حراس العمارات السكنية

أدوار متعددة ووضعية مالية واجتماعية خانقة

السبت 11 مارس 2006 - 12:55
عبد الله أمام غرفته في مدخل العمارة

يعاني حراس العمارات أو بوابو عدد من المباني السكنية وضعية اجتماعية ومادية خانقة، تتجسد في ضعف رواتبهم الشهرية، التي تتراوح ما بين 800 و1500 درهم، وكذا انعدام وثائق قانونية لدى الأغلبية، تدل على انتسابهم لمهنة حراسة العمارات وتثبت حقوقهم.

ويصطدم بعض حراس الملكيات المشتركة بضغوطات نفسية تفرزها معيقات تنظيمية، خصوصا عندما يشوب الارتباك عمل الجمعية العامة المكونة من سكان العمارة، والنفور بين أعضائها من جهة، وبين نقيب العمارة أو الملاك من جهة أخرى، وكذا بسبب تجاهل السكان للدور الحقيقي للحارس وإلزامه بأشياء تخرج عن إطار عمله الحقيقي.

دخل أغلب سكان العمارات السكنية الذين حاولت "الصحراء المغربية" رصد واقعهم المليء بالمعاناة والثغرات، ميدان أو "سوق" الحراسة كما يسمونه، بمحض الصدفة، فبعضهم غادر مدينته بحثا عن عمل، فلم يجد أمامه أفضل من السهر على حماية ممتلكات الغير، والبعض الآخر قرر المكوث في العمارة التي ساهم في تأسيسها كعامل في البناء.

من هؤلاء الحسين لشهب (31سنة) الذي لم يفكر أبدا عند نزوحه من بلدته الصغيرة أنه سيلج سوق البوابين كما يسميه، إلا أن الحاجة والبحث الفاشل عن حرفة أقل عناء وأوفر مالا أضنياه وأرهقاه، فاضطراه إلى العمل كحارس عمارة منذ 11 سنة، واعتبره موردا ضروريا لتأمين لقمة عيشه فقط، ولو كلفه ذلك الاستغناء عن أهم ضروريات الحياة من مسكن لائق يتوفر على أهم سبل العيش، وعن ذلك قال الحسين "أقطن في غرفة في سطح البناية أشبه بالحفرة، تفتقر للماء ودورة المياه، لذلك ألجأ إلى استعمال مرحاض المقهى الذي بجانب العمارة أو إحدى الشقق الفارغة في العمارة".

يجهل الحسين تماما حقوقه التي خولتها له مدونة الشغل لكي يطالب بها، على الرغم من أنه يدرك جديا أنها مهدورة، وأنه يستحق أكثر بكثير مما يناله، على الأقل من حيث الأجر الشهري الذي لا يتعدى 1300 درهم و يحصل عليه بمشقة الأنفس، يدفع منه أجر عاملة النظافة أسبوعيا.

وأوضح الحسين "بعد إلحاح شديد من سكان العمارة على "السانديك"، قرر هذا الأخير منحي أجرتي كاملة عند كل شهر، بعد أن تماطل في دفعها بحجة أن السكان لم يؤدوا واجبات العمارة الشهرية".

ينهض الحسين صباح كل يوم، لمسح السلالم، الزجاج ومدخل العمارة، وكذا سقي الزرع كما يقوم بنشاطات استثنائية كقضاء حاجيات ومتطلبات سكان الشقق الخارجية دون مقابل مادي غالبا".

وفكر الحسين مرارا في ترك مهنة حراسة العمارة والبحث عن مورد رزق آخر، إلا أنه اصطدم بدوامة الفشل في البحث من جديد، وفكر أيضا في أن يعود أدراجه إلى بلدته، إلا أنه كلما تذكر أن لا أحد له هناك، فحتى أبواه توفيا منذ مدة، أقعده الصبر وقلة الحيلة
اندهش الحسين عند فتح موضوع الزواج وتكوين أسرة وكأنه ألغى هذه الكلمة من قاموس حياته، وأوضح بعد أن اعتدل في جلوسه بسرعة، "كيف وأين وبماذا سأتزوج أو أؤسس أسرة، علما أنني أفتقر لأبسط متطلبات الزواج، مسكن يأوينا معا"، سكت قليلا واستطرد "ربما أفكر في ذلك عندما يتغير وضعي، هذا إن تغير".

