تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أشرفت فيدرالية الكيمياء وشبه الكيمياء (FCP)، بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، على افتتاح أشغال الدورة الرابعة من المنتدى الدولي للكيمياء، وذلك بحضور عمر حجيرة، كاتب الدولة لدى وزير الصناعة المكلف بالتجارة الخارجية، ومحمد أوحميد، الكاتب العام بالنيابة لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وسعيد الهادي رئيس الجمعية المهنية لشركات الإسمنت، بالإضافة إلى عابد شكار، رئيس فيدرالية الكيمياء وشبه الكيمياء (FCP) .
وقد خصصت هذه الدورة، المنظمة بالرباط تحت شعار "الكيمياء في قلب الإدماج الصناعي"، لإبراز الدور المحوري لقطاع الكيمياء في تعزيز ودمج سلاسل القيمة الصناعية. وفي سياق عالمي يتسم بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، والتحديات الطاقية، والتطورات التكنولوجية المتسارعة. وينظر إلى التكامل الصناعي كرافعة استراتيجية لتعزيز التنافسية والسيادة والاستدامة، فيما تبرز الكيمياء كحلقة وصل بين مختلف الفروع الإنتاجية ومحفز للابتكار وتثمين الموارد.
وعرفت الجلسة الافتتاحية مشاركة شخصيات وازنة من القطاعين العام والخاص، من بينهم Alain Juillet، الرئيس الشرفي لأكاديمية الذكاء الاقتصادي، إلى جانب البروفيسور رشيد اليزمي، الباحث المتخصص في مجال البطاريات.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عابد شكار أن "موضوع هذه الدورة يعكس قناعة راسخة تتقاسمها مختلف مكونات الفيدرالية، مفادها أن الكيمياء ليست قطاعا عاديا، بل هي حلقة وصل محورية تربط بين الطاقة والمعادن والفلاحة وصناعة السيارات والبطاريات والمواد عالية الأداء ومجمل الصناعات التحويلية".
من جانبه، شدد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، في كلمته المصورة بطريقة الفيديو، على أن "كيمياء الغد ستكون قائمة على اقتصاد دائري، وعمليات منخفضة الكربون، وحلول طاقية مبتكرة، ومواد متقدمة ذات قيمة استراتيجية وسيادية. مبرزا أن المغرب يملك مؤهلات مهمة لتطوير صناعة كيميائية متكاملة وتنافسية، بما يؤهله ليصبح قطبا إقليميا ودوليا في مجال تخزين الطاقة".
وأكد أن الصناعة الكيميائية تضطلع بدور محوري في تعزيز الاندماج الصناعي الوطني، باعتبارها من القطاعات الاستراتيجية التي تغذي مختلف سلاسل القيمة وتربط بين عدد واسع من الأنشطة الإنتاجية، من الفلاحة والصيدلة إلى السيارات والبناء والنسيج والطاقة وغيرها من القطاعات الحيوية.
وأوضح مزور، أن هذا الموعد أصبح، عبر دوراته المتتالية، منصة أساسية للتفكير وتبادل الرؤى بين مختلف الفاعلين في المنظومة الصناعية الوطنية والدولية، وفضاء لتقاطع الأفكار والخبرات حول ملامح صناعة الغد.
وأشاد الوزير، بهذه المناسبة، بالعمل الذي تقوم به فيدرالية الكيمياء وشبه الكيمياء، وبانخراط أعضائها في إنجاح هذا الحدث، الذي يسلط الضوء على المساهمة الأساسية للصناعة الكيميائية في التنمية الاقتصادية، والانتقال الطاقي، والتحولات الصناعية التي تعرفها المملكة.
وأورد مزور على أن اختيار موضوع هذه الدورة لم يكن اعتباطيا، مبرزا أن الكيمياء كثيرا ما توصف بأنها "صناعة الصناعات"، بالنظر إلى موقعها المركزي في تزويد وربط مختلف سلاسل القيمة الصناعية. وأكد أن هذا القطاع يشكل قاعدة استراتيجية لا غنى عنها لتطوير قطاعات متعددة، منها الفلاحة، والصناعة الدوائية، وصناعة السيارات، ومواد البناء، والنسيج، والطاقة.
