يمر قطاع الصناعة التقليدية في المغرب، الذي يعد أحد أكبر مشغل لليد العاملة بعد الفلاحة،
بفترة صعبة إلى درجة يتحدث فيها مهنيون عن قرب اندثار مهارة متوارثة عبر قرون، ما جعل دار الصانع تطلق ثاني عملية لبيع منتوجات هذه الحرفة والنهوض بها، وذلك عبر المراكز التجارية الـ 12 التابعة لسلسلة أفخم المحلات التجارية في مختلف ربوع المملكة
وتأتي هذه الخطوة لنفخ الروح في هذا القطاع، ومضاعفة رقم المعاملات التي جرى تحقيقه خلال حملة في السنة الماضية
غير أن هذه المحاولات لم تتمكن بغطائها القصير والمحدود، على حد تعبير مهنيين، من حجب المعاناة الكبيرة التي يعيشها الحرفيون، الذين لم يتزحزح مؤشر الركود الملازم لتجارتهم منذ سنوات، بسبب قلة إهتمام الزبائن التقليديين المغاربة، والاقتصار فقط على الزوار الأجانب الذين يقبلون على هذا المنتوج، في كل زيارة تقودهم إلى المغرب
وتعد صناعة الخزف في مدينة آسفي الواقعة على ضفاف المحيط الأطلسي، إحدى المهن الحيوية التي تعكس مرآتها مهارة يد الصانع المغربي محليا ودوليا
آسفي أو عاصمة الفخار، كما يحب تسميتها البعض، تشغل من خلال هذه الحرفة التقليدية، التي تعد تراثا ثقافيا وسياحيا، حوالي 2000 شخص بشكل مستمر وعددا كبيرا من العمال الموسميين، كما أنها تتمركز بشكل أساسي في حي الشعبة المؤسس لاحتضان العدد المتزايد من حرفيي الخزف الذين وصل عددهم إلى 100، يمارسون عملهم في 74 ورشة مجهزة بـ 130 فرنا تقليديا، إضافة إلى هضبة الخزف التي تعد أقدم حي في المدينة ويعمل فيه أكثر من 800 حرفي في 37 ورشة مجهزة بـ 70 فرنا تقليديا
إلا أن العراقة والقدم لم يشفعا إلى هذه الحرفة، لكي تنتظم وتحصن نفسها من الركود، وتحمي إبداعات الصانع المغربي من الاندثار، الذي يهدد عيون الزوار بالحرمان من رؤية أشكال هندسية في غاية الروعة، صنعت من طين وماء وبعض المواد الكيماوية فقط
فهذه التحف الفنية الرائعة، دق عبرها المغرب، من خلال يد الصانع المسفيوي، أبواب المحافل الدولية التي ظفر فيها بعدة ألقاب وميداليات، منها الميدالية الذهبية في المعرض الدولي في مرسيليا سنة 1922، ودبلوم شرفي في المعرض الدولي في باريس سنة 1931، ودبلوم ووسام استحقاق من المعرض الدولي في نيويورك وجائزة الحسن الثاني بطنجة سنة 1949
حياة تحترق بين الأفران بين نار الأفران وسط ساحات مشمسة، أو في داخل حفرة يدير من خلالها لولبا خشبيا، إحترقت شمعة حياة صناع مدينة آسفي، قبل أن يأتي لهيبها على جيوبهم التي ضربتها الفاقة بسبب تراجع الإقبال على إقتناء هذه المنتوجات، وغياب المراقبة الصحية وسوء الظروف التي يعملون فيها
ورغم كل هذا، تجد الصناع يعانقون الصلصال بعيونهم بل حتى بجوارحهم، قبل أن يبدأوا في مداعبته و»دغدغته« بأناملهم حتى يتخلق ويتشكل وتدب فيـه الحياة التي فارقت ملامح وجهوهم الشاحبة بحرارة الأفران
