يتجسد مفهوم السكن لدى المواطن المغربي، في البيت المستقل، الذي لا يربطه ببقية البيوت الأخرى، سوى أخلاق ومعاملات الجوار و "التيقار "، أي أن يكون البيت فضاء مستقلا بذاته، مسورا على خصوصياته وأسراره، مستورا على فقره أو ثراته ، على مشاكله وخصوماته أو انبساط
ويتمنى المغربي أن لا يخرج من بيته إلا ما يريد إخراجه، وليس ما يكره ويضطر لإخراجه، حتى أن هندسة البيوت المغربية في إحياء المدن القديمة تتشابه إلى حد كبير أبواب وواجهات لا يفرق بينها في الغالب الأعم أي شيء، بل تكاد تتماثل، كي لا تبرز الفوارق والتباينات، فيما الدواخل تطفح بالاختلافات الكبيرة، بيت لأسرة ثرية يستر ثراءه، إلى جوار بيت فقير لا يفضح عوزه وخصاصه.
فيما معاملات الجوار بينهما تنعم بالتكافل والتضامن، دون أن تمتد إلى إذلال البيت الثري لساكنة الفقير أو عداء البيت الفقير لآل البيت الثري، كان هذا في الماضي من نواميس ومواضعات المساكن المجاورة، وتتميز الذاكرة الشعبية بثقافة حافظة لهذه المسلكيات التي سادت المجتمع المغربي، إلى حدود سنوات قريبة، بل مازال بعض منها، حاضرا، وإن بشكل مختلف عن ما كان يمثل سمة من سمات السكن في المدن المغربية العريقة
لكن توسع المدن المغربية وتزايد ساكنتها بشكل كبير، وحاجتها إلى مساكن كثيرة، أدى إلى بدائل عمرانية جديدة تمثلت في بناء دور العمارات، والمركبات السكنية، وهو نموذج سكني كان معروفا منذ بداية القرن الماضي، وإن كان يقتصر على مساكن وبيوت الجاليات الأجنبية، أو ما كان يعرف بـ "ديور النصارى".
واليوم، فإن النمودج السكني المعتمد، بشكل واسع في المغرب، يتمثل في سكن العمارات، التي يمثل ساكنتها غالبية السكان في المدن المغربية، حيث تحتل 12.4٪، من مجموع أنواع السكن المعتمدة في المغرب، حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى الأخير، وهي نسبة لها دلالتها الاجتماعية، وتأثيراتها السلوكية، ونمط معيش ساكنتها، خصوصا وأن هذا النوع من المساكن، أو ما يطلق عليه، نظام الملكية المشتركة، يعتبر جديدا وطارئا، على الثقافة السكنية المغربية، إضافة إلى أن ساكنته لم تقطع، في غالبيتها مع مواضعات السكن القديم، فقد نقلته إلى العمارة، وزادت في تكريسه وتعميقه، على نحو متطرف، والحال أن السكن المشترك أو سكن العمارات، له خصوصياته وقواعده القائمة أساسا على التوافقات والتراضي، والتضامن، إضافة إلى احترام الحدود واللوازم المشتركة التي يتقاسم فيها ساكنة الملكيات العقارية المشتركة كل شيء، بدءا من الأمن والنظافة وقيم الجوار، واللوازم المالية لتمويل نفقات القضايا المشتركة بين السكان.
إلا أن واقع الحال يكاد عكس ذلك، إذ أن هناك ضعفا كبيرا في الامتثال لثقافة السكن التشاركي، ويظهر ذلك في العدد الكبير للخلافات بين السكان، والتي عادة ما تنتهي في ردهات المحاكم، وهي إما بسبب الفهم الخاطئ لحدود الحرية، أو رفض بعض السكان الإيفاء بمستحقات الحراسة والأمن أو التنظيف والصيانة، وواجبات المصعد، واستغلال السطح أو مواقف السيارات، إضافة إلى المنازعات حول تدبير المساحات الخضراء، وأماكن لعب الأطفال أوما ماثل ذلك.
