ظل حسن رقيق الصفة أخصائي اجتماعي ووسيط أسري، في مساره الفكري والمهني، منشغلاً بقضايا الأسرة والعلاقات الزوجية، مستكشفاً آفاق التواصل والحوار والإصغاء، وما توفره من إمكانات لتعزيز المودة والرحمة والاستقرار الأسري.
وفي مؤلفه الجديد "حين تتكلم النساء"، يقدم مقاربة مختلفة للتأمل في الحياة الزوجية، مستلهماً قصة أم زرع الواردة في التراث النبوي، بما تتضمنه من تجارب وأوصاف نسائية تكشف جوانب متعددة من العلاقة بين الزوجين.
ولا يكتفي الكاتب، من خلال هذا العمل، بقراءة الكلمات في ظاهرها، بل يتجاوزها إلى استكشاف ما تختزنه من مشاعر واحتياجات ودلالات، وما تتيحه من إمكانات لفهم أعمق للتجربة الزوجية، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتأويلات المتسرعة. كما يقترح مقاربة تجمع بين القراءة التراثية والتأمل النفسي والاجتماعي، بما يفتح المجال أمام توظيف الحكاية في الإرشاد والوساطة والإصلاح الأسري، ويعيد الاعتبار للحوار باعتباره مدخلاً أساسياً لتدبير الاختلافات وصون كرامة الزوجين.
في هذا الحوار، يتحدث حسن رقيق عن خصوصية مؤلفه الجديد، ودلالات البوح النسائي، وأهمية الإصغاء إلى ما وراء الكلمات، فضلاً عن آفاق استثمار التراث في فهم تحديات الأسرة المغربية المعاصرة.
المتتبع لمشروع حسن رقيق، سيلاحظ أنك تشتغل على العديد من التيمات والمواضيع المتنوعة، تتقاطع حول الأسرة، لكن في مؤلفك الجديد "حين تتكلم النساء"، الكلام هنا مرتبط بالبوح الحامل لرسائل عدة. ترى ما طبيعة هذا البوح ونوعية هذه الرسائل؟
-أعتقد أن خصوصية هذا الكتاب تكمن في أنه لا يكتفي بالإنصات إلى الكلمات، بل يحاول الاقتراب مما تحمله من مشاعر واحتياجات ومعانٍ. فمن خلال قصة أم زرع، كما وردت في التراث النبوي، نتعرف على تجارب إحدى عشرة امرأة في وصف أزواجهن، بما تتضمنه هذه الأوصاف من تقدير وإعجاب، أو ملاحظات وتعبير عن تجارب الحياة الزوجية. وقد جعلني ذلك أتأمل العلاقة بين ما يقوله الإنسان وما يشعر به، وبين ظاهر الكلام وما قد ينطوي عليه من دلالات. فالكتاب ليس دفاعًا عن المرأة ضد الرجل، وإنما محاولة لفهم الإنسان من خلال تجربة المرأة، واستكشاف ما يمكن أن يفتحه البوح من آفاق للحوار والتفاهم داخل الأسرة.
تقول إنك تطمح إلى الإسهام في تعزيز الوعي بالعلاقات الزوجية، وربط القراءة التراثية بالتأمل النفسي والاجتماعي، بما يخدم الحوار الأسري والوساطة والإصلاح بين الأزواج. ألا تتفضل بالمزيد من التوضيح بخصوص هذا الإسهام؟
-أطمح إلى تقديم قراءة تستحضر التراث النبوي باحترام، وتنفتح في الوقت نفسه على أسئلة الإنسان والأسرة في واقعنا المعاصر. ولا أدّعي أن قصة أم زرع تقدم حلولًا جاهزة لكل المشكلات الزوجية، لكنني أرى فيها مادة غنية للتأمل في أساليب التعبير عن التجارب الزوجية، وفي أهمية الإصغاء إلى كل طرف دون تسرع في الحكم عليه. ومن هنا يمكن استثمار بعض دلالاتها في الإرشاد والاستشارة والوساطة الأسرية، لمساعدة الأزواج على التعبير عن احتياجاتهم، وفهم اختلافاتهم، والبحث عن حلول تحفظ الكرامة وتدعم المودة. كما يمكن أن يستفيد منها المقبلون على الزواج والمرشدون والوسطاء والجمعيات ومراكز الاستماع والإنصات، باعتبارها مدخلًا تربويًا لفتح الحوار حول الحياة الزوجية.
