مهندسو العالم يلتئمون بطنجة لتباحث محور "البناء المعياري" وسعي للاستفادة من خبرة المغرب

الصحراء المغربية
الأربعاء 25 مارس 2026 - 14:36

برعاية وزارة التجارة والصناعة، تحتضن طنجة إلى غاية اليوم وعلى مدار ثلاثة أيام، المنتدى الدولي LIPS & MOC 2026، تحت شعار "تسريع تحول البنيات التحتية"، في حدث دولي يجمع بين شبكتي Lean in Public Sector (LIPS) وModular & Offsite Construction (MOC)، بهدف فتح نقاش واسع حول مستقبل البناء والتدبير العمومي المستدام.

وفي تصريح له على هامش المنتدى، أعرب البروفيسور زبير لافهاج، رئيس المنتدى وأستاذ بجامعة "سنترال ليل"، عن سعادته بتنظيم هذا الحدث العلمي والمهني في المغرب، مؤكدا أن اختيار طنجة يأتي في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الإنشاءات عالميا.

وأفاد البروفيسور زبير لافهاج، ، أن هذا الملتقى يعد خطوة تعزز مكانة المغرب كمنصة دولية للابتكار في قطاع البناء، موضحا أن هذا المنتدى يأتي في ظروف تحتم التعمق أكثر في موضوع "البناء المعياري" (المصنع) ومنهجية (Lean)، بمشاركة نخبة من الخبراء والمهندسين من مختلف أنحاء العالم.

وأوضح أن الهدف الرئيسي من هذا التجمع هو تسليط الضوء على "البناء المعياري" أو البناء الصناعي، كحل استراتيجي لتلبية الاحتياجات المتزايدة في مجالات الرقمنة ورفع الكفاءة الإنتاجية.

وأشار إلى أن هذا النوع من البناء يساهم بشكل مباشر في الاستجابة لمتطلبات المجتمع الحديث عبر توفير جودة أعلى في وقت قياسي. أما في ما يخص منهجية "التشييد الرشيق" (Lean Construction)، فقد أكد لافهاج على أهميتها ليس فقط للشركات الخاصة، بل وللقطاع العام والجهات الآمرة بالأشغال، حيث تفرض قواعد عمل تضمن تحقيق أقصى درجات الجودة، وتعزيز الإنتاجية، واحترام الالتزامات تجاه جميع الشركاء في المشروع.

ولفت المتحدث، إلى أن المنتدى شهد حضور أكثر من 120 مشاركا قدموا من مختلف القارات، بما في ذلك الولايات المتحدة، كندا، تشيلي، فرنسا، الدنمارك، ألمانيا، بالإضافة إلى تمثيل آسيوي قوي من هونغ كونغ، ومشاركة واسعة من دول القارة الأفريقية.

وقال إن "المغرب وإفريقيا هما المكان الذي تُصنع فيه المنجزات الكبرى حاليا، خاصة في ظل المشاريع العملاقة التي تشهدها المنطقة". شراكات استراتيجية واتفاقيات تعاون ولم يقتصر المنتدى على النقاشات النظرية، بل توج بتوقيع ثلاث اتفاقيات تعاون مهمة، تهدف إلى تعزيز الشراكة بين الفاعلين المغاربة والدوليين، وتتجلى في اتفاقية مع فرع هيئة المهندسين المعماريين بجهة طنجة ومجموعة أبراج، واتفاقية بين المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بطنجة (ENSI) والمعهد الفرنسي للبناء "لين"، فضلا عن اتفاقية أخرى.

وصرح ماسامبا ديوب، رئيس مجلس هيئة المهندسين المعماريين بالسنغال، لـ "الصحراء المغربية" خلال مشاركته في هذا المنتدى، قائلا إن "مفهوم "لين" (Lean) يعد ثورة تقنية نتطلع لنقلها إلى إفريقيا جنوب الصحراء"، معربا عن اعتزازه بالمشاركة في فعاليات المنتدى العلمي والتقني المنعقد بمدينة طنجة، وشدد على أن هذا الحدث يمثل محطة استراتيجية لتبادل الخبرات والاطلاع على أحدث الابتكارات في قطاع البناء وتدبير المدن.

وأشار ديوب إلى أن المشاركة السنغالية تهدف إلى استلهام الحلول المبتكرة التي يقدمها المغرب، لا سيما في ظل التطور التقني المتسارع الذي يشهده قطاع الإنشاءات. وأشاد بشكل خاص بمفهوم "لين" (Lean Construction)، واصفا إياه بالتوجه الثوري والجديد بالنسبة لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء.

وقال ديوب: "نحن حريصون على نقل هذه التجربة المتميزة وتوطينها في بلداننا، لتعزيز كفاءة إدارة المشاريع العمرانية وتطوير الرؤية التقنية لمهندسينا". وأثنى رئيس الهيئة السنغالية على عمق التعاون التاريخي الذي يجمع بين السنغال والمملكة المغربية، مشيرا إلى أن هذه الدعوة تعكس متانة الروابط المهنية بين البلدين.

كما قدم تحية تقدير للمنظمين على جودة المحتوى العلمي والمداخلات التي وصفها بـ "الغنية والمثمرة". وفي سياق تعزيز العمل الإفريقي المشترك، كشف ديوب عن التحضيرات الجارية لعقد "منتدى المهندسين المعماريين الأفارقة" المزمع تنظيمه في العاصمة السنغالية دكار سنة 2027.

ووجه دعوة مفتوحة لتقديم عرض مفصل حول مفهوم "Lean" خلال هذا الملتقى القاري، لضمان نشر الوعي بهذه التكنولوجيا الحديثة بين المهنيين في القارة السمراء. واختتم ديوب تصريحه بالإشادة بمشروع "دار المهندس" بطنجة، معