قال عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إن صياغة النصوص المؤطرة للإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وتبييض الأموال، يرتقب أن ترى النور مع بداية سنة 2027، وذلك بالموازاة مع التأكيد على ضرورة توفير ضمانات المحاكمة العادلة وشروطها واحترام قرينة البراءة، معلنا أن إحالة مشروع مراجعة مدونة الأسرة على البرلمان سيكون خلال الشهرين المقبلين، فضلا عن تعديلات المسطرة المدنية والقانون الجنائي. كما هدد بالانسحاب من الجلسة احتجاجا على وصف أجوبته بـ "البئيسة" من طرف نائب من فريق العدالة والتنمية.
وأوضح وهبي، في معرض أجوبته على أسئلة البرلمانيين، أمس الاثنين، 2 نونبر 2026، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن عدد طلبات الطلاق البالغ أزيد من 154 ألفا، لا تعكس عدد حالات الطلاق الفعلية، معتبرا أن اللجوء إلى الطلاق بين الأزواج ليس أمرا سيئا، مشيرا إلى أن اشتغال المرأة وتحررها ماديا مكناها من رفض "الإذلال في بعض الأسر". وشدد على أن رقمنة المحاكم تتطلب ميزانية 2.5 مليار درهم، فضلا عن ارتفاع اعتمادات المساعدة القضائية إلى 250 مليون درهم، داعيا إلى مضاعفة ميزانية وزارة العدل عشر مرات لتسريع وتيرة إصلاح العدالة.
قوانين محاربة الإثراء غير المشروع وغسيل الأموال على طاولة الحكومة
كشف وزير العدل أن الحكومة تتجه إلى تقديم مشاريع قوانين تتعلق بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح ومكافحة غسل الأموال مطلع سنة 2027، مؤكدا أن إعداد هذه النصوص يقتضي التوافق بشأن مضامينها وكيفية تنفيذها، بما يضمن محاربة الفساد دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة التي يكفلها الدستور.
وشدد خلال تفاعله مع أسئلة النواب على أن محاربة الفساد تحظى بإجماع، لكن الإشكال يكمن في تحديد الكيفية التي ستخاض بها هذه المعركة، متسائلا عما إذا كان الأمر يتعلق بمقاربة قانونية تحترم الضمانات الدستورية، أم بتحويل الموضوع إلى شعارات سياسية ومزايدات شعبوية.
وحذر الوزير من إصدار قوانين دون التدقيق في مضامينها والجهات التي ستتولى تنفيذها والصلاحيات التي ستمنح لها، معبرا عن تخوفه من منح سلطات تقديرية واسعة دون توفير ضمانات كافية لحماية الأفراد، ومؤكدا أن المساواة أمام القانون تقتضي تمتيع جميع المتهمين بالضمانات نفسها، سواء تعلق الأمر بسرقة عادية أو بالاستيلاء على المال العام. وفي هذا السياق، استحضر قرينة البراءة المنصوص عليها دستوريا، مشيرا إلى أن موضوع الإثراء غير المشروع أثير خلال مؤتمر "ميريدا"، معتبرا أن المقتضيات الدستورية المغربية تفرض مراعاة هذه القرينة عند إعداد التشريع المرتبط به.
وكشف وهبي أن النقاش داخل الوزارة يتجه نحو خيارين تشريعيين، أولهما إحداث مدونة مستقلة لمحاربة الفساد، تجمع جرائم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وغسل الأموال، وتحدد المساطر والإجراءات المرتبطة بها، وثانيهما الإبقاء على القانون الجنائي مستقلا. وأكد أن الهدف ليس إصدار قانون لمجرد التباهي به، بل وضع نصوص واضحة تضمن عدم إفلات المدانين من العقاب، دون تحويل مكافحة الفساد إلى مدخل للتجاوز على الحقوق والحريات، قائلا "أنا ما مستعدش نخلي شي فاسد يدور في الزنقة، ولكن في نفس الوقت ما مستعدش نظلم شي واحد".