وأضاف أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، دخل مرحلة صناعية جديدة، تقوم على طموح واضح لتعزيز السيادة الصناعية وبناء نسيج إنتاجي وطني قوي، قادر على مواجهة الصدمات الخارجية، وتلبية الحاجيات الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، وتعزيز تنافسية المملكة في الأسواق الوطنية والدولية.
وفي هذا الإطار، أبرز الوزير أن الصناعة الكيميائية تحتل مكانة مركزية داخل النسيج الصناعي المغربي، إذ تضم عددا من الفروع الاستراتيجية، من بينها منتجات الصحة النباتية، والصناعة الدوائية، ومستحضرات التجميل، والمنظفات، والزجاج، وغيرها من الأنشطة ذات القيمة المضافة.
وأشار مزور إلى أن المؤشرات الاقتصادية للقطاع تعكس دينامية قوية، حيث حقق، إلى غاية ماي 2024، رقم معاملات يفوق 180 مليار درهم، ويوفر أكثر من 80 ألف منصب شغل مباشر، بما يؤكد مساهمته الكبيرة في خلق الثروة وفرص العمل الصناعية. كما بلغت القيمة الإجمالية للإنتاج نحو 280 مليار درهم، فيما ناهزت الاستثمارات 50 مليار درهم، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في إمكانات الصناعة الوطنية.
واعتبر الوزير أن هذه الدينامية الإيجابية تستند إلى استقرار الإطار الماكرو اقتصادي للمملكة، وإلى آليات الدعم العمومي الموجهة للمقاولة، فضلا عن نمو الأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة العالية. غير أنه أكد أن أهمية الصناعة الكيميائية لا تقتصر على الأرقام والمؤشرات، بل تمتد إلى دورها البنيوي في دعم الاندماج الصناعي الوطني، من خلال توفير المدخلات الأساسية وتشجيع الابتكار وتعزيز التنافسية وخلق قيمة محلية أكبر.
وتوقف مزور عند التحولات العميقة التي يعرفها المشهد الصناعي العالمي، مؤكدا أنها تفرض الانتقال نحو كيمياء أكثر استدامة وخضرة وسيادة. وأوضح أن كيمياء المستقبل ستكون مرتبطة بالاقتصاد الدائري، والعمليات الصناعية منخفضة الكربون، والحلول الطاقية المبتكرة، وتطوير المواد والمكونات ذات الطابع الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، أشار الوزير إلى أن هذه التحولات تفتح آفاقا جديدة أمام الصناعة الكيميائية المغربية للتموقع في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، خصوصا الهيدروجين الأخضر، وحلول التخزين الطاقي، والمواد المرتبطة بالصناعات المستقبلية. كما أبرز أن النمو العالمي للسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على بعض المعادن والمواد الاستراتيجية، وهو ما يمنح المغرب فرصا مهمة بفضل موارده، وفي مقدمتها الفوسفاط والكوبالت.
وأكد مزور أن المغرب يتوفر على مؤهلات كبيرة لتطوير سلسلة صناعية مندمجة وتنافسية في مجال التخزين الطاقي، بما يمكنه من التموقع كمركز إقليمي ودولي في هذا المجال. كما ذكر بأن الصناعة الكيميائية تعد اليوم أول مستهلك للهيدروجين على الصعيد العالمي، ما يجعل تطوير الهيدروجين الأخضر فرصة استراتيجية كبرى للمملكة.
وأوضح أن هذه الفرصة يمكن أن تساهم، على وجه الخصوص، في تعويض جزء من واردات الأمونيا المستعملة في إنتاج الأسمدة، من خلال إنتاج الأمونيا الخضراء انطلاقا من الهيدروجين المتجدد. وأضاف أن توفر المغرب على نسبة مهمة من الاحتياطات العالمية من الفوسفاط يمنحه أفضلية طبيعية كبيرة، غير أن تعزيز موقعه داخل سلاسل القيمة يتطلب المرور إلى مرحلة أعلى من التصنيع ورفع القيمة المضافة.
وختم الوزير بالتأكيد على أن إنتاج الأمونيا الخضراء سيسمح للمغرب بتقليص تبعيته الخارجية، وتعزيز تنافسية منظومة الأسمدة، وتدعيم السيادة الصناعية الوطنية، بما ينسجم مع الرؤية الصناعية الجديدة للمملكة، القائمة على الاستدامة، والابتكار، والاندماج، وتعزيز مكانة المغرب في سلاسل القيمة العالمية.
