الأم، هي من تختار لابنها المقبل على الزواج عروسا، ضمن مواصفات معينة، ولم يكن في وسع الابن سوى القبول والموافقة على ما يختاره الوالدان، لأن رضى الله يبدأ من رضى الوالدين، كما أن البنت التي يقع عليها الاختيار، لم يكن لها رأي آخر غير القبول.
وغالبا ما تلجأ إلى الصمت و "السكوت علامة على الرضى"، كما تقول المدرسة الفقهية التقليدية، مطيحة بذلك بالشعار الذي رفعه المعتزلة : "لاينسب إلى ساكن قول" هكذا كانت تعقد روابط الزواج في القرى والأرياف والمناطق النائية في المغرب، أيام زمان.
كان الصداق بسيطا بساطة الحياة، بل وأحيانا يكتفي أهالي المتزوجين بقراءة الفاتحة، وفي ما يخص كتابة العقد إن هي فعلا حصلت، إذ أن كثيرا من الزيجات في العالم القروي.
في الماضي كانت بدون كتابة عقد الزواج، فإن عائلتي المقبلين على الزواج كانتا يتوجهان نحو الأسواق الأسبوعية لكتابة العقد عند العدول، وبالنسبة للفتاة لم يكن لها ولي أمر وهو ماكانت تتطلبه مدونة الأحوال الشخصية، فكان لابد من تجميع شهادة اثنى عشر شاهدا، وهو أمر كان في غاية السهولة نظرا لوجود متطوعين وراغبين في القيام بذلك، ولو أن المدونة طلبت أكثر من ذلك لكان لها ما تريد.
في العالم القروي لم تكن في غالب الأحيان فترة تسمى خطوبة وحتى إذا كانت فلماذا تصلح، مادام لايراها ولاتراه إلا بالسرقة، إذ غالبا ما لايراها إلا ليلة "الدخلة" أو في أحسن الأحوال رمقها من بعيد، عند البئر أو مع أمها في السوق، أو حملت له أمه صورة لها مع حكي "كامل الأوصاف" وعندما يتم عقد القران تحمل عراضة في يدها ربطة نعناع وتطرق أبواب ساكنة الدوار قائلة : "قالت دوزو عندها راه زوجت ولدها" ومراسيم العرس كانت تستغرق ثلاثة أيام إلى سبعة.
أما الجهاز الذي كان تحمله العروس إلى بيتها الجديد فكانت يتحدد حسب ما أعطاها العريس وكلما كانت العائلات ميسورة كلما كان الحفل باذخا تتخلله التبوريدة والشيخات، وغالبا ما يكون توقيت حفل الزفاف يرافق مواسم الحصاد.
كان الزواج في العقود السابقة ذا أهمية وقيمة كبيرة جدا في مجتمعنا، ولم يكن هناك بديل عنه، بل وكانت بعض الأسر تحدد لابنائها طفلات زوجات حتى وهم في سن الطفولة، كما كان الزواج بمثابة ترقية اجتماعية، حيث يصبح بوابة الشباب إلى عالم الكبار والرجولة ويصبح المتزوج منهم أكثر قيمة من غير المتزوج، يستشار ويشارك في اتخاذ القرارات.
وكان ذلك علامة على النضج وتحمل المسؤوليات، فالعالم القروي كان في حاجة ماسة وباستمرار للأولاد والأحفاد حتى يواصلوا الاهتمام بالزراعة والفلاحة وتربية المواشي إناثا وذكورا لافرق، هذا إلى جانب ان الزواج هو عصمة وعتبة نحو الاستقرار النفسي والنضج الاجتماعي وسط بيئات تتميز بالحرص على مراعاة التقاليد والتحلى بالأخلاق والسلوك داخل مجتمع محافظ، بل كان الناس يعتقدون أن الزواج وخاصة في سن مبكرة دواء وعلاج لكثير من الأمراض النفسية والعقلية، وكان للزواج دوران أساسيان هما تلبية الغرائز الجنسية والإنجاب.
كان الزواج في العالم القروي يتم بطرق تقليدية محافظة، تتخلل مسيرته كثير من القيم كالصبر والوفاء والإخلاص وكانت الزوجة تقول عن زوجها "زمانها" كما تقول الثقافة الشعبية المغربية إنها عشرة عمر طويل وغالبا كانت الأدوار في الحياة بينهما واضحة هي في البيت لتربية الأولاد المعيل الأساسي في العالم القروي وهو في الحقل يواجه الزمن، وكانت حالات الطلاق قليلة والعشرة دائمة.