بأي معنى نترك الحكاية تتكلم، وما الغاية من الإصغاء إلى ما وراء الكلمات؟
-أن نترك الحكاية تتكلم يعني أن نمنحها حقها في أن تُروى وتُفهم قبل أن نسارع إلى تأويلها أو إصدار الأحكام بشأنها. ففي كتابي، لا أتعامل مع أوصاف النساء باعتبارها تشخيصات نفسية أو أحكامًا عامة على الرجال والنساء، وإنما أقرأها في سياقها، وأتأمل ما تتيحه من أسئلة حول الحياة الزوجية. أما الإصغاء إلى ما وراء الكلمات، فيعني محاولة فهم المشاعر والاحتياجات والمعاني التي قد لا يعبّر عنها الإنسان بصورة مباشرة. فقد يقول أحد الزوجين: "أنت لا تفهمني"، بينما يكون في حاجة إلى من يصغي إليه ويقدّر تجربته. لذلك فإن الإصغاء ليس مجرد سماع للكلام، بل هو محاولة لفهم صاحبه، دون ادعاء معرفة ما يشعر به قبل أن يوضحه بنفسه.
نجدك تشدد وتؤكد على الحوار والإصغاء والإنصات. هل في نظرك هذه الآليات كفيلة بتعزيز المودة والرحمة والاستقرار الأسري، في ظل التحديات التي تواجه الأسرة المغربية اليوم؟
-أرى أن الحوار والإصغاء والإنصات شروط أساسية لتعزيز المودة والرحمة، لكنها ليست وحدها كافية لضمان الاستقرار الأسري. فالأسرة المغربية تواجه تحديات متعددة، تتصل بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبكيفية تدبير الاختلافات والمسؤوليات داخل الحياة الزوجية. ومن ثم، فإن الحوار يحتاج إلى مهارات في التعبير عن المشاعر، واحترام الاختلاف، وتدبير الخلاف، والاستعداد لتحمل المسؤولية والبحث عن حلول مشتركة. وقد تحتاج بعض الحالات أيضًا إلى تدخل مرشد أو وسيط أسري مؤهل. والمقصود ليس أن نتحدث أكثر فحسب، بل أن نتعلم كيف نتحدث، وكيف نصغي، وكيف نختلف دون أن نهدم جسور المودة والاحترام. فالاستقرار الأسري لا يعني غياب الخلاف، وإنما القدرة على تدبيره بطريقة تحفظ كرامة الزوجين ومصلحة الأبناء.
لماذا العودة إلى التراث الإسلامي من خلال استحضار حديث أم زرع للتطرق إلى الحياة الزوجية، وهي مقاربة غير مألوفة في منجزك العلمي والفكري السابق؟
-في الحقيقة، ليست العودة إلى التراث الإسلامي قطيعة مع مشروعي الفكري والمهني السابق، بقدر ما هي امتداد له من زاوية جديدة. فقد انشغلت لسنوات بقضايا التواصل الأسري والإرشاد والوساطة بين الأزواج، وجاءت قصة أم زرع لتمنحني فرصة للتأمل في هذه القضايا من خلال نص من التراث النبوي غني بالتجارب الإنسانية. وما جذبني إليها هو ما تتيحه من إمكانات للتفكير في التعبير عن الحياة الزوجية، وفي العلاقة بين الكلام والمشاعر، وبين التجربة الفردية والحاجة إلى الفهم. وقد حرصت على احترام النص وسياقه، دون إسقاط مفاهيم معاصرة عليه إسقاطًا متعسفًا، أو تحويل أوصاف النساء إلى أحكام عامة. لذلك أعتبر هذا الكتاب بداية لحوار معرفي بين التراث والدراسات النفسية والاجتماعية وممارسات الوساطة الأسرية، وليس ادعاءً بأن قراءة واحدة تستنفد كل ما تحمله القصة من دلالات.