أما ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، فقد أكدت في كلمة، ألقاها محمد أوحميد، الكاتب العام بالنيابة لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، نيابة عنها، أن "الصناعة الكيميائية تعد من أكثر القطاعات استهلاكا للطاقة في المغرب، مما يجعل الولوج إلى طاقة نظيفة وتنافسية ومستدامة ضرورة لتعزيز تنافسيتها وتقليص بصمتها الكربونية. وقد اعتمد المغرب نموذجا طاقيا جديدا يقوم على الطاقات المتجددة بهدف دعم إزالة الكربون الصناعي والاستجابة للمتطلبات البيئية الدولية، من خلال برامج استراتيجية تشمل تطوير الطاقات المتجددة، والنجاعة الطاقية، والاندماج الإقليمي، وتطوير سلسلة الهيدروجين الأخضر".
وأفادت بنعلي، أن الإدماج الصناعي يشكل منصة مهمة للحوار وتبادل الرؤى بين صناع القرار العمومي والفاعلين الصناعيين والشركاء المؤسساتيين، من أجل مناقشة الرهانات الاستراتيجية للقطاع، واستباق التحولات التي تعرفها سلاسل القيمة العالمية، وتحديد الآليات الكفيلة بإرساء إدماج صناعي مستدام وتنافسي على الصعيد الوطني.
وأوضحت بنعلي، أن الصناعة الكيميائية تعد من بين القطاعات الأكثر استهلاكا للطاقة، ما يجعل الولوج إلى طاقة نظيفة وتنافسية ومستدامة عاملا أساسيا لتعزيز قدرتها التنافسية وتقليص بصمتها الكربونية. وأضافت أن المغرب اختار التوجه نحو نموذج طاقي جديد يقوم على الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية والهيدروجين الأخضر، بهدف دعم إزالة الكربون من القطاع الصناعي والاستجابة للمتطلبات البيئية الدولية.
وشددت الوزيرة على أن هذا التحول الطاقي، المنسجم مع الرؤية الملكية، يمثل فرصة استراتيجية لاستقطاب الاستثمارات الخضراء، وتطوير صناعة كيميائية مستدامة، وترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي للطاقة النظيفة والصناعة الخضراء.
وأبرزت أن المغرب أطلق، في إطار انتقاله الطاقي، عددا من الأوراش الاستراتيجية المهيكلة، من خلال سياسة طموحة ترجمتها برامج عملية في مجالات الطاقات المتجددة، وتشجيع استعمالها، والنجاعة الطاقية، والاندماج الجهوي، وتطوير التخزين والهيدروجين الأخضر. كما أشارت إلى الجهود المبذولة لإزالة الكربون من الأنشطة الاقتصادية والنسيج الصناعي، خاصة عبر وضع إطار إداري وتنظيمي ملائم لتطوير مشاريع الطاقات المتجددة من قبل القطاع الخاص، في إطار القانون 13.09 المتعلق بالطاقات المتجددة، والقانون82.21 المتعلق بالإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية.
وفي هذا الصدد، لفتت بنعلي إلى أن المرسوم المحدد لشروط وكيفيات تنظيم واستغلال منشآت الإنتاج الذاتي للطاقة الكهربائية، الذي صدر أخيرا، أعطى دفعة قوية لتطوير مشاريع الطاقات المتجددة اللامركزية. كما أكدت أهمية الإصلاحات التي تتيح الحصول على شهادات المنشأ، بما يضمن تتبع مصدر الكهرباء المنتجة ويعزز قيمتها، خصوصا بالنسبة للأنشطة الموجهة للتصدير، فضلا عن دعم إنجاز منشآت تخزين الطاقة لتعزيز مرونة المنظومة الكهربائية الوطنية.
وسجلت الوزيرة أن قطاع الطاقات المتجددة بالمغرب بلغ اليوم نقطة تحول حقيقية، منتقلا من مرحلة الهيكلة الاستراتيجية والمؤسساتية إلى مرحلة التسريع والنشر على نطاق واسع. وأوضحت أن القدرة الكهربائية الوطنية المركبة بلغت حوالي 12.2 جيغاواط، منها 5.7 جيغاواط من مصادر متجددة، وهو ما يمثل نحو 46 في المائة من القدرة الكهربائية الإجمالية، مقابل 37 في المائة سنة 2021، أي بزيادة قدرها 9 نقاط.
وأضافت أن هذه الدينامية تتجلى كذلك في التسارع الملحوظ للمشاريع التي يطورها القطاع الخاص في إطار القانون 13.09 أو في إطار الإنتاج الذاتي، حيث عرف الربع الأول من سنة 2026 إصدار عدد مهم من التراخيص، تمثل أكثر من 2760 ميغاواط، أي ما يقارب 64 في المائة من إجمالي القدرة المرخصة منذ انطلاق مسار الانتقال الطاقي بالمغرب.
واعتبرت بنعلي أن استعمال الطاقات المتجددة في قطاعي الصناعة الكيميائية وشبه الكيميائية يشكل رافعة استراتيجية لتعزيز تنافسية المقاولات الوطنية، وتقليص بصمتها الكربونية، وتحسين قدرتها على مواجهة تقلبات الأسواق الطاقية الدولية. كما أكدت أن تطور الطاقة الشمسية والريحية، المدعوم بقدرات التخزين وحلول المرونة، يتيح للصناعات المغربية فرصا ملموسة لإزالة الكربون من مساراتها الإنتاجية، وتحسين كلفة الطاقة، والاستجابة للمعايير البيئية التي تفرضها الأسواق الدولية.
وفي السياق ذاته، أبرزت الوزيرة أن الهيدروجين الأخضر يبرز كحل استراتيجي لتسريع إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة، من خلال توفير بديل نظيف للوقود الأحفوري في عدد من الأنشطة الصناعية. وأكدت أن تطوير هذه السلسلة لا يقتصر على تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، بل يفتح المجال أمام تموقع المغرب كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الجزيئات الخضراء والمنتجات الصناعية منخفضة الكربون ذات القيمة المضافة العالية.
كما شددت بنعلي على الدور المحوري للهيدروجين الأخضر في تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية المستوردة، بالنظر إلى تعدد استعمالاته، خاصة في الصناعة الكيميائية، ولا سيما في إنتاج الأمونيا، التي تعد مكونا أساسيا في صناعة الأسمدة الآزوتية ومنتجات أخرى. وذكرت، في هذا الإطار، بأن البرنامج الاستثماري الأخضر لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط يهدف إلى إنتاج مليون طن من الأمونيا الخضراء في أفق سنة 2027، مع رفع هذا الهدف إلى 3 ملايين طن بحلول سنة 2032.
وختمت الوزيرة بالتأكيد على أن قطاعي الكيمياء وشبه الكيمياء يضطلعان بدور أساسي في إنجاح الانتقال الطاقي وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال توفير التكنولوجيا والمواد والحلول المبتكرة لفائدة قطاعات الطاقة والماء والنقل والبناء والفلاحة، بما يجعل هذا القطاع في صلب التحول الصناعي الأخضر الذي تراهن عليه المملكة خلال السنوات المقبلة.
وفي الأخيرا، أوضح عمر حجيرة كاتب الدولة لدى وزير الصناعة المكلف بالتجارة الخارجية قائلا إن "قطاع الكيمياء يعد أول قطاع إنتاجي في الصناعة المغربية برقم معاملات يناهز 200 مليار درهم، ويمثل 23 في المائة من صادرات الصناعة الوطنية".
وأفاد عمر حجيرة أن الصناعة الكيميائية تضطلع بدور استراتيجي في مواكبة التحولات الصناعية الكبرى، باعتبارها قطاعا محوريا قادرا على تحويل الموارد إلى قيمة مضافة، ودعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة واستدامة.
وأضاف حجيرة أن المقولة العلمية الشهيرة "لا شيء يخلق من عدم، ولا شيء يضيع، بل كل شيء يتحول"، تعكس بعمق جوهر الصناعة الكيميائية ودورها في تحويل المواد والموارد إلى منتجات وحلول تخدم مختلف القطاعات الاقتصادية. وأضاف أن هذه الصناعة أصبحت اليوم في قلب التحولات التكنولوجية والطاقية والبيئية التي تعرفها الاقتصادات الحديثة.
