حددت مدونة الأسرة الجديدة، سن الزواج بالنسبة للشاب والشابة في 18 سنة، وساوت بين الجنسين في هذا الأمر ،وذلك بعد الجدل الكبير الذي عرفه تغيير مدونة الأحوال الشخصية. وأثيرت مسألة رفع سن الزواج، ليكون حده الأدنى للفتى والفتاة 18سنة
وذلك لأسباب كثيرة منها
وأوضح هشام محسن، محام بهيئة الدار البيضاء، أن تحديد سن الزواج في 18 سنة، أراد به المشرع المغربي المساواة واكتمال الأهلية لدى الجنسين.
وهذا ما نصت عليه المادة 19 من قانون الأسرة : "تكتمل أهلية الزواج باتمام الفتاة والفتى المتمتعان بقواهما العقلية 18 سنة شمسية".
واعتبر هشام محسن، أن مدونة الأحوال الشخصية السابقة، شملها تعديلان في ما يتعلق بمتوسط سن الزواج "ففي النص الأول من مدونة الأحوال الشخصية، التي كانت تشير إليه المادة 8 أهلية الزواج للفتى 18 سنة، فإن خيف العنى رفع الأمر إلى القاضي وفي الفتاة تمام 15 سنة من العمر.
وهو النص الذي كان يتطابق مع المادة 144 من القانون المدني الفرنسي، يضيف المحامي، باعتبار أن المشرع المغربي يستمد تشريعه من النصوص القانونية الفرنسية خاصة تلك التي تنطبق مع تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف.
كما أن تحديد سن الزواج كان يراعى فيه دائما تطبيق المواثيق الدولية المرتبطة بحماية حقوق الطفل.
وأكد الأستاذ محسن، أن المشرع المغربي عدل المادة 8 من المدونة القديمة سنة 1993، إذ تم رفع سن الزواج إلى 21 سنة بالنسبة للفتى و18 سنة بالنسبة للبنت، وذهب هنا المشرع، يضيف المحامي، مع ما ينص عليه القانون الجزائري في ما يتعلق بتحديد سن الزواج الذي حدد سن الزواج في 21 سنة بالنسبة للفتى و18 سنة بالنسبة للفتاة.
وأشار إلى ذلك في المادة 15 من مدونة الأحوال الشخصية القديمة ذاتها، إذ كانت تنص على أنه "تكتمل أهلية نكاح الفتى ببلوغه سن الرشد القانوني، وفي الفتاة بتمام ثمانية عشر سنة من العمر".
وتأذن المحكمة في زواج من لم يبلغ سن الأهلية كلما وجد سبب خطير أو اقتضته المصلحة الظاهرة للزوجين، وذلك بعد سماعها لتصريحات الولي وكل من ترى فائدة في الاستماع إليه".
وأشار الأستاذ محسن، إلى مسألة أساسية وهي أن المشرع المغربي لم يورد أي جزاء على مخالفة مقتضيات المادة 19 من مدونة الأسرة الجديدة، لأنه لم يرتب جزاءات جماعية لمرتكب الفعل أي الشخص الذي تزوج فتاة قبل السن القانوني.
ويؤكد المحامي، "أن الزواج الآن كله أصبح موكولا بيد القاضي إذ أصبح مبنيا ومتوقفا على استصدار إذن، ولكن هذا لا يمنع من الناحية العملية من وجود تحايلات على هذا الأمر من تزوير وثائق".
واعتبر المحامي، أن العقوبة على جريمة تزوير الوثائق وإن كانت واضحة وعقوباتها قائمة، إلا أن المشرع المغربي، في نظره، يواجه مشكلا آخر هو إمكانية الزواج بواسطة سيادة بعض الأعراف لحد اليوم مثل الزواج بالفاتحة الذي مازال قائما في العديد من المناطق، وهي أعراف تتعدى السلطة المخولة للقاضي ذاته.
وأوضح المحامي أن المشرع ، وإن كان لم ينص على جزاءات عند مخالفة المادة 19 سالفة الذكر، فإنه شدد على تطبيق مقتضيات هذه الأخيرة، إذ أكد على قاضي الأسرة التشدد في منح الإذن بالزواج، خاصة في القضايا المعروضة على المحاكم والتي تتعلق باستصدار أمر زواج القاصر ".
لكن أغلبية هذه القضايا، يضيف الأستاذ هشام، يتم الاستجابة إليها دون التدقيق في هذه الشروط بمعنى أن هناك غالبية عظمى من هذه القضايا لا تناقش، مما يتعارض مع روح المدونة التي تمنع منعا كليا زواج القاصر دون بلوغها السن القانونية، وهو وضع ينتفي فيه الاختيار الحر للفتاة، وفي ظله تنتهك العديد من الحقوق خاصة مع ما نشاهده في الواقع من أوضاع محزنة ومهينة للزوجة .
ولأن الحكمة الظاهرة في التشديد في تطبيق الإذن بالزواج ترجع بالدرجة الأولى إلى السن القانوني،لأن سن 18 سنة هو السن الذي يدرك من خلاله الشاب والشابة حقوقهما وواجباتهما القانونية والالتزامات المفروضة عليهما في عقد الزواج ويكونان بالتالي قادرين على تطبيقها ويكونان أهلا لتحمل هذه الالتزامات.
