انطلقت، اليوم الجمعة بمركز الندوات التابع لجامعة القاضي عياض بمراكش، فعاليات المسابقة الوطنية الثانية للمحاكمة الافتراضية في فن الترافع بمشاركة طلبة القانون يمثلون 10 فرق ينتمون إلى كليات الحقوق بمختلف مدن المملكة.
وتكمن أهمية هذه المسابقة في بعدها البيداغوجي والعلمي، حيث تحظى المحاكمة القضائية بأهمية متزايدة باعتبارها من أهم الوسائل البيداغوجية الحديثة في مجال التكوين القانوني والتي تعتمد مقاربة تعتمد على التفاعل والممارسة وتمثل المحاكمة الافتراضية مختبرا علميا يتيح للطالب الانتقال من المستوى النظري الى المستوى التطبيقي والتعامل مع أجواء المحاكمة.
وتبرز أهمية المحاكمة الافتراضية في قضايا جرائم الأموال في وقت تعرف فيه هذه الجرائم تطورا في أشكالها وآلياتها لمواكبة التحولات المتسارعة على المستويين الاقتصادي والمالي، وهو ما يدعو إلى أعادة النظر في التكوين ومناهج البحث لإعداد كفاءات قانونية قادرة على مواكبة هذا التطور.
وتهدف هذه المسابقة، المنظمة بمبادرة من مجموعة البحث في السياسة الجنائية والدينامية الاجتماعية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض، بشراكة مع هيئة المحامين بمراكش والمرصد الدولي للسياسات الجنائية وتحليل الظاهرة الإجرامية وعدد من المؤسسات والهيئات الوطنية، إلى تنمية مهارات التحليل القانوني وصياغة المذكرات واتقان تقنيات الترافع لدى الطلبة انسجاما مع الأهداف المحددة في قواعدها التنظيمية.
وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أكد بلعيد بوكادير رئيس جامعة القاضي عياض، أن اختيار موضوع الجرائم المالية لهذه الدورة يعكس مدى أهمية تكوين جيل من الطلبة قادر على مواجهة التحديات القانونية والاقتصادية الراهنة والمساهمة الفعلية في بناء مؤسسات قوية شفافة ومسؤولة، كما يعكس حرص جامعة القاضي عياض على ربط التعليم النظري بالممارسة العلمية والعملية وتكريس ثقافة الالتزام بالقوانين والقيم الأخلاقية بما يضمن حماية المجتمع وتعزيز التنمية المستدامة.
وأشار الى أن تنظيم مثل هذه المسابقات يؤكد التزام جامعة القاضي عياض بالابتكار البيداغوجي وإثراء العملية التعلمية عبر إدماج التعلم العملي والمحاكاة الواقعية ضمن مناهج الجامعة، مؤكدا أن جامعة القاضي عياض كانت من أوائل الجامعات الوطنية التي أسست الريادة القانونية وهو مشروع رائد يمزج بين التعليم والتدريب العملي ويتيح للطلبة خدمة المجتمع والممارسة القانونية تحت إشراف خبراء وهي مبادرة جعلت جامعة القاضي عياض نموذجا وطنيا للابتكار الأكاديمي ومساهما في إعداد جيل من القانونيين المتخصصين المؤهلين للتفاعل مع تحديات العصر.
من جانبها، أوضحت لطيفة قبيش مديرة مجموعة البحث في السياسة الجنائية والدينامية الاجتماعية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، أن هذه التظاهرة العلمية الوطنية أضحت موعدا أكاديميا للمعرفة القانونية في الممارسة الترافعية وترسيخ قيم الاجتهاد والنزاهة والتنافس العلمي الشريف بين طلبة كليات الحقوق بالمغرب، مشيرة إلى أن هذه المسابقة تسعى إلى تكوين شخصية قانونية رصينة ومتوازنة قادرة على التحليل والإقناع واحترام أخلاقيات المهنة التي يمثلها المترافع في ظل ما تفرضه الجرائم المالية من تعقيدات قانونية وقضائية متزايدة.
