سجلت الموارد المائية بأبرز سدود المملكة خلال الـ24 ساعة الماضية تطورات متفاوتة، تراوحت بين ارتفاع الواردات المائية في عدد من المنشآت وتراجعها في أخرى، في مؤشر يعكس استمرار التباين في الوضعية المائية بين الأحواض والسدود المغربية.
ووفق المعطيات المنشورة أول أمس الاثنين، فقد استقبل سد علال الفاسي بإقليم صفرو حوالي 1.2 مليون متر مكعب، لترتفع نسبة ملئه إلى 95.3 في المائة، فيما سجل سد أحمد الحنصالي بإقليم بني ملال واردات بلغت نحو 0.7 مليون متر مكعب، لترتفع نسبة الملء إلى 80.6 في المائة.
في المقابل، تراجعت موارد سد إدريس الأول بإقليم تاونات بـ2.5 مليون متر مكعب، لتستقر نسبة الملء في حدود 78.3 في المائة، بينما فقد سد الوحدة حوالي 2.2 مليون متر مكعب، مع استقرار نسبة ملئه عند 86.3 في المائة.
وتعكس هذه الأرقام صورة غير موحدة للوضعية المائية بالمغرب، إذ يمكن أن تعرف بعض السدود تحسنا في مخزونها في الوقت الذي تسجل فيه أخرى تراجعا، وهو ما يجعل قراءة الوضع المائي مرتبطة بدينامية التساقطات والواردات المائية وتوزيعها المجالي، وليس فقط بنسبة الملء الوطنية.
وفي قراءة لهذه المعطيات، تقول أميمة أوخي، الباحثة في البيئة والتنمية المستدامة، في تصريح مقترح للمادة، إن ارتفاع الواردات المائية في بعض السدود يمثل "مؤشرا إيجابيا، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لأزمة الإجهاد المائي التي يعيشها المغرب".
وتوضح أوخي أن التغير المناخي أدى إلى جعل الموارد المائية أكثر تقلبا من حيث الزمان والمكان، موضحة أن تسجيل واردات مهمة في سد معين لا يعني بالضرورة تحسن الوضعية المائية على المستوى الوطني، لأن الموارد تتأثر بالتوزيع غير المتكافئ للتساقطات، وبمعدلات التبخر، وبالطلب المتزايد على المياه.
وتضيف أن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بـ"كمية المياه التي تدخل إلى السدود، وإنما بقدرتنا على تدبير هذه الموارد بشكل مستدام، وترشيد الطلب، وتقليص ضياع المياه، وتسريع مشاريع إعادة استعمال المياه العادمة وتحلية مياه البحر، خصوصا في ظل استمرار تأثيرات تغير المناخ".
وترى الباحثة أن السياسة المائية والمناخية ينبغي أن تنتقل أكثر من منطق تدبير الأزمة إلى منطق الاستباق والمرونة، من خلال اعتماد التخطيط بعيد المدى، وتحسين الحكامة المائية، وتعزيز حماية الموارد الجوفية، إلى جانب تطوير حلول غير تقليدية للمياه.
وتؤكد أوخي، وفق الصياغة المقترحة، أن "المؤشر الأهم ليس فقط ارتفاع نسبة ملء السدود في لحظة معينة، وإنما مدى قدرة المنظومة المائية على تأمين الماء بشكل مستدام للسكان والاقتصاد والأنظمة البيئية، في ظل تغير المناخ وتزايد الطلب".
وأضافت الباحثة ذاتها أن وضعية السدود الأربعة المذكورة، تبرز أهمية التفاوت المجالي في الموارد المائية، فبينما وصلت نسبة ملء سد علال الفاسي إلى 95.3 في المائة، وسد الوحدة إلى 86.3 في المائة، بقيت بعض السدود الأخرى أمام دينامية مختلفة من حيث الواردات والمخزون.
ويعني ذلك أن تقييم الوضعية المائية لا يمكن أن يعتمد على رقم واحد، بل يتطلب الجمع بين مؤشرات متعددة، من بينها نسبة الملء، حجم الواردات، التساقطات، مستوى الاستهلاك، المياه الجوفية، والتوقعات المناخية.
وتابعت أن ارتفاع المخزون في بعض السدود لا يلغي التحديات المرتبطة باستمرار ارتفاع الطلب على الماء، خاصة في قطاعات الفلاحة والماء الصالح للشرب والصناعة، في وقت يفرض فيه تغير المناخ ضغوطا إضافية على الموارد الطبيعية.
وتؤكد المعطيات الرسمية المنشورة من طرف منصة "الماء ديالنا" التابعة لوزارة التجهيز والماء، أن تطور الموارد المائية خلال الفترة الأخيرة يتسم بالتفاوت بين السدود، وهو ما يستدعي استمرار اليقظة والتدبير الاستباقي للموارد.
وبينما تمنح الواردات المسجلة في عدد من السدود هامشا من الارتياح للمنظومة المائية، فإن استمرار التفاوت بين الأحواض وتغير الموارد من يوم إلى آخر يؤكد أن الأمن المائي بالمغرب أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بقدرة البلاد على التكيف مع تغير المناخ وترشيد استعمال المياه وتنويع مصادرها.
ومن ثم، فإن تحسن مؤشرات بعض السدود يظل مكسبا ظرفيا، في حين يبقى التحدي الاستراتيجي هو بناء منظومة مائية أكثر قدرة على الصمود أمام الجفاف والتقلبات المناخية المتوقعة.