وذكر المحامي محسن، أن لرفع سن الزواج إيجابيات كثيرة، منها أن المشرع المغربي ساوى بين الجنسين في سن 18 سنة، رغم أنه خفض سن الزواج تراجع بثلات سنوات بالنسبة للفتى، وخفض من 21 سنة إلى 18 سنة، ووصف المحامي هذه المساواة بالحميدة، لكنها تبقى في نظر المحامي، متوقفة على مدى تشدد قضاة الأسرة في تطبيقها.
فالقاضي هو الوحيد المخول له السلطة في منح الإذن بالزواج، وعليه أن يكون صارما في منح هذا الإذن خارج الإطار القانوني خاصة، يضيف الأستاذ هشام، عند تطبيق مقتضيات المادة 20 من مدونة الأسرة الجديدة، التي تنص على أن "قاضي الأسرة المكلف بالزواج له أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية، المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه، ولكن بمقتضى قرار معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المؤدية لذلك، كذلك الاستماع إلى أبوي القاصر أو نائبه الشرعي أو الاستعانة بخبرة طبية أو اجراء بحث اجتماعي".
ويبقى تطبيق هذه المادة، لاتمام الزواج في هذه الحالة، رهين بهذين الإجراءين الضروريين وهما الخبرة الطبية والبحث الاجتماعي.
ولو أن القاضي، يوضح المحامي،غالبا ما يستعين بالخبرة الطبية فقط لمعرفة القدرات الجسمانية والنفسية للقاصر وهل هي قادرة على تحمل أعباء الزوجية.
ومن إيجابيات رفع سن الزواج، يؤكد المحامي، هناك ما جاء في المادة 121 من المدونة الجديدة التي تنص على "أن زواج القاصر غير متوقف على موافقة نائبه الشرعي، ويتم فقط بالتوقيع مع القاصر على عقد الزواج وحضوره إبرام العقد.
وإذا امتنع النائب الشرعي للقاصر عن الموافقة بث القاضي المكلف بالزواج في الموضوع".
وهو ما يوضح أن قاضي الأسرة أصبحت له سلطة اجتماعية للبث في عقد الزواج، وإلغاء سلطة النائب الشرعي في حالة إصرار القاصر على الزواج أو امتناعها عنه.
والقاضي باعتباره يضمن حقوق القاصرين أصبح لديه سلطة شخصية في هذا المجال.
وأشار المحامي إلى أن تحديد سن الزواج في 18 سنة، يخول للجنسين إضافة إلى إمكانية ابرام عقد الزواج، الأهلية المدنية لممارسة حق التقاضي في كل ما يترتب على هذا العقد من آثار من حقوق والتزامات.
"وهنا لم نعد نتكلم عن الأهلية والسن الأدنى للزواج بل عن الأهلية في ممارسة جميع الحقوق، فقبل الزواج تكون له الأهلية في تقديم الطلبات وتقديم دعاوى وكل الأمور المتعلقة بهذا الزواج، وهو ما تشير إليه المادة 122 من المدونة الجديدة".
ويبدو أن رجال القانون لا يختلفون حول إيجابيات ما ينص عليه قانون الأسرة في ما يتعلق بالسن القانونية للزواج، لكن هذا لم يمنع بعضهم من إبداء بعض التحفظات.
فمن جهته، أكد شعيب سجلا محام من هيئة الدارالبيضاء، أن لمساواة سن الزواج بين الزوجين، وإن كانت من إيجابياته عقد الزواج بنضج عقلي يخول للمتزوجين بناء أسرة مستقرة، إلا أن له سلبيات أخرى، يضيف الأستاذ شعيب، منها أن "الزواج أصبح بيد الفتاة نوعا ما، إذ من حقها أن تتزوج وتزوج نفسها وأصبح الولي ليست له ضرورة ملحة ما دام لها الحق في الرجوع إلى القاضي ليزوجها أويعطيها الإذن بالزواج".
وفسر المحامي شعيب ذلك بأن الشريعة الاسلامية شرعت "الولاية" لحكمة و"حكمتها أن المرأة لا تنضج إلا مع مرور السنين ومع الخبرات التي تمر بها، على عكس الفتى الذي ينضج ويصبح راشدا ببلوغه سن الثامنة عشر ويصبح واعيا وقادرا على تحمل المسؤولية.
كما أن التأهل الجسمي والفيزيولوجي للزواج عند الفتاة يكون في سن مبكر، لكن مع رفع سن الزواج إلى 18 سنة، فإن ذلك يؤدي تلقائيا إلى تراجع معدل الخصوبة عند المرأة، ففي السابق كان يحدد من سن 15 سنة إلى سن 36، واليوم أصبح يحدد من سن 18 إلى 40 سنة، أي بتراجع ثلاث سنوات، وهو ما يؤدي إلى شيخوخة المجتمع في السنوات المقبلة .