كلمة "بائس" توتر الجلسة ووهبي يهدد بالانسحاب
شهدت جلسة الاستماع إلى أجوبة وزير العدل توترا بعدما احتج الأخير على وصف أجوبته في باب قوانين محاربة الفساد بـ "البائس" من طرف البرلماني عن فريق العدالة والتنمية عبد الصمد حيكر، مهددا بالانسحاب من الجلسة، ومعتبرا أن النقاش داخل المؤسسة التشريعية ينبغي أن يحافظ على أخلاقياته ومستواه، وهو ما دفع بعبد الله بوانو، زميل النائب البرلماني في نفس الفريق إلى التدخل ومطالبة رئيس الجلسة بسحب توصيف "بائس" من محضر الجلسة قبل أن يواصل وهبي أجوبته.
154 ألف طلب للطلاق لا تعني 154 ألف حالة تطليق
قال وزير العدل إن الأرقام المتداولة بشأن تنامي حالات الطلاق بالمغرب، تتعلق بطلبات الطلاق وليس بأحكام التطليق النهائية، وأن السبب يعود إلى أن عددا من الملفات التي تصل إلى المحاكم لا تستكمل مسطرتها، بعدما تنجح العائلات في احتواء الخلافات بين الزوجين.
وفي المقابل، رفض الوزير تحميل المرأة وحدها مسؤولية انتهاء العلاقة الزوجية، محذرا من اختزال وضعية المرأة المطلقة في أحكام اجتماعية مسبقة،
وربط جانبا من ارتفاع طلبات الطلاق بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية وعمل المرأة الذي "حررها من الإذلال"، مشددا على أن حرية المرأة في اختيار الزواج ينبغي أن تقابلها حرية اتخاذ قرار إنهائه، حيث استحضر معاناة النساء في الماضي، حين كانت بعضهن يقضين سنوات طويلة في المحاكم للحصول على الطلاق، مستشهدا بفيلم "أريد حلا" للفنانة المصرية فاتن حمامة، قائلا "20 عام وتبقى المرأة تدور في المحاكم باش تحصل على الطلاق والله لا شداتو.."
مدونة الأسرة.. وساطة خارج المحاكم وتشدد في تزويج القاصرات
أعلن وهبي أن مشروع مراجعة مدونة الأسرة، يرتقب إحالته على البرلمان خلال الشهرين المقبلين، كاشفا عن توجه الوزارة إلى إحداث آليات مستقلة للوساطة الأسرية، بدل ترك هذه المهمة لمكاتب القضاة، لافتا إلى أن الوزارة قررت إسناد الوساطة إلى مؤسسات مختصة وإشراك المجالس العلمية المحلية بهدف احتواء النزاعات قبل وصولها إلى مرحلة الطلاق.
وبخصوص تزويج القاصرات، أبرز المسؤول الحكومي أن النقاش داخل اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة عرف خلافا حول تحديد سن الزواج في 16 أو 17 أو 18 سنة، معلنا أنه كان شخصيا مع تحديده في 18 سنة، قائلا "الفتاة مكانها المدرسة أولا"، موضحا أن بعض الحالات أصبحت تستغل تزويج القاصرات للالتفاف على الضوابط المرتبطة بالتعدد، من خلال الزواج بالفاتحة أو الزواج العرفي، ثم التقدم بطلب ثبوت الزوجية. واعتبر أنه رغم تراجع أرقام هذه الظاهرة إلا أنها ترتبط أيضا بالوضع الاقتصادي للأسر، داعيا إلى توفير ظروف تمدرس الفتيات، مؤكدا تشديد الاستثناءات الخاصة بتزويج القاصرات.
القانون الجنائي.. حذف جرائم "غريبة" تصل عقوبتها إلى المؤبد
وبخصوص مراجعة القانون الجنائي، كشف وهبي أن النص أصبح جاهزا، وأن النقاش المتبقي يتعلق بكيفية إدراج الجرائم المرتبطة بالفساد، سواء داخل القانون الجنائي أو ضمن مدونة مستقلة، مع إبداء ميله إلى الخيار الأول لتفادي إحداث نظام قانوني استثنائي.
وأوضح أن الوزارة أعادت النظر في عدد من الجرائم التي وصفها بـ"الغريبة"، والتي تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد مثل جريمة "حرق خيمة"، إلى جانب تجريم التشرد، رغم أن الأمر يتعلق بأشخاص لا يتوفرون على مأوى، وكذا استبدال بعض العقوبات الحبسية بالغرامات المالية والعدالة التصالحية والعقوبات البديلة.
