في عز الأجواء الصيفية التي تطبع عادة شهر غشت بارتفاع درجات الحرارة واستقرار نسبي في الحالة الجوية، فاجأت تساقطات مطرية متفرقة عددا من المناطق المغربية، خصوصا بالمجالات الجبلية والداخلية لتعيد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة التقلبات الجوية التي باتت أكثر حضورا خلال السنوات الأخيرة.
وشملت التساقطات المطرية المسجلة خلال الساعات الأخيرة عددا من المناطق، وإن بكميات متفاوتة، حيث سجلت معتركة بإقليم فكيك 12 ملمترا، فيما بلغت التساقطات 7 ملمترات بخنيفرة-تغات بإقليم خنيفرة، و5 ملمترات بآيت تامليل بإقليم أزيلال.
كما سجلت زاوية الشيخ بإقليم بني ملال 3 ملمترات، بينما بلغت التساقطات ملمترا واحدا بأوكيمدن بإقليم الحوز، في وقت تعكس فيه هذه المعطيات الطابع المحلي والمتفاوت للزخات المطرية التي شهدتها هذه المناطق.
وسجلت مناطق ببولمان وإقليم ميدلت، خلال الأيام الأخيرة، تساقطات مطرية تسببت في عرقلة حركة السير بالطريق الرابطة بين تونفيت وبومية، بعدما غمرت المياه أجزاء من الطريق، في مشهد يعكس سرعة تغير الأحوال الجوية وقدرة الزخات الصيفية المركزة على إحداث اضطرابات محلية في ظرف وجيز.
ولا تعني هذه التساقطات، بالضرورة، عودة الموسم المطري، إذ إن الأمطار التي تشهدها بعض المناطق خلال فصل الصيف ترتبط غالبا باضطرابات جوية محلية وتكوّن سحب ركامية رعدية، خاصة فوق المرتفعات والمناطق الداخلية، وفق ما يؤكده خبراء المناخ والطقس، مشيرين إلى أن هذه الظواهر تتميز بكونها محدودة مجاليا وسريعة التطور، لكنها قد تكون قوية في فترة زمنية قصيرة، ما يرفع احتمال تسجيل جريان قوي للمياه وسيول مفاجئة، خصوصا في المناطق الجبلية والأودية والمنخفضات.
ورغم ارتباط الصيف في المغرب عادة بالاستقرار وارتفاع درجات الحرارة، فإن ذلك لا يمنع تشكل العواصف الرعدية عندما تتوفر شروط جوية ملائمة، من بينها ارتفاع حرارة سطح الأرض، وتوفر الرطوبة، ووجود حالة من عدم الاستقرار في الغلاف الجوي، وفق تعبيرهم.
و يوضح الخبراء أن خطورة هذه الظواهر تكمن أساسا في عنصر المفاجأة، فقد تبقى منطقة ما تحت أجواء حارة ومستقرة، قبل أن تتشكل فوقها سحب رعدية تنتج زخات قوية خلال وقت قصير.
وبالتالي، فإن أهمية التنبؤ لا ترتبط فقط بإمكانية نزول المطر، وإنما أيضا بسرعة تشكل السحب الرعدية ومكان تمركزها وشدة التساقطات التي قد ترافقها.
وتأتي هذه التقلبات في سياق مناخي مغربي اتسم خلال السنوات الماضية بتعاقب فترات طويلة من الجفاف مع تساقطات قوية ومركزة زمنيا، وكان الموسم المطري 2025-2026، قد شهد تحسنا ملحوظا في التساقطات مقارنة بالموسم السابق، وهو ما انعكس على الوضعية المائية وعلى حقينة عدد من السدود، غير أن هذا التحسن لا يعني اختفاء الاختلالات المرتبطة بالتوزيع غير المنتظم للموارد المائية.
وحسب الخبراء أنفسهم تكمن المفارقة في أن المغرب يمكن أن ينتقل، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، من وضعية تعاني فيها مناطق عدة من ندرة المياه إلى تسجيل زخات قوية في مناطق أخرى، دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة توزيع متوازن للموارد المائية.
وحول التحولات المناخية بالمغرب، أكدت أميمة خليل الفن، الباحثة المختصة في الهندسة البيئية والتنمية المستدامة، أن المناخ دائم التغير، مشيرة إلى أن المستجد يتمثل في وجود عوامل دخيلة تسرع وتيرة التقلبات وتزيد من حدتها.
كما نبهت خليل الفن إلى أن المغرب بحكم مناخه الجاف وشبه الجاف وموقعه الجغرافي، يعد من البلدان الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية وآثارها.
وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل تزايد مظاهر التذبذب المناخي، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على مواجهة الجفاف وندرة التساقطات، بل أصبح مرتبطا أيضا بالتعامل مع الأمطار الغزيرة والمركزة والظواهر الجوية القصوى.
كما سبق للخبيرة أن شددت، في حديث لها حول التساقطات، على أن الواردات المائية تمثل واردات خير، لكنها لا تعني بالضرورة تجاوز حالة الخطر المائي، بالنظر إلى استمرار العجز في عدد من الأحواض واستنزاف جزء من الموارد الجوفية.
و تابعت الخبيرة ذاتها، أن "هذا الوضع يكشف أن الإشكال المناخي لا يرتبط فقط بكمية الأمطار المسجلة على المستوى الوطني، وإنما كذلك بتوزيعها زمنيا ومجاليا، حيث تشهد منطقة واحدة تساقطات مهمة خلال ساعات قليلة، بينما لا تستفيد مناطق قريبة منها بالقدر نفسه، وهو ما يجعل أثر الأمطار مختلفا من منطقة إلى أخرى، سواء على الموارد المائية أو الفلاحة أو التربة أو البنية التحتية، كما أن الأمطار القوية خلال فترة زمنية قصيرة لا تعني بالضرورة استفادة مائية كاملة، إذ يمكن أن تتجه كميات مهمة من المياه نحو الجريان السطحي، خصوصاً عندما تكون التساقطات شديدة، ما يقلل من قدرة التربة على امتصاصها ويرفع مخاطر السيول".
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من منطق التعامل مع الكوارث بعد وقوعها إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين مراقبة السحب الرعدية، ورفع جاهزية البنية التحتية بالمناطق الأكثر عرضة للفيضانات والسيول، وبينما قد تبدو التساقطات الصيفية في بعض المناطق خبرا إيجابيا بالنسبة إلى السكان والغطاء النباتي والموارد المائية، فإن قوتها المفاجئة قد تحولها إلى مصدر خطر، خصوصا عندما تتجاوز قدرة شبكات تصريف المياه أو المجاري الطبيعية على استيعابها.
وأوضحت أن الظواهر المسجلة خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن المغرب يواجه واقعا مناخيا أكثر تعقيدا، تتجاور فيه موجات الحر والجفاف مع أمطار غزيرة وعواصف رعدية مفاجئة.
وبذلك، فإن التحدي المقبل لن يكون فقط في البحث عن مزيد من الموارد المائية، وإنما أيضا في الاستعداد لمناخ أكثر تقلبا، تكون فيه القدرة على التنبؤ والإنذار المبكر والتكيف مع الظواهر القصوى جزءا أساسيا من حماية السكان والبنيات التحتية والموارد الطبيعية.