كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة صباحا. أمام الباب الرئيسي للقاعة الأولى بمحكمة قضاء الأسرة، تدافعت النساء الطاعنات في السن والشابات داخلها، بمجرد فتحها في وجوههن من قبل أحد الأعوان القضائيين ورجلي أمن.
وجلسن في ازدحام شديد على كراسي خشبية ضيقة تؤثث فضاء القاعة.
تعتبر هذه القاعة من أكبر القاعات داخل المحكمة، وتوجد بالمحاذاة مع الباب الرئيسي للمحكمة، لكنها تصبح قاعة ضيقة بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من النساء، والأطفال والنسبة القليلة من الرجال، الذين يحضرون لتتبع قضاياهم وملفاتهم الرائجة في المحكمة، أو التي ستنظر فيها الهيئة القضائية بالقاعة الأولى.
يتكلف كاتب الجلسة والعون القضائي بإحضار الملفات، التي ستنظر فيها الهيئة ذلك اليوم، ملفات كبيرة الحجم وأخرى متوسطة، منها من تآكلت وثائقها ومنها الملفات الجديدة، يرصها كاتب الجلسة بعناية وبانتظام شديدين فوق منصة الحكم، ويطلب من العون الانتباه إليها مخافة أن يقترب منها أحد الحاضرين إلى حين عودته بملفات جديدة.
بعض النساء خاصة من الفتيات الشابات، يقتربن من العون القضائي في حذر شديد، ويطلبن منه أن يسأل كاتب الجلسة حول ملفاتهن، أو ملفات قريبات لهن، لكن العون يقطب حاجبيه، وتبدو عليه علامات الغضب ويطلب منهن العودة إلى أماكنهن، وعدم افتعال المشاكل له مع كاتب الجلسة ورئيسها في ما بعد.
من جانبهم، لا يتواني رجال الأمن الثلاثة عن تأدية مهامهم داخل قاعة الجلسات رقم 1، وهي الحفاظ على النظام والأمن، مطالبين من الحاضرات الهدوء التام إلى حين الشروع في عقد الجلسة.
مهمة هؤلاء تبدو شبه مستحيلة، وهم يحاولون جاهدين إقناع المتقاضيات بالتزام الصمت داخل القاعة، أو الخروج بأطفالهن منها، وعليهم أن يواجهوا كل الاحتمالات من بكاء وعويل النساء، اللواتي ينتظرن معرفة مصيرهن.
أغلب المتقاضين من النساء، تختلف أشكالهن وأعمارهن، وكانت من بينهم زوجة في الخمسينات من عمرها، رفعت دعوى ضد زوجها من أجل الطلاق بعد أن أصبح "زير نساء" في نظرها، يتهافت على الفتيات القاصرات، ويريد الزواج عليها بعد أن غطى الشيب الأبيض رأسه. كانت تحكي بحرقة شديدة مشاكلها مع زوجها لامرأة أخرى تجلس إلى جانبها، ترتدي جلبابا وردي اللون، وتضع منديلا بشكل عشوائي على رأسها، فربتت هذه الأخيرة على كتفها وقالت لها "غير الصبر راه الرجالة كلهم واعرين".
تتحول القاعة شأنها شأن باقي قاعات الجلسات في هذه المحكمة إلى فوضى عارمة وضجيج صاخب، الكل يتحدث، يحكي مشاكله ويتقاسم همه مع الآخرين، هنا تجد المتنازعين في قضايا الطلاق والنفقة والهجر و.....، قضايا كثيرة، وأحداث أسرية مثيرة، لكن قاسمها المشترك هو المرأة، فهذه الأخيرة تشكل أغلب الضحايا في هذه الملفات.
لا تخفي المساحيق التي تغطي بها النساء الشابات محاياهن، والابتسامات العابرة التي تطلقنها في وجه الحاضرين داخل القاعة، أو جلابيبهن ذات الألوان المثيرة، معاناتهن، فالتقرب منهن يكشف ملامح وجوه جميلة لكنها حزينة، حملت عناء تشتت العش الزوجي في وقت مبكر، ويزيد من معاناتهن أطفالهن الرضع، وهجران الزوج وتخليه عن فلذة كبده، وتركها دون معيل.
بعد نصف ساعة تقريبا، ينادي العون القضائي بصوت عال "محكمة" ويلتزم الجميع الصمت، فيما تستمر في الحديث بعض النساء الطاعنات في السن، في الحديث بصوت خافت.
بعد الإعلان عن بداية الجلسة، تدخل هيئة الحكم، ويبدأ رئيسها في المناداة على أسماء الأشخاص المطروحة ملفاتهم أمامه، ويتبع المسطرة ذاتها في الأسئلة:
اسمك ... فاش خدام... مالك مع هاد السيدة؟...
إجابات مختلفة وإنكار في أغلب القضايا، تنخرط أمامه النساء المتقاضيات في البكاء، موضحات لرئيس الجلسة سبب الخلاف بينهن وبين أزواجهن، الذين لا يحضر أغلبهن إلى جلسات المحاكمة، لكن في نهاية المطاف، يدرج رئيس الجلسة، الكم الهائل من الملفات القضائية بسرعة، وغالبا ما يؤجل النظر فيها إلى جلسات أخرى، لعدم حضور أحد أطراف الدعوى. ويلتمس المحامون من القاضي تقريب آجال النظر في القضية، ثم تنتهي الجلسة، ويتقدم العديد من المتقاضين نحو كاتب الضبط أو رئيس الجلسة ليسألونه عن ملفاتهم التي لم تدرج خلال الجلسة، وفي أحيان كثيرة، يذعن لطلبهم ويبدأ في تقليب أوراق الملفات بين يديه ليخبرهم عن تاريخ التأجيل أو مستجدات القضية.
تنتهي جلسة فترة الصباح، وسط امتعاض وانزعاج المتقاضين الحاضرين والجالسين في الصفوف الخلفية، لكونهم لم يتمكنوا في أحيان كثيرة من الاستماع إلى ما يدور داخل القاعة، بسبب انخفاض الصوت، وغياب ميكروفونات داخل القاعة، إضافة إلى الضجيج الذي يعم الممرات المحاذية للقاعة.