كما أعلن أن موضوع وسائل التواصل الاجتماعي سيكون من الملفات التي ستثير نقاشا واسعا، مؤكدا ضرورة حماية المواطنين والحفاظ على حرية التعبير في الوقت نفسه، داعيا إلى وضع حد لتصوير الأشخاص والمعتقلين، والتشهير بالنساء، والمساس بسمعة المغاربة وحياتهم الخاصة.
ربط تسريع العدالة بميزانية أكبر ورقمنة المحاكم
وفي معرض حديثه عن تراكم الملفات القضائية وتأخر البت فيها، اعتبر وهبي أن من أبرز الإشكالات التي تواجه وزارة العدل الفصل بين المجال القضائي والإدارة القضائية، موضحا أنه لا يحق له التدخل في عمل القضاة، كما لا يتدخل القضاة في تدبير الإدارة القضائية للمحاكم.
وأشار إلى أن ضغط الآجال يؤثر على جودة الأحكام وحقوق الدفاع، كاشفا أن تعميم الملف الإلكتروني والرقمنة الشاملة للمحاكم يتطلبان ميزانية تصل إلى 2.5 مليار درهم.
وربط الوزير تسريع العدالة بتوفير الموارد البشرية والمالية، من خلال زيادة عدد القضاة والمحاكم وتعزيز ميزانية القطاع، موجها دعوة مباشرة إلى النواب لمضاعفة ميزانية وزارة العدل عشر مرات، قائلا "إذا أردتم تسريع العدالة، اضربوا ميزانية وزارة العدل في 10 في البرلمان وانظروا ماذا سأفعل".
المساعدة القضائية.. 250 مليون درهم للمحامين
وفي محور المساعدة القضائية، كشف وزير العدل أن الميزانية المخصصة لهذا الغرض ارتفعت من 30 مليون درهم سنة 2023 إلى 40 مليون درهم سنة 2024، قبل أن تصل حاليا إلى 250 مليون درهم، مؤكدا توزيع هذه الاعتمادات على المحامين. ونفى أن تكون الوزارة مسؤولة عن تحديد حجم الميزانية المرصودة، موضحا أن وزارة المالية هي التي تتولى تخصيص الاعتمادات، بينما يقوم وزير العدل بصفته آمرا بالصرف بتوزيعها.
المسطرة المدنية.. تبليغ إلكتروني ومنصة لتنفيذ الأحكام
وفي ما يتعلق بإشكاليات تطبيق قانون المسطرة المدنية، أعلن وهبي أن الوزارة تتفاوض مع وزارة المالية لإصدار قانون يلزم المؤسسات والشركات بالتصريح بعنوان إلكتروني داخل السجل التجاري، بما يسمح للمتقاضين بالاعتماد عليه مباشرة في التبليغ القضائي الرقمي.
كما كشف عن إحداث مكتب للمعطيات الرقمية والاتفاق مع المديرية العامة للأمن الوطني للولوج إلى العنوان المسجل بالبطاقة الوطنية، مع التنبيه إلى عدم اللجوء إليه تلقائيا إلا إذا تبين أن العنوان الذي قدمه المدعي غير صحيح.
وفي مجال تنفيذ الأحكام، أعلن الوزير إحداث "المنصة الوطنية للتنفيذ"، التي ستتيح تنفيذ الأحكام القضائية في أي مدينة دون الحاجة إلى الإنابات القضائية التقليدية، بعدما كانت الملفات المتعلقة بحوادث السير والتنفيذ تحال على الدارالبيضاء.
ملف العدول والناسخين.. 1100 طلب وصعوبة الإدماج
وفي توضيحه بشأن ملف العدول والدكاترة والناسخين، قلفت إلى توصل الوزارة بـ 1100 طلب، وأن معالجة الملف تقتضي مراعاة أوضاع الناسخين وأسرهم، غير أن إدماج هذا العدد دفعة واحدة داخل هيئة العدول قد يؤثر على توازنها، بالنظر إلى محدودية المداخيل التي يحققها العدول، والتي تتراوح، بحسب تقديره، بين 2000 و3000 درهم شهريا.