بدت القاعة رقم 2 بالمحكمة الابتدائية القطب الجنحي على غير عادتها هذا اليوم، كانت مليئة جدا بالحضور، وكان السبب الوحيد هو أن أغلب الحاضرين، كانوا ينتظرون ظهور الشاب والفتاة، اللذين كانا بطلا قصة الحب خلف الزنزانة، خاصة الفتاة التي خاطرت بحريتها في سبيل قضا
انطلقت الجلسة في حدود الساعة الثانية ظهرا، حضر السلفي يرتدي سروال جينز وسترة صوفية صفراء اللون، مع مجموعة من المتهمين المتابعين بتهم مختلفة، وحضرت الفتاة خلفهم وكانت ترتدي جلبابا أخضر، وتضع منديلا على رأسها، فتاة قصيرة القامة، جلست خلفهم فيما جلس السلفي مبتعدا عن باقي المتهمين، منزويا لوحده ويلتفت أحيانا نحو زوجته، وأحيانا أخرى نحو بعض أقربائه، الذين حضروا للجلسة وكانت من بينهم امرأة ترتدي خمار أسود ورجلا طليق اللحية.
بمجرد دخولهما بدأت الهمسات والإيماءات بين الحاضرين خاصة النساء، إذ قالت إحداهن لصديقاتها : "هادي هي البنت اللي قلت ليك عليها راه دخلها صاحبها في صاك للحبس".
في لحظة، نادى العون "محكمة"، حيث عم الصمت ووقف الكل احتراما للهيئة، التي تتكون من ثلاثة قضاة وقاضيين آخرين يبدوان في مرحلة التكوين، وافتتحت الجلسة، وشرع القاضيان في تدوين كل تصرفات رئيس الجلسة وكيف يتعامل مع المتابعين الماثلين أمامه.
بعد عرض ملفات السرقة والاتجار في المخدرات، التي كانت طاغية هذا اليوم، نادى القاضي على السلفي عادل وزوجته أسماء، فتقدم شاب كث الشعر ولحية قصيرة، يضع يديه خلف ظهره، ووقفت إلى جانبه فتاة بملامح جميلة قصيرة القامة، فطلب رئيس الجلسة من الدفاع استئناف مرافعته، التي طالب فيها بالبراءة لموكليه على اعتبار أنهما أعلنا زواجهما في حين أن إدارة السجن هي التي رفضت توثيق هذا الزواج، واعتبر المحامي أن تهمة الفساد غير ثابتة في حقهما.
انتهى الدفاع من مرافعته وقرر القاضي المداولة في القضية في آخر الجلسة، فخرج المتهم وكانت زوجته خلفه ثم وقف وقدمها أمامه وهو ينظر إليها ويراقبها وكأنه يريد أن يبلغها شيئا ما، ثم خرجا وسط نظرات الحاضرين الذين تتبعوهما باهتمام شديد.
إن أهم ما يميز هذه الجلسة هو رئيسها، فهو قاض شاب حازم في أموره، نعته الكثيرون داخل القاعة بأنه قاض "واعر وصعيب"، لكن البعض الآخر قال إنه شخص متميز ورجل "حقاني لا يحب الكذب".
كان يسير الجلسة وكأنه مايسترو، ينتبه لما يدور داخل القاعة، وكان يستمع لتصريحات الماثلين أمامه بانتباه شديد، ويخاطبهم بلغة عامية جافة، مطالبا إياهم بقول الحقيقة، وكان باقي القضاة من حوله، يركزون على تصرفاته وحركاته وأسئلته الجريئة للمتهمين وبديهته القوية.
رفع القاضي الجلسة لاستراحة مدتها ربع ساعة تقريبا، وفي هذه الأثناء بدأ رجال الشرطة في حفظ الأمن داخل القاعة، أحدهم طلب من أحد الحاضرين الخروج من القاعة لأنه كشفه وهو يطفئ سيجارته في أرضية القاعة، فكلمه بكل عصبية على أنه لم يحترم المحكمة قائلا "مالكم ماكاتفرقوش بين القهوة والمحكمة، خرج عليا من هنايا، هادشي كيطلع الدم"، فيما استغلت العائلات الفرصة لإبلاغ التحايا للمتهمين، أو تسليمهم أكياسا بلاستيكية سوداء، غالبا ما تحمل الأكل والسجائر، لكن رجال الشرطة لا يسمحون بذلك إلا في حالات قليلة ولكن بعد تفتيشها بشكل محكم.
