الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية .. من مبادرة مغربية إلى قرار دولي

الصحراء المغربية
الثلاثاء 03 نونبر 2026 - 12:27

من مبادرة سياسية أطلقها المغرب سنة 2007، إلى مرجعية أساسية للمسار الأممي، قطعت قضية الصحراء المغربية أشواطا دبلوماسية مهمة، توجت بتحول نوعي في مواقف عدد متزايد من الدول، وبصدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع لكن دائما تحت السيادة المغربية.

ومع حلول الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، يستحضر المغرب محطة تاريخية جسدت تشبث المغاربة بوحدتهم الترابية، فيما تتجه الأنظار إلى التحولات التي تشهدها قضية الصحراء المغربية على المستويين الدبلوماسي والأممي. فقد شهدت السنوات الأخيرة اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بالتوازي مع تنامي القناعة الدولية بضرورة تجاوز جمود سياسي استمر لعقود، والانتقال إلى تسوية واقعية وقابلة للتطبيق، تحفظ الاستقرار وتفتح آفاق التنمية أمام سكان الأقاليم الجنوبية ودول المنطقة.
ويبرز قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، باعتباره محطة مفصلية في هذا المسار، بالنظر إلى تأكيده اتخاذ المقترح المغربي أساسا للمفاوضات، مع التأكيد على أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق.


- مبادرة مغربية لكسر الجمود ذات جدية ومصداقية

شكل تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي في أبريل 2007 منعطفا في تدبير النزاع، بعدما اصطدمت جهود تسوية القضية، عبر مشروع الاستفتاء، بصعوبات جوهرية حالت دون التوصل إلى صيغة متوافق عليها بشأن تنفيذه، ولا سيما ما يتعلق بتحديد الهيئة الناخبة، جراء إقصاء الطرف الممثل لجبهة البوليساريو عشرات آلاف الأشخاص من أصول صحراوية، فضلا عن الاختلاف حول خيارات سياسية أخرى تم طرحها للبحث.
وأمام هذا الانسداد، طرح المغرب تصورا يقوم على منح الأقاليم الصحراوية اختصاصات واسعة في تدبير شؤونها المحلية، ضمن المؤسسات والاختصاصات التي يحددها نظام الحكم الذاتي، مع احتفاظ الدولة بصلاحيات السيادة الوطنية، بما فيها الدفاع والعلاقات الخارجية، في إطار الوحدة الترابية للمملكة.
وبذلك، انتقل النقاش من التركيز على مسار ظل متعثرا إلى طرح حل سياسي يستند إلى التفاوض والتوافق، ويتيح لسكان المنطقة تدبير شؤونهم في إطار السيادة المغربية. وقد قدم المغرب المبادرة باعتبارها حلا وسطا يجمع بين متطلبات الاستقرار السياسي والتنمية وضمان المشاركة في إدارة الشؤون المحلية.
على امتداد السنوات التالية، أدرج مجلس الأمن في قراراته المتعاقبة الدعوة إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق. كما وصفت قراراته مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها جادة وذات مصداقية، وشجعت الأطراف على مواصلة المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة.
وفي المقابل، لم تنجح اللقاءات والمفاوضات التي جمعت المغرب وجبهة البوليساريو، ضمن المسار الأممي وبمشاركة الأطراف المعنية، في تحقيق اختراق نهائي. وظلت الخلافات بشأن طبيعة الحل ومآلاته عقبة أمام التسوية، في وقت تمسك فيه المغرب بمبادرة الحكم الذاتي، بينما واصلت البوليساريو الدفاع عن خيار الاستفتاء، دون أن تقدم بديلا توافقيا حظي بقبول الأطراف.
ومع تعاقب جولات الحوار، برزت الحاجة إلى مقاربة تتجاوز إعادة إنتاج الخلافات السابقة، وتستند إلى تنازلات متبادلة ومقترحات عملية، بدل استمرار النزاع بما يترتب عنه من كلفة سياسية وإنسانية وتنموية على المنطقة المغاربية.
لم يقتصر التحرك المغربي على المسار الأممي، بل شمل جولات دبلوماسية متواصلة منذ سنة 2007، استهدفت شرح مضامين مبادرة الحكم الذاتي وحشد الدعم الدولي لها، من خلال الاتصالات الثنائية والزيارات الرسمية وتطوير الشراكات السياسية والاقتصادية مع الدول المؤثرة.
وشكل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب في 10 دجنبر 2020، محطة بارزة في هذا المسار. فقد أكدت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على كامل إقليم الصحراء، وجددت دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً لحل عادل ودائم للنزاع.

- القرار 2797 .. محطة مفصلية في المسار الأممي

تعزز هذا التوجه مع تحولات في مواقف عدد من الدول الأوروبية. وأكدت ألمانيا في يناير 2022، أهمية المبادرة باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية للتفاوض. كما اعتبرت إسبانيا، في أبريل 2022، المبادرة المغربية الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية لحل النزاع. فيما أعلنت فرنسا في 30 يوليوز 2024، أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن إطار السيادة المغربية، وجددت دعمها للمبادرة باعتبارها الأساس الوحيد لحل سياسي عادل ودائم ومتفاوض بشأنه.
كما أعلنت هولندا دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها مساهمة جدية وذات مصداقية في المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة. وانضمت المملكة المتحدة بدورها إلى الدول المؤيدة لمقترح الحكم الذاتي، واصفة إياه بأنه الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية للتوصل إلى حل متوافق عليه ودائم.
وجاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 ليمنح هذا التحول بعدا أمميا جديدا. فقد اعتمد المجلس القرار بأحد عشر صوتا مؤيدا، دون أي صوت معارض، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، مع عدم مشاركة عضو واحد في التصويت.

والأهم في القرار أنه دعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من جميع الأطرف، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق. كما جدد القرار ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية "المينورسو" إلى غاية 31 أكتوبر 2026. غير أن التطورات التي حصلت خلال اجتماع المجلس في 30 أكتوبر 2026 بسبب تعارض الموقفين الروسي والأمريكي أدى إلى إنهاء دور بعثة المينورسو.
وبذلك، انتقل مقترح الحكم الذاتي من مبادرة مغربية تسعى إلى إقناع المنتظم الدولي بجدواها، إلى أساس واضح للمفاوضات التي يرعاها مجلس الأمن، في تطور يعكس تنامي الدعم الدولي للمقاربة المغربية.
تؤشر هذه التطورات إلى أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة، تتقدم فيها المقاربات الواقعية والتوافقية على حساب الخيارات التي لم تنجح في إنتاج تسوية نهائية. غير أن القرار الأممي، على أهميته، لا يعني أن الأطراف الأخرى، خاصة الجزائر وجبهة البوليساريو ترغبان بجدية في إنهاء النزاع. وهو ما يجعل مجلس الأمن الدولي في وضعية البحث عن آليات تنزيل القرار 2797، وتنفيذه.
وبمناسبة الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء، تبدو الرسالة المغربية واضحة، التشبث بالوحدة الترابية، ومواصلة العمل الدبلوماسي، وتعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، بالتوازي مع الاستعداد للتفاوض على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية.
إن الرهان اليوم لا يقتصر على كسب مزيد من التأييد الدولي، بل يتمثل في تحويل هذا الزخم إلى تسوية سياسية دائمة للضغط على جبهة البوليساريو وراعيتها الجزائر من أجل وضع حدا لنزاع طال أمده، ولفتح صفحة جديدة من التعاون والاستقرار والتنمية في المنطقة المغاربية




تابعونا على فيسبوك