وإذا أجل الحسين فكرة الزواج بسبب ظروفه المادية، فهناك بوابون ازدادت حياتهم المعيشية سوءا، لأنهم يعيلون أسرا وعائلات، عبد الله شكورت (48 سنة) ولج ميدان حراسة العمارات بالصدفة منذ سنة 1992، عندما جاء من مدينته بصحبة زوجته للبحث عن مورد للعيش، تاركا خلفه عائلته الكبيرة وابنته.

بدأ عبد الله حديثه عن المصعد، هاجسه الأكبر في العمارة التي يعمل بها، فبعد برهة من وصولنا كان عبد الله يتعارك ليخرج أحد السكان الذي علق به المصعد في الطابق الرابع، وأكد عبد الله أن هذه العملية أصبحت مهمته الأولى أمام تعطل المصعد الدائم، لدرجة أنه لا ينعم بالراحة حتى في يوم عطلته الذي يحصل عليه رغم أنف نقيب العمارة "السانديك".

يواجه عبد الله مشاكل عدة في عمله ترتبط أساسا بتأخر "السانديك" في دفع راتبه الشهري الذي لا يتعدى 1500 درهم بسبب تماطل الملاك في دفع واجبات استعمال الأجزاء المشتركة في العمارة، ويقول عبد الله "لا تطبق إجراءات قانونية بخصوص تعيين "السانديك" الذي يتغير تقريبا شهريا، لذلك يضيع حقي وأعجز عن المطالبة بحقوقي القانونية والمادية، مع العلم أنني أشتغل منذ السابعة صباحا إلى حدود منتصف الليل، أكنس وأمسح وأقضي طلبات سكان العمارة".

ولا يختلف حال محمد عجال (65 سنة) عن باقي زملائه من بوابي العمارات، وإن كانت حالته المادية أكثر سوءا منهم، إذ لا يتجاوز مرتبه الشهري 800 درهم، على الرغم من أنه قضى ما يناهز العشرين عاما في هذه المهنة، يلهث وراء زيادة في الأجر وضمان لحقه القانوني، لكن يقول محمد "هيهات، فرغم أن (السانديك) يدرك تماما حق البواب في الحصول على حد أدنى من الأجور إلا أنه يتجاهل الأمر ويتعلل بقلة مساهمات الملاك المادية".

يقضي محمد اليوم كله في تنظيف العمارة ومسح الغبار، بالإضافة إلى اقتناء أغراض البيت للسكان، لا يشتكي من الصعود الدائم للخمس طوابق رغم تقدمه في السن، وعن ذلك يقول محمد "لم أشتك طوال المدة التي قضيتها في هذه العمارة من العمل، إلا أنني أشتكي من حالتي المادية المزرية خصوصا وأنني أعيل عائلة بأكملها".

وربما يعتبر عبد الكريم حالة استثنائية عن باقي البوابين، فهو يتمتع بعقد قانوني يربطه بمشغله، إذ قال "طالبت منذ البداية بإجراء عقد يضمن حقوقي ويحدد ساعات العمل اليومية، وبالفعل أعمل الآن من الساعة السابعة والنصف صباحا إلى السابعة والنصف مساء، وأحصل على فترة استراحة لمدة ساعة من أجل تناول وجبة الغذاء".

احترف عبد الكريم النجارة في فترة مبكرة من حياته، ودفعته ظروفه المعيشية الصعبة إلى خوض تجربة حراسة العمارات السكنية، بعد عجزه عن تأمين ورشة للنجارة خاصة به، خصوصا وأن عمله كأجير في ورشات متعددة لم يكن يسد كافة احتياجاته الأسرية.

شارك عبد الكريم العمال في بناء العمارة التي يشرف على حراستها الآن، فاختاره سكان العمارة أن يكون حارسا لها لتفانيه في العمل، لذلك لا يفكر في التخلي عن هذه المهنة بعد أن أمنت له ولابنيه مسكنا يؤويهم ومرتبا شهريا يتمثل في 1500 درهم بالإضافة إلى 500 درهم لزوجته عن مساهمتها في تنظيف الأجزاء المشتركة داخل العمارة.