وتؤكد المنازعات الخاصة بسكن العمارة إلى وجود فهم ضيق لقانون الملكية المشتركة، وإن كان هذا النوع من السكن لا يفتقر إلى تقعيد قانوني مند ظهوره في المغرب، فقد كان هناك قانون يعود تاريخه إلى عام 1915، والذي دخل حيز التطبيق مع مرحلة الحماية الفرنسية، الذي جاء ليواكب سياسته الاستعمارية بالمغرب، التي تمظهرت في جانب من جوانبها في المجال العمراني، بعمليات بناء وتشييد الأحياء الجديدة التي خصها لموظفيه، والتي كرست إلى حد بعيد الانتقال من الطابع العمراني التقليدي الإسلامي إلى الطابع الأوروبي الحديث.
ويعتبر هذا القانون، مقدمة أولى لتنظيم القطاع السكني التشاركي، ثم ظهير 1946، الذي ثم العمل به لفترة طويلة، واعتبر أيضا مقدمة لظهير 3 أكتوبر 2002، المنظم للملكية المشتركة للعقارات المبنية، وهو تتويج لتطور واقعي وتشريعي، مر بمرحلتين سابقتين تتقاطعان في العديد من بنودهما، وإن كانت بعض النواقص التي تخللتهما، على خلفية التطورات التي طرأت على وضعية العمران، وطبيعة ساكنتها.
ولأن قانون 1946 لم يدقق في كل التفاصيل المتعلقة بالملكية المشتركة، فإن قانون 2002 تسري أحكامه على العقارات المبنية المقسمة إلى شقق أو طبقات أو محلات، والمشتركة ملكيتها بين عدة أشخاص، كما تسري هذه الأحكام كذلك على مجموعات العقارات المبنية، وعلى مختلف الإقامات المؤلفة من بنايات متلاصقة أو منفصلة وبها أجزاء مشتركة، كما تشمل أحكامه العقارات، محفظة كانت أو في طور التحفيظ أو غير محفظة.
كما يعمل على حماية الحقوق الفردية للملاك المشتركين، والتشديد على تحصين حقوقهم الجماعية، فضلا عن فرض الالتزام بوضع نظام الملكية المشتركة، وذلك تحت طائلة الخضوع لنظام نموذجي، وتحديد حقوق والتزامات الملاك المشتركين ومكتريهم، إضافة إلى تنصيصه على المجموعات السكنية والتعاونيات السكنية، وتحديد الأجزاء المشتركة والأجزاء الخاصة بشكل مفصل.
وعموما فإن السكن المشترك، أصبح له حضوره القوي والمتميز، الذي سيزيد مع زيادة نمو الساكنة المغربية، التي لم تقطع في غالبيتها مع ثقافة السكن التقليدي أو السكن الفردي، مما سيضاعف من المشاكل والخلافات، التي لن يحلها القانون الجديد لنظام الملكية المشتركة، رغم أهميته ودقة بعض مواده، بل التعريف الجيد بهذا القانون وإشاعته وتعميمه بين ساكنة العمارات، وأيضا في تبسيطه في تعاريف ميسرة، ليسهل استيعابه والعمل به، مع العلم أن اهمال هذا الجانب سيزيد لا محالة من مشاكل ساكنة العمارات، وما يترتب عن ذلك من تغيير في قيم الجوار ومواضعات الاحترام بين السكان، وتحميل الأطفال بتأثيرات أخلاق العداء والمشاحنات، إضافة إلى اهمال النظافة، وتراكم الأزبال وتشوه واجهات العمارات ومداخلها وهي الحالة التي أضحت ماثلة في العديد من دور العمارات، التي تبدو مثل علب من الإسمنت ، بمناظر متسخة، مشوهة ولا تبعث على الارتياح.