الطلاق كابوس يهاجم الزيجات الشابة

السبت 28 يناير 2006 - 11:47

موضوع الطلاق وإشكالاته وأسبابه بين أوساط الشباب يجر منهجيا، وفي ظل الشروط التي يعرفها المجتمع المغربي، إلى الحديث أولا عن الزواج وإكراهاته الراهنة ومعيقاته، ويحق التساؤل عما إذا كان الشباب المغربي اليوم عازفا فعلا عن الزواج.

الجواب عن هذا التساؤل يقتضي بداية، التدقيق في مصطلح "عزوف" ذلك أن فعل "عزف" يتضمن اصطلاحا الرفض والامتناع، ويعني في معناه العام أن هناك إرادة ورغبة للشخص في اتخاذ هذا المنحى أو ذاك، وهو ما يجعل تعبير "العزوف عن الزواج" غير دقيق انطلاقا من أن العديد من الشباب الذي بلغ سنا تؤهله للزواج وما يزال لم يقبل على هذه الخطوة، هو في وضعية المجبر الذي لم يستطع تخطي الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعيق إقباله على تكوين أسرة مستقلة.

وتواصل العنوسة مطاردتها لشباب المغرب، وهو الأمر الذي أكده أحمد لحليمي المندوب السامي للتخطيط خلال ندوة نظمت أخيرا بمراكش، إذ أعلن عن تنامي الظاهرة مستندا في ذلك على الإحصاء الأخير الذي أنجزه المغرب في سبتمبر 2004، مشيرا إلى أن نسبة العازبات والعزاب في الفئات العمرية 15 ـ 19 سنة و20 ـ 24 سنة أصبحت تناهز 100 في المائة.

وأكد الدكتور عزيز اجبيلو عن مركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية، خلال المناسبة نفسها، أن المغرب عرف تطورا في ما يخص ظاهرة الزواج، وسجلت خلال السنوات الأخيرة تحولات يمكن اعتبارها جذرية وخاصة في ما يتعلق بالسن عند الزواج، مضيفا أنه إذا كان المغرب يتميز بالزواج المبكر عند الشباب خلال الستينيات، إذ كانت الفتيات تتزوجن في المتوسط عند السن 17 والذكور عند 24 سنة، ففي الوقت الراهن اصبح هذا السن يفوق 28 سنة عند النساء و31 سنة عند الرجال.

دراسات اجتماعية أخرى أظهرت أن العنوسة باتت ظاهرة اجتماعية تؤرق الشباب ذكورا وإناثا، بسبب ظروف المعيشة والوضع الاقتصادي الذي ينتج بطالة الخريجين وارتفاع تكاليف السكن سواء تعلق الأمر بشراء شقة أو كرائها، خصوصا داخل المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط ومراكش.

كما أن انتشار العلاقات في إطار غير إطار العلاقة الزوجية، قد تدفع البعض إلى العزوف عن الزواج، خصوصا بعد انهيار مجموعة من القيم الأخلاقية التي ظلت تحول دون انتشار تلك العلاقات العابرة أو الغارقة في الليبرالية، وفي التقليل من أهمية الاستقرار والالتزام العاطفيين.

رفض وبحث عن أزواج خارج الحدود
باتت فئة من الشابات ترفضن الزواج المبكر، وتعتبرنه عائقا نحو تحقيق طموحاتهن في الحياة العامة، ومانعا من تحقيق الاستقلال الاقتصادي عن الزوج والأب، في محاولة للتخلص من عقال الذكورية المسنودة بالسلطة الاقتصادية.

وساعد هذه الفئة على ذلك انتشار التعليم وانفتاح الأفق على المناصب العليا في الإدارة، خصوصا وأن العديد من الشباب أصبح يفضل الفتاة الموظفة التي تعينه على مسؤوليات الأسرة ومتطلبات الحياة التي تزايدت مع ارتفاع مستوى العيش وتغير أنماط الحياة بالمجتمع المغربي.

