يجلسون مندهشين، يتأملون في جدران القاعة وزواياها، وجوههم شاحبة وكأنها المرة الأولى التي يحضرون فيها إلى المحكمة، تكبر الأسئلة في أذهانهم، ويطرحونها بشكل خافت.
وكأنهم يتعرفون على بعضهم للمرة الأولى. إنهم الشهود الذين يحضرون للشهادة في ملفات "الفساد المالي والإداري"، التي تعرض بالقاعة رقم 5 بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء.
إن ما يميز هؤلاء الشهود، أنهم يختلفون عن باقي الشهود في قضايا أخرى، فمنهم المقاولون والمهندسون ومديرو الحسابات ورجال الأعمال والمسؤولون الأمنيون ورجالات السلطة وفي أحيان كثيرة، قد تجد برلمانيين، تميزهم نوعية السجائر التي يدخنونها وملابسهم الأنيقة، تختلف أعمارهم، وينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، لكن يجمع بينهم سبب واحد لحضورهم المحكمة، هو أداء"الشهادة".
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف بعد الظهر، جلس الشهود داخل قاعة الجلسات جنبا إلى جنب، يتبادلون النظرات في ما بينهم ويتجولون بعيونهم حول المحامين والحاضرين من الصحافيين، قبل بدء الجلسة يستغل البعض منهم الوقت لتدخين سيجارته في مكان منزو خارج قاعة الجلسات، ويسأل في كل لحظة عن بداية الجلسة، وتبدو عليه علامات الاضطراب والتوتر.
في حدود الساعة الرابعة بعد الظهر، يطلب العون القضائي من الجميع الالتحاق بأماكنهم داخل القاعة. وفي لحظة يصرخ بأعلى صوته "محكمة" معلنا عن انطلاق الجلسة
تدخل الهيئة المكونة من ثلاثة قضاة، تقف قليلا قبل أن يأمر رئيس الجلسة الجميع بالجلوس.
ينادي القاضي على المتهمين ليتأكد من حضورهم جميعا، كانت هذه الجلسة مخصصة للاستماع إلى المتهمين في ملف "الشريف بين الويدان"، جلس المتهمون في حالة اعتقال في الجانب الأيسر للكراسي داخل القاعة، ومنهم من تبادل التحية مع بعض أقاربه، فيما جلس المتهمون في حالة سراح في الجانب الأيمن، ثم نادى القاضي على الشهود، كان عددهم خمسة وقفوا أمام الهيئة، وتأكد القاضي من هوياتهم وطلب منهم الخروج من القاعة إلى حين المناداة عليهم.
بدأ القاضي يقلب بين أوراق الملف لبرهة ثم طلب من العون المناداة على الشاهد الأول
وقف الشاهد أمام القاضي ووقف إلى جانبه عدد من المحامين من هيئة الدفاع وبعض المتهمين، لأن شهادته تهمهم.
وانطلق القاضي في طرح الأسئلة المعتادة على الشاهد:
- اسمك
- اسم أبيك
- اسم أمك
- مهنتك
ويطلب منه أن يرفع يديه لتأدية القسم، قل:"أقسم بالله العلي العظيم أن أقول الحق ولا شيء سوى الحق"، ويردد الشاهد العبارة ذاتها على مسامع الجميع رافعا يديه إلى السماء، ثم تنطلق أسئلة الهيئة القضائية وأسئلة الدفاع.
المتهمون بدورهم لا يقفون صامتين، بل يطالبون من الهيئة السماح لهم بالتدخل لطرح أسئلتهم على الشاهد أو توضيح بعض الأحداث التي جاءت على لسانه.
يجد كاتب الجلسة في أحيان كثيرة نفسه يطلب من القاضي أن يعيد الشاهد ما قاله لأنه لا يسمع جيدا تصريحاته بسبب غياب الميكروفون، ففي أحيان كثيرة يجعل التوتر، هؤلاء الشهود عاجزين عن رفع أصواتهم جيدا أمام القاضي.
إن الارتباك هو السمة الطاغية على هؤلاء الشهود، إضافة إلى التناقضات الواضحة في أقوالهم بين ما صرحوا به أمام الشرطة وأمام قاضي التحقيق.
خلال هذه الجلسة كاد أحد الشهود أن يغمى عليه من شدة الارتباك، وجلس على كرسي ليواصل تصريحاته بصعوبة شديدة، تكفل خلالها بعض المتهمين في حالة سراح بجلب مادة "حلوة" ليأكلها الشاهد وتساعده على الرفع من معنوياته والوقوف أمام الهيئة القضائية.
في أحيان كثيرة، يصاب أعضاء هيئة الحكم أو ممثل النيابة العامة أو الدفاع أو المتهمون بغضب شديد، بسبب شهادة الشهود المتناقضة، وغالبا ما يفسر هؤلاء ارتباكهم بالضغط الذي مورس أو مازال يمارس عليهم.
تتواصل المناداة على الشهود حسب أهميتهم، ومنهم من تستغرق الهيئة القضائية في استجوابه أزيد من ساعة ومنهم من لا تتعدى الدقائق، وبمجرد نهاية شهادة الشاهد، يطلب منه الخروج وعدم مغادرة المحكمة إلا بعد نهاية الجلسة، وبين شهادة وأخرى، يؤدي العون القضائي بحزم شديد عمله المتمثل في المناداة على كل شاهد على حدة، ومرافقة الآخر إلى باب القاعة الرئيسي، لكن في نهاية الجلسة، يكسر هذا العون مرة أخرى الهدوء والبرود، الذي بدأ يطغى على هذه الجلسة، معلنا عن نهايتها.