عمل البواب لا يشترط عقدا كتابيا
لم يتطرق المشرع المغربي من خلال إقراره لمدونة الشغل الجديدة، بمقتضى الظهير الشريف 03 194/1، بالتفصيل لوضعية البوابين، واعتبرها ضمن وضعية فئة الأجراء الخاصة التي تنضمها قوانين معينة، وبالرجوع للمادة 3 من مدونة الشغل الجديدة، فإن فئة الأجراء التي نص عليها المشرع تظل خاضعة من خلال أحكام الأنظمة الأساسية المطبقة عليها
وفي جميع الأحوال أكد المشرع على أن هذه الأنظمة الأساسية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقل عما تنص عليه مدونة الشغل من امتيازات أو ضمانات.

وتحدث محسن هشام، محامي، في حديث مع "الصحراء المغربية" عن الفقرة السادسة من المادة 3 التي تنص على خضوع البوابين في البنايات المعدة للسكنى، لنظام خاص، صادر بمقتضى ظهير شريف بمثابة قانون رقم 258/76/1 الذي أصدر بتاريخ 8 أكتوبر 1977، ويتعلق بتعهد بنايات وتخصيص مساكن للبوابين في البنايات المعدة للسكنى.

وأشير في الفصل الأول من هذا الظهير، يضيف محسن هشام، إلى أن كل بناية أو مجموعة من البنايات المخصصة للسكنى التي تضم عشر بنايات على الأقل، يجب أن تشتمل على بواب يقوم بأعمال الحراسة والتعهد، ويجب أن يتوفر هذا الأخير على مكان خاص، وأشار المشرع إلى أن هذه الاجراءات تعتبر مقتضيات إجبارية، إذ أكد على أنه كلما تضاعف عدد المساكن، كان إلزاميا توفر مسكن آخر لبواب ثاني.

وفي ما يتعلق بالسكن الاقتصادي، اعتبر المشرع أن كل بناية تضم ما بين 20 و40 مسكنا يجب أن تتوفر على بواب، وإذا كان عدد البنايات يتجاوز الأربعين يجب أن يخصص مكان ثان لبواب آخر، ويجب ألا تقل المساحة الواحدة لمسكن البواب عن 80 مترا بالنسبة لحجرة واحدة ومطبخ ومكان نظافة في كل بناية أو مجموعة بنايات لا تضم أكثر من 30 مكسنا.

وينبغي أن توازي مساحة البناية 45 متر في حالة توفر أكثر من 31 مسكنا وتسند أعمال البواب المأمور بالقيام بأعمال التعهد إلى مسير شؤون البناية (السانديك أو الملاك)، في حين تحدد أجرة البواب بالاتفاق المسبق بين الطرفين، مع مراعاة الاجراءات الآمنة الواردة في مدونة الشغل، مع احتمال اعتبار مسكن البواب جزءا من الأجرة.

ولبوابي العمارات حسب المحامي، الحق في التمتع بحقوقهم التي خولتها لهم مدونة الشغل الجديدة، كالحد الأدنى للأجر، والتعويضات العائلية والعطل، كما يخضعون لنظام حوادث الشغل والأمراض المهنية.

ويؤكد المحامي أن علاقة الشغل بين السانديك، باعتباره رئيسا لاتحاد الملاك، وبواب العمارة لا تشترط بالضرورة عقدا مكتوبا بين الطرفين، إذ يمكنها أن تكون شفوية، وفي هذه الحالة يتعين إثباتها ولو بشاهد واحد، فقد استقر الاجتهاد القضائي أن شهادة شاهد واحد كافية لإثبات العلاقة الشُغلية، عند وقوع أي نزاع.

ويرى محسن هشام أن أغلب المشاكل التي يواجهها حارس العمارة تتعلق بعدد ساعات العمل التي تخضع لمزاج السكان واحتياجاتهم، فبما أن البواب يقطن في نفس العمارة التي يعمل بها، يضطر إلى تلبية حاجيات السكان ولو في ساعات متأخرة من الليل، من جهة أخرى يواجه البواب مشاكل عديدة عندما يرتبط عمله مباشرة بالملاك دون تدخل من طرف "السانديك" الذي يتحمل إلى حد ما جزءا مهما من المسؤولية تجاهه.

أما في غياب عقد مكتوب، يعيش البواب مهددا بالطرد التعسفي في أية لحظة، والإجبار على مغادرة مسكنه، إلا أنه في هذه الحالة لا يمكن تنفيذ حكم المغادرة قبل أجل ثلاثة أشهر، أو توفير سكن مماثل أو تعويضه بقيمة مالية عن هذه الأشهر، إلا إذا ارتكب البواب خطأ جنحيا أو ما شابه.




تابعونا على فيسبوك