وتمتلئ المجلات النسائية وغيرها من المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت في العالم العربي بالمئات من طلبات الزواج، أغلبها لمغربيات. وتفضل الفتيات في المغرب الزواج بالأجنبي سواء من أوروبا أو من دول الخليج، إذ كشفت إحدى الإحصائيات التي أجرتها اللجنة الخيرية بجدة على الرسائل والمكالمات الهاتفية الواردة من المغرب أن أكثر من 99٪ من طلبات الزواج التي تأتي من المغرب لنساء، وأكثر من نصف هذه الطلبات تريد صاحباتها عرسانا يعيشون خارج المغرب، ولا يشترطن شروطا معينة مثل الجنسية، أو أن يكون الزوج المنتظر لم يسبق له الزواج، أو صغير السن.

وفي ظل غياب الإحصائيات الدقيقة، يسود الاعتقاد بأن شباب المناطق القروية هم أكثر إقبالا على الزواج في سن مبكرة، سواء تعلق الأمر بالفتيات أو الفتيان، ولهذا الاعتقاد ما يبرره واقعيا، إذ مازال نمط العيش ومستواه متواضعا بهذه المناطق، كما أن الأزواج الجدد لا يحتاجون دائما إلى مساكن مستقلة، فالزوجة هنالك مازالت تقبل بالعيش مع أسرة الزوج تحت سقف واحد.

وكانت التعديلات التي تضمنتها مدونة الأسرة حول السن القانونية للزواج قد وحدت هذا السن بين المرأة والرجل في 18 عاما، مع تخويل القاضي إمكانية تخفيضه في الحالات المبررة، وذلك بهدف ضمان تلاحم الأسر واستمرارية استقرارها، باعتبار الزواج مسؤولية لا يمكن إسنادها إلى قاصر، خصوصا حين يتعلق الأمر بتربية الأبناء التي تتطلب خبرة في الحياة ومقدرة، إضافة إلى أن إنجاب الفتاة القاصر فيه من الخطورة على حياتها، ما تتضمنه كافة المواثيق الدولية وأساسا منظمة الصحة العالمية، إلا أن هذا الإجراء وبالرغم من تصفيق الحركة النسائية له والإشادة به خصوصا وأنه كان من بين مطالبها التي مافتئت ترفعها، إلا أن البعض اعتبره عاملا مشجعا على رفع نسبة العنوسة في المجتمع المغربي.


القاصرات يدخلن قفص الزواج قبل الشباب
في تقريره لسنة 2004، أكد مركز الإعلام والرصد للنساء المغربيات، أن عدد الطلبات المقدمة أمام ثمانية محاكم اعتبارا من بداية تطبيق المدونة لغاية متم سنة 2004 (أي اقل من سنة) بلغ 3730 طلبا جرى الترخيص والإذن بشأنها لـ 3603 طلب في حين أن مقرر الرفض انحصر في 127 طلب، مما تكون معه نسبة الطلبات المقبولة هي 96.56٪
رغم كون المشرع نص وألح على كون السن الأدنى للزواج للشخص، ذكرا كان أم أنثى هو سن الأهلية القانونية والمدنية، أي 18 سنة.

وجاء في التقرير أنه "ورغم كون إجازته (أي المشرع)للإذن في الزواج دون السن المذكور باعتبارها استثناء يتعين أن يرخص له بناء على قرار معلل، فان تقييمنا للإحصاءات والدواعي والمبررات وسير مسطرة الإذن في هذا الباب انطلاقا من عينة 8 محاكم بالبلاد يدفعنا إلى القول إن الاستثناء في هذا الإطار قد تحول إلى قاعدة"، فخلال الفترة ما بين 5 فبراير 2004 ونهاية شهر دجنبر وصل عدد الطلبات بالإذن بالزواج لقاصرات بمدينة مراكش إلى 2186 طلبا، وجرى قبول 2140 فيما رفض 46 طلبا فقط، وبذلك ارتفعت نسبة قبول هذه الطلبات إلى 97 في المائة، ولم تشكل نسبة الطلبات المرفوضة بهذا الإقليم سوى 2 في المائة.