وشدد على أن المغرب، بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، جعل من الاندماج الصناعي خيارا استراتيجيا لتعزيز السيادة الصناعية، وبناء اقتصاد أكثر تنافسية وصلابة وشمولا. وأبرز أن هذا التوجه يكتسي أهمية متزايدة في ظل سياق دولي يتسم باضطراب سلاسل الإمداد والطاقة والخدمات اللوجستية، فضلا عن الارتفاع الملحوظ في أسعار المواد الأولية.
واعتبر حجيرة أن هذه التحولات تؤكد أن تعزيز الاندماج الصناعي لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الإنتاج، وتقليص التبعية للخارج، وحماية النسيج الصناعي الوطني من الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، وصف الصناعة الكيميائية بأنها "صناعة الصناعات"، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بعدد كبير من القطاعات الحيوية، من بينها الطاقة، والسيارات، والصناعات الغذائية، والصيدلة، ومواد البناء، والمواد المتقدمة. فهي توفر المدخلات الأساسية لهذه القطاعات، وتساهم في تحسين أدائها وتعزيز تنافسيتها داخل الأسواق الوطنية والدولية.
وأشار إلى أن القطاع الكيميائي، رغم كونه من القطاعات الأكثر استهلاكا للطاقة، حيث يمثل حوالي 26 في المائة من الاستهلاك الطاقي الصناعي الوطني، يشكل في المقابل رافعة أساسية لتعزيز صمود المنظومة الإنتاجية المغربية، شريطة تسريع تحوله نحو مزيد من النجاعة الطاقية، والابتكار، والاستدامة.
وأضاف أن الصناعة الكيميائية تعد اليوم أول قطاع إنتاجي ضمن الصناعة المغربية، برقم معاملات يقارب 200 مليار درهم، كما تساهم بحوالي 23 في المائة من الصادرات الصناعية للمملكة. واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس المكانة المحورية لهذا القطاع في خلق الثروة، ودعم الصادرات، وتعزيز إشعاع الصناعة المغربية على المستوى الدولي.
كما أبرز حجيرة أن قرابة نصف رقم معاملات القطاع موجه نحو الأسواق الخارجية، وهو ما يؤكد قدرته على المنافسة عالميا وترسيخ موقع المغرب ضمن سلاسل القيمة الدولية. غير أنه شدد، في المقابل، على ضرورة قراءة هذه الأرقام بواقعية، بالنظر إلى التحديات التي لا تزال مطروحة أمام القطاع، خاصة فيما يتعلق بتعميق الاندماج الصناعي والمجالي.
وفي هذا الإطار، لفت إلى أن نشاط الصناعة الكيميائية لا يزال متمركزا بشكل كبير في جهتين رئيسيتين، هما جهة الدارالبيضاء سطات، وجهة طنجة تطوان الحسيمة، حيث تستحوذان على نحو 85 في المائة من نشاط القطاع. واعتبر أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة الجهود من أجل تعزيز الاندماج الصناعي الجهوي وتحقيق عدالة مجالية أكبر، بما ينسجم مع الرؤية الملكية الرامية إلى بناء مغرب متوازن في تنميته ومتقدم بوتيرة واحدة.
وأكد حجيرة أن التحولات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والانتقال الطاقي تضع الصناعة المغربية أمام اختبار جديد، عنوانه القدرة على الابتكار والتكيف وخلق نماذج جديدة للقيمة. فالتنافسية، حسب قوله، لم تعد تقوم فقط على امتلاك الموارد، بل على القدرة على تحويلها بذكاء ودمجها بكفاءة داخل منظومة صناعية متكاملة.
وخلص إلى أن الصناعة الكيميائية المغربية توجد اليوم أمام مرحلة حاسمة، تفرض الانتقال نحو نموذج أكثر ذكاء وخضرة وسيادة. وهو تحول يتطلب تعبئة مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والجهات الترابية ومؤسسات البحث والابتكار، من أجل بناء منظومة صناعية قادرة على مواجهة التحديات واستثمار الفرص وتعزيز موقع المغرب كفاعل صناعي إقليمي ودولي.
وبموازاة أشغال المنتدى، احتضنت "قرية الكيمياء"، أبرز الفاعلين الوطنيين والدوليين في القطاع، حيث شكلت فضاء حقيقيا للقاءات وتبادل الخبرات المهنية، وساهمت في تعزيز الشراكات، وتنظيم لقاءات الأعمال الثنائية (B2B)، إلى جانب التعرف على أحدث الابتكارات التكنولوجية.