذ أنها، حسب ما صرحت به لـ "المغربية"، تقطن بحي مولاي رشيد في ضواحي العاصمة الاقتصادية، ما يوفر عليها عناء التنقل ويقرب المسافة بينها وبين السجن، حيث يقضى سعيد مدته الحبسية. لكن معاناة الأسرة لا تنتهي عند ذلك، بل إنها تشتكي من كثرة نفقات "القفة"، التي تثقل كاهلها، رغم أن مدة الحبس التي حكم بها على سعيد لا تتعدى 6 أشهر، قضى منها ثلاثة أشهر ونصف، بعدما قبض عليه بتهمة تهريب بضاعة من الميناء.
وقالت نعيمة، والدة سعيد، "طيلة الأسبوع ونحن نجهز ليوم الزيارة، نحرم أنفسنا في محاولة لتوفير ما يقتات به ابني سعيد داخل السجن، وتلبية حاجياته التي لا يتردد في المطالبة بها أثناء كل زيارة".
وأوضحت مجموعة من الأسر، أن ضرورة توفير كل ما يحتاج إليه السجين وراء القضبان، بدءا بشفرات الحلاقة، إلى أغطية وتجهيزات إليكترونية وأفرشة، يجعل مصاريفها المالية التي تنفقها في شراء كل ذلك، يتجاوز إمكانياتها المادية، مما يجبر البعض على التخلف أحيانا عن موعد الزيارة، إلى أن يتدبر المبلغ الذي سيمكنه من اقتناء ما يلزم لتقديمه في كل زيارة، إضافة إلى الحاجة إلى المال للاستجابة لمتطلبات الأسرة اليومية، وإلى المعاناة النفسية التي تتخبط فيها كل أسرة جراء دخول أحد أفرادها إلى السجن.
ما إن فتح باب السجن، حتى هب موكب الأسر وهي تسارع لتدارك الوقت، والوقوف أمام البوابة الكبيرة، وانتظار دورها للتمكن من الدخول لزيارة أقربائها حسب البرنامج المحدد لكل فئة من السجناء. ويستنتج من كل ذلك، مدى قسوة المحن التي تتحملها كل هذه الأسر، والتي تنتج عن تبعات الاعتقال، بما فيها التعب والإرهاق جراء المجهود البدني في حمل "القفة" الثقيلة ومتاعب الطريق، وأحيانا الاكتئاب.