وإقليم بني ملال وخلال نفس الفترة، نظرت محاكم الإقليم في 378 طلبا، ورخصت لـ 333 قاصر بالزواج، أي بنسبة 88 في المائة، بينما رفضت 45 طلبا فقط، أي بنسبة لم تتعد 12 في المائة، وبالعرائش تقدم المعنيون بالأمر بـ 406 طلبات استجيب 400 منها ورفضت 6 طلبات فقط، مما رفع نسبة القبول بتزويج القاصرين في هذا الصدد إلى 98،5 في المائة، وترتفع نسبة قبول طلبات الإذن بتزويج القاصرات بكل من محاكم وارززات بنسبة 98،3 وكلميم بنسبة 100 في المائة، وبالفقيه بنصالح بنسبة أزيد من 94 في المائة، وبالمحمدية بنسبة 46،6 في المائة، وبالرباط وصلت نسبة قبول طلبات الإذن بالزواج إلى 95 في المائة، أما بالدارالبيضاء وخلال شهرين فقط فقد عرض على محاكم هذه المدينة 151 طلبا، جرى قبول 133 طلبا منها ما جعل نسبة القبول ترتفع إلى 88 في المائة.

ونستنتج بهذا الخصوص أن عدد الطلبات المقدمة أمام هذه المحاكم الثمانية اعتبارا من بداية تطبيق المدونة لغاية متم سنة 2004 (أي اقل من سنة) بلغ 3730 طلبا، وجرى الترخيص والإذن بشأنها لـ 3603 طلبا في حين أن مقرر الرفض انحصر في 127 طلبا، ما تكون معه نسبة الطلبات المقبولة هي 96.56٪ .

ويستشف أيضا، من خلال هذه الأرقام أن التعامل مع النص الذي يحدد سن الزواج في 18 سنة، لم يكن بالأمر اليسير، اعتبارا للإكراهات التي وجد القضاة أنفسهم أمامها، واعتبارا للرغبات الملحة لهاته الفتيات في الزواج، وأيضا موافقة الآباء على ذلك مخافة الانحراف أو الانزلاق في تلك العلاقة في إطار غير شرعي.

كما يستشف أن الحديث عن العزوف أو العنوسة لايستقيم في مجتمع غير متجانس من حيث المستوى المعيشي والاقتصادي والتعليمي، وأيضا من حيث الظروف الخاصة المحيطة بكل أسرة، وباعتبار أيضا الخصوصية التي تكتنف موضوع الزواج والعلاقات العاطفية عموما.

وانتهى شهر العسل بعد الحب والهيام والشوق والغرام، تسقط زيجات في مهب رياح الخلافات، وعدم القدرة على تقبل مساوئ الآخر وعيوبه وعقليته، التي أخذ تدبير اليومي يبرزها، ويجعلها تطفو على السطح في عين الطرف الآخر، فالزوج لم يعد يلازم بيته كما في السابق والزوجة لم تعد تهتم بزوجها وبهندامها وزينتها كما اعتادت أيام الخطوبة وشهر العسل وخلال الشهور القليلة التي تلت ذلك، والزوج بات يزور أهله دون إخطار الزوجة، التي أصبحت بدورها تكثر من زيارة الأهل والأقارب ضدا على رغبة الزوج، وبذلك أخذ الحلم الوردي يتلاشى وصار الحب والوله يتراجعان، وفي ظل غياب النضج والتحلي بثقافة احترام الآخر واحترام اختياراته والانضباط لقواعد العلاقة، والتحلي بالحكمة، يتحول الزواج إلى كابوس، أما حين تصبح الزوجة عرضة لعنف الزوج وتقتيره في الاهتمام بشؤون البيت والأولاد الذين غالبا ما ينجبون سنة بعد الزواج، فإن أبواب الطلاق تفتح في وجه هذه الزيجة على مصراعيها.

أسباب الطلاق
يستشف من خلال الملفات المعروضة على أنظار المحاكم، وكذلك الأبحات والدراسات التي تناولت موضوع الطلاق، أن أسبابه تختلف باختلاف كل زيجة وهي أسباب مركبة، إذ لا يمكن الحديث عن سبب واحد مباشر للطلاق، ولذلك يمكن إجمال هذه الأسباب عوما في تدخلات الأهل في الحياة الزوجية، اختلاف المستوى التعليمي والثقافي، تعدد الزوجات وغياب العدل، الاهانة والايذاء، سوء الاختيار من البداية، الإهمال للحقوق الزوجية، إرغام الشاب والفتاة على الزواج، شرب الخمر وتعاطي المخدرات، العجز الجنسي للزوج، علاقات الأزواج المشبوهة، الغيرة والشك الزائد، فوارق كبيرة في العمر، السلوك السيء، عدم تحمل المسؤولية، إلى جانب أسباب أخـرى.