بدورها، أشارت السعدية مجيدي منسقة المسابقة الوطنية للمحاكمة الافتراضية، إلى أن هذه المسابقة مباراة أكاديمية تربط التكوين الجامعي بالممارسة القضائية والمهنية وترسيخ ثقافة الترافع الأكاديمي لدى طلبة الحقوق وتساعدهم على الانتقال من مستوى التلقين النظري للقواعد القانونية إلى مستوى توظيفها العملي في سياقات تحاكي الواقع القضائي، مبرزة أنها تشكل فضاء لتبادل الخبرات بين الأساتذة والمهنيين والطلبة وفرصة لتعزيز قيم الاجتهاد والتميز والانخراط الواعي في قضيا النزاهة والحكامة الجيدة وحماية المال العام.
وأجمعت باقي المداخلات على أن هذه المسابقة العلمية الوطنية تجسد روح التنافس المعرفي وتعزز قيم الاجتهاد والتميز والانفتاح على الممارسة القانونية والقضائية، مؤكدين على أهمية التكوين التظبيقي في بناء كفاءات قانونية مؤهلة قادرة على الجمع بين المعرفة النظرية والمهارة العملية واستيعاب روح القانون وأخلاقيات العدالة ومقتضيات دولة الحق المؤسسات.
وخلال هذه المسابقة العلمية الوطنية، جرى إعداد قضية افتراضية تحاكي نزاعا جنائيا وتيق الصلة بالواقع العملي، يتعلق بتدبير الشأن العام المحلي وما قد يعتريه من اختلالات ذات طابع مالي وإداري قد ترقى الى افعال مجرمة قانونا. وتتعلق وقائع هذه القضية بجماعة ترابية تعاني من ضعف الموارد وصعوبات جغرافية تؤثر على تدبيرها، حيث تولى المتهم رئاسة الجماعة خلال الفترة الممتدة من سنة 210 الى غاية سنة 2017، وهي الفترة التي
شمل جزء منها الممتدة مابين 210 و2015 مهمة المراقبة التي أنجزها المجلس الجهوي للحسابات.
وأسفرت المهمة الرقابية للعمليات المالية والمحاسباتية التي أنجزتها الجماعة، خلال خمس سنوات، عن تسجيل مجموعة من الاختلالات في مجال التدبير المالي والإداري، الأمر الذي شكل أساسا لفتح بحث قضائي انتهى بإحالة المتهم على غرفة الجنايات المكلفة بجرائم الاموال، ومتابعته من أجل جناية اختلاس وتبديد أموال عامة موضوعة تحث يده بمقتضى وظيفته، وجناية تلقي منفعة في عقد، وجنحة الغدر، وذلك طبقا لمقتضيات الفصول 241 و243 و245 من القانون الجنائي.
وانحصر أطراف القضية بين النيابة العامة التي تمثل سلطة الاتهام، وتستند في متابعتها الى عناصر الملف المتمثلة أساسا في تقرير المجلس الجهوي للحسابات، ومحاضر الضابطة القضائية، وكذا الأمر بالإحالة الصادر عن قاضي التحقيق المكلف بجرائم الاموال، ويمثلها أحد الطلبة في إطار المحاكاة الافتراضية بصفته وكيلا عاما للملك، والمتهم بصفته رئيسا سابقا للجماعة، ينفي الأفعال المنسوبة إليه ويتمسك ببرائته، ويمارس حقوق الدفاع المخولة له قانونا، ويمثله أحد الطلبة في إطار المحاكاة الافتراضية بصفته محاميا للدفاع.
وتشكل هذه المسابقة العلمية، فرصة لاختبار الطلبة المتبارين على تحليل واستثمار الوثائق المتداولة في القضايا الجنائية، خاصة تلك المرتبطة بالجرائم المالية، ومناسبة للطلبة المشاركين لإبراز قدرتهم على التميز الدقيق بين مجرد الخطأ الاداري، الذي يندرج ضمن مجال الرقابة والتدبير، وبين الفعل الجرمي الذي يستوجب المساءلة الجنائية، وذلك في إطار استحضار التوازن الدقيق بين متطلبات حماية المال العام وضمانات المحاكمة العادلة.