دخلت هيئة الحكم من جديد ونادى القاضي على ملف جديد، وقف المتهم أمام الهيئة، وطاطأ رأسه فسأله القاضي :
- "اسمك
اسم باك
اسم امك
فاش خدام؟
عمرك دخلتي للحبس؟"
- "لا" -
"عندك محام؟"
- "لا"
- "غادي دير المحامي"
- "لا"
- "عاود لينا أشنو طرا داك النهار الي تشديتي فيه وهضر بصراحة راه محاضر الشرطة كتقول أنك معترف".
- "والله السي القاضي ما كنت باغي نشفر، راني كنت سكران".
- "أنت متابع بمحاولة السرقة والسكر العلني بعدما تهجمتي على ثلاثة ديال لبنات".
- "لا السي الرئيس راني كنت سكران وملي قربت حداهم، تعكلت وكنت غادي نطيح على واحدة فيهم".
- "كنتي غادي طيح وطحت على الساك ديريكت".
"لا لا والله ايلا معرفتش"
- "واخا المداولة آخر الجلسة"
نادى القاضي على ملف جديد، كان المتابع فيه رجل في الأربعينات من العمر، يرتدي سترة زرقاء اللون، ووقف إلى جانبه امرأة في الستينيات من عمرها، ترتدي جلبابا مزركشا، وتضع منديلا على رأسها بشكل عشوائي.
ألقى القاضي على المتهم الأسئلة المعتادة قبل أن يسأله من تكون هذه المرأة؟ فأجاب أمي.
وأبدى القاضي استغرابا وهو يخاطبه "أمك وضربتيها وتهجمتي عليها".
- "لا ما ضربتهاش"
وتوجه القاضي بالسؤال إلى الأم : "الحاجة عاودي لينا أشنو طرا، واش هاد ولدك، واش ضربك ولا لا؟"
- "أنا السي الرئيس راني مسامحاه الله يهديه
"- القاضي غاضبا : "كيفاش سمحتي ليه، أنتي راكي خدمتي الجدارمية والبوليس ووكيل الملك والمحكمة وخدمتينا، وجاية دابا تقولي راكي سامحتيه هادشي راه ماشي اللعب الحاجة" هو راه عندو تهمة الاعتداء بالضرب والجرح في حق الأصول"، فتلعثم الكلام في حلق الأم، وكررت رغبتها في مسامحته.
فعاود القاضي سؤاله "ودابا غير قولي بصراحة واش ضربك ولا لا؟« فلم تتمكن من الإجابة، فطلب منها القاضي أن تريه يدها اليمنى، وكانت آثار الاعتداء والكدمات لا تزال بادية عليها، فقال لها : "راه ضربك الحاجة وهو لي دار ليك هاد الزروقيا ياك"
- "عافاك السي الرئيس راني مسامحاه غير هو الله يهديه"
فطلب القاضي منها الصمت، والتفت نحو ابنها المتهم، قائلا "دابا غير عاود ليا أشنو طرا داك النهار بصراحة وإلا غادي نعتبر أمك ما قالت والو"
فقال : "أنا تهجمت عليها في الدار لأن أختي بغات تجيب شي واحد لدارها هي"
- "دار من؟"
- "دارها هي"
-"شكون هي هاد هي؟ واش كاين شي واحد تيقول لمو هي"
"المهم دابا أنت دخل سوق راسك وديها في ولادك ودارك ياك أمك عايشة مع بنتها وهي عزيزة عليها، تجيب ليها من بغات للدار".
والتفت القاضي للأم وسألها "واش كاين هادشي الحاجة" فاجابت بسرعة : "اييه أولدي عندك الحق"
فضحك القاضي من اعترافها كما ضحك الحاضرون والمتهمون، فأشار إلى المتهم بأن يقبل رأس والدته ويطلب مسامحتها، وألا يكرر فعلته وأنه سيبت في القضية بعد المداولة .
واصل القاضي النظر في عدد الملفات المتراكمة أمامه، من محاولة السرقة والتحرش والسكر العلني والاعتداء على رجال الشرطة وأحداث الفوضى والفساد ، ليؤجل البت فيها جميعها إلى ما بعد المداولة في آخر الجلسة.