ويقول أحد الحرفين ويديه تهدهد قطعة طينية بدأت معالمها في الارتسام : تربطنا بقطعة الطين هذه علاقة قوية ومتينة، قد تصل إلى حد العشق، ورغم المعاناة الكبيرة التي نتكبدها في مواصلة إمتهان هذه الحرفة، إلا أننا ما زلنا نمسك عليها لأنها الشيء الوحيد الذي فتحنا عليه أعيننا، وعلمه لنا أجدادنا
إنهم مفتونون بهذه المهنة التي لم توفيهم حقهم كما خدموها، وهو ما جعل انتقالها إلى الأجيال الجديدة يتناقص، خوفًا من أن تكون نهايتهم بين نيران الأفران
ويوضح الحرفي ذاته، والحسرة تعصر قلبه : »لا يبدو على الجيل الجديد الإهتمام أو الرغبة في تعلم صنعة الأجداد، لأنهم ربما متخوفون من الوقوع في براثين الفقر الذي رمى بشباكه على أسلافهم
صحيح أن العديد من متقني الفخـاريات في زماننا، يشترونها كأداة تجميل وديكـور يزوق بها المكـان ويضفي عليـه بهاء وسحـرا، إلا أن ذلك لا يعني أنها صنعت لهذه الغاية الجمالية
فالزير وقلة الماء و»البرمة« وغيرها من الأدوات الفخارية ما زالت موجودة في مجتمعات الفلاحين في المشرق العربي، لكنها توارت واندثرت عن الحضور في المجتمعات المدنية الحضرية، بسبب سيادة القيم الاستهلاكية
ماض عريق وحاضر باهت لا يختلف اثنان على أن صناعة الفخار عريقة في مدينة آسفي، لا سيما أن الفخاريات من أقدم الصناعات التقليدية في العالم
وأشار أحد الرواد الصناع التقليديين إلى أن هذه الحرفة كانت موجودة قبل ميلاد سيدنا المسيح عليه السـلام بالآف السنين، فقد كانت الصناعة المألوفة والرائجة في عهد الفينيقيين، وزاد قائلا إن منطق الأشياء والقوانين الحياتية الفطرية يجعلني أفترض وجود صناعة الفخار قبل عصر الفينيقيين، لا سيما أن مصر عرفت هذه الحرفة اليدوية التقليدية الممزوجة بالسحر والإبداع والجمال والأصالة المشرعة أبوابها ونوافذها على العصر ومنجزاته
وفي كتابه الذي كرسه لماضي صناعـة الخزف وحاضرها في المدينة، يذكر مؤلفه مولاي التهامي الوزاني أن آسفي تميزت بتعدد فخـارها وخصوصيتها وجودتها
لذا تمكنت من »فبركتها« لعجينة الطين
ومن ثم التربع منذ سنين على عرش الصناعات التقليدية
ويرى الوزاني أن هذه المقولة التقريرية الحاسمة لا تعني بالضرورة تل الفخارين الـذي يلم شمل محترفات جل مبدعي الفن
إذ إن الآثار والوثائق المتوافرة والمتاحة له وهي قليلة نادرة يصعب معها تحديد عمر تل الفخارين
وهو ما حفز الأستاذ التهامي الوزاني على التساؤل عمّا إذا كان التل يضم كل المصانع التقليدية لصناعة الفخار، كما هو الحال في أيامنا المعاصرة ويجيب عن سؤاله الذي طرحه بقوله إن المقتنيات التاريخية لا توفـر معرفة تحسم المسألة
لكنه يشير إلى أن الأثريين عثروا في »الجرف اليهودي لما« عام 1950 على تمثال نصفي يوجد حاليا في متحف الأثريات في العاصمة الرباط، إلا أنه خلال القرن الحادي عشر ظهرت مدينة آسفي على مسرح التاريخ والجغـرافيا
وبخاصة إثر إحتفال المؤرخين والجغرافيين بها
ورغم كل هذا التاريخ العريق، إلا أن إبداع الصانع المغربي يجافيه أهل الدار ويقبل عليها الزوار، وهي المفارقة التي قد تأتي على هذا الفن التقليدي وتمحو ماضيه الحافل بالإبداع