في دراسة عن معدل الطلاق في دول العالم، تبين أن حالات الطلاق ترتفع بنسبة 55٪ من حالات الزواج، ويأتي الطلاق المبكر كنتيجة طبيعية لتلك الأسباب، ما يجعله ذاك الوباء الذي بات يهدد استقرار وسعادة الأسر في العالم وفي الدول العربية على الخصوص، خاصة وأن معدلاته في تصاعد مستمر، وتشير أحدث الإحصائيات الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر، أن ظاهرة الطلاق أصبحت تمثل أكثر من 40٪ من إجمالي المتزوجين حديثا، خاصة من أبناء الطبقة المرفهة.

ويقول أحد المختصين في الأحوال الشخصية بالقاهرة "لقد أظهرت آخر إحصائية رصدتها محاكم القاهرة للأحوال الشخصية أن حالات الطلاق للزيجات الحديثة والمرفوع بموجبها قضايا الأحوال الشخصية وصلت إلى 8182 حالة، من بينها 4717 قضية خلع، يمثل 80٪ منها حالات طلاق للمتزوجين حديثا".

مؤشرات تدل على التقدم بالمغرب استعصى علينا استيقاء إحصائيات دقيقة بخصوص الزواج والطلاق في أوساط الشباب، لكن وثائق وإحصاءات المندوبية السامية للتخطيط،تبين أن نسبة العزاب الذكور بالمغرب تصل إلى 45.7 بالمائة، بينما تنحصر هذه النسبة في صفوف النساء في 34 بالمائة، ويشكل الذكور المتزوجون بالمغرب نسبة 52.7 بالمائة، وتتقارب نسبة النساء من هذا العدد إذ تبلغ 52.8 بالمائة، وحسب الإحصاءات نفسها فإن معدل سن الزواج الأول بالمغرب يتحدد في صفوف الذكور في 31.2، بينما ينحصر في 26.3 في صفوف الفتيات، وبذلك فإن معدل سن الزواج الأول بالمغرب هو 28، وبالمقارنة مع معدل سن الزواج الأول بجهة الدار البيضاء الكبرى، وعمالة الدار البيضاء، نجد أن هذا المعدل يتحدد بالجهة والعمالة على التوالي في 30.2، و31، وبينما يتزوج الشباب أول زيجة بجهة الدار البيضاء الكبرى، في سن معدله 32.7، تتزوج الفتيات في سن معدله 27.9، أما بعمالة الدار البيضاء فمعدل سن الزواج الأول في أوساط الشباب يصل إلى 33.1، بينما يصل هذا المعدل في صفوف الفتيات إلى28.6.

ويعتبر المختصون في مجال التخطيط أن ارتفاع معدل الزواج الأول يعد مؤشرا إيجابيا خصوصا وأنه أصبح يقترب من معدل الدول المتقدمة، وتعزو هذه القراءة إيجابية هذا المؤشر إلى كون أن تأخر سن الزواج خصوصا في صفوف الفتيات يؤشر على أن الفتاة اليوم لم تعد تتزوج بأول من يطلب يدها، ما يعني توفر نوع من الوعي بجسامة اختيار الشريك، كما يؤشر ذلك على أنها ترجئ أمر الزواج إلى ما بعد إتمام الدراسة والحصول على تعليم جامعي، والتمكن من الاستقلال الاقتصادي كزوجة، ثم إن المعدل يدل على انخفاض نسبة زواج القاصرات، وتلاشي ظاهرة تزويج الفتيات بالإكراه، وبخصوص ارتفاع سن الزواج في صفوف الذكور فإن قراءة المعدل المسجل بهذا الخصوص تجري في العلاقة مع معدل سن زواج الفتيات، دون إغفال المعطى الاقتصادي الذي يجعل إقدام الشباب على الزواج يضرب له ألف حساب.

وإذا كانت القراءة الإيجابية لهذه الأرقام، تنبني بالأساس على المعايير الدولية المتعلقة بالمؤشرات الديمغرافية الدالة، واستنادا على ما كان المجتمع المغربي يعرفه بخصوص زواج القاصرات وحرمان الفتيات من التمدرس من أجل الزواج لما كانت تصبغ عليه من هالة وتبجيل، فإن هناك قراءة يمكن القول إنها سلبية إذ تعتبر ارتفاع سن الزواج إلى 28,7 هو مؤشر عن عزوف الشباب عن الزواج.




تابعونا على فيسبوك