اليوم، تغيرت الأحوال، وتواصل الناس في المجتمع أكثر فأكثر مع بعضهم، وتطورت وسائط الاتصال، و أصبح معها العالم القروي قرية صغيرة، تطورت هذه القرية وغزتها الهوائيات والفضائيات والثابت والمحمول، ووصلت الجريدة إلى آخر نقطة من ربوع الوطن وحملت ظروفا ذاتية وأخرى موضوعية الناس على الهجرة الداخلية الى المدن ليفقدوا بعض عاداتهم وتقاليدهم التي اكتسبوها بالقرى والأرياف وتشبعوا بثقافة المدينة الجديدة .
وهكذا أصبح العرس سواء الذي يعقده القرويون في القرى أم المدن هو نفسه الذي يقيمه أهل الحضر من حيث الطقوس والمراسيم، ولم يعد يختلف في شيء عما يفعله أهل المدن، تراه ويراها، يقدمها لأسرته بل وتقدمه هي الأخرى الى أسرتها وما على الأب أو الأم إلا القبول والموافقة ودارت الأيام ومرت الايام.
العرس في العالم القروي أصبح أصحابه يلجأون إلى قاعات الأفراح "والتريتور" و "النكافة" و"فترة الخطوبة" والفكور" .
كما عرف المغرب تطورا في ما يخص ظاهرة الزواج، وسجلت خلال السنوات الأخيرة تحولات يمكن اعتبارها جذرية وخاصة في ما يتعلق بالسن عند الزواج، فإذا كان المغرب يتميز بالزواج المبكر عند الشباب خلال الستينات، حيث الفتيات تتزوجن في المتوسط عند السن 17 والذكور عند 24 سنة.
ففي الوقت الراهن أصبح هذا السن يفوق 28 سنة عند النساء و 31 عند الرجال، وساهم في ذلك تعميم وسائل التخطيط العائلي الذي أصبح أكثر انتشارا إذ ان نسبة النساء اللواتي يستعملن وسائل منع الحمل أصبحت تناهز 63٪ 65٪ في الوسط الحضري وحوالي 60٪ في الوسط القروي بعدما كانت النسبة لاتتجاوز 8٪ خلال الستينات.
وهكذا عرف المغرب تغييرا كبيرا في مميزاته الديموغرافية، مما جعل نسبة نمو السكان تتراجع، مثلما تراجعت نسبة الخصوبة، لكن التغيير الأخطر واللافت للنظر هو الارتفاع المهول لنسبة العزوبة في المغرب، بالنظر للتأثير الذي يخلفه النزوح القروي إلى المدن وتغيير العادات والتقاليد داخل العالم القروي بحكم الاحتكاك بالحاضرة وأضف إلى إفراغ العالم القروي من ساكنته للأسباب الذاتية والموضوعية التي باتت معروفة، وأيضا البطالة والتهميش.
فقد انتهى ذلك الزمن الذي كان فيه المغاربة يزوجون بناتهم في سن مبكرة، وأصبح الشائع ان تتأخر الفتيات والفتيان في الزواج، وأصبح الوسط الحضري، بصفة عامة يشجع العزوبة.
أما في الوسط القروي، وعلى الرغم من كون ظاهرة العزوبة ارتفعت فيه بدوره، إلا انها على العموم أقل بكثير من الوسط الحضري لأن الزواج في بعض الأماكن الريفية بالمغرب مازال تقليديا وبسيطا إلى حد ما، والملفت للنظر أيضا أن نسبة كبيرة من العازفين عن الزواج، رغم ذلك ينتهون الى الزواج ولكن في سن متأخرة تتراوح ما بين 40 و 45 سنة.
وتأخر نسبة الزواج هذه اثر بشكل واضح في معدلات الخصوبة عند النساء، حيث أن الخصوبة بلغت أعلى مستوياتها خلال الستينات بمعدل سبعة أطفال لكل امرأة، في حين لايتعدى هذا المؤشر 2,5 لكل امرأة 2004 مما يعني ان المغرب يسير في اتجاه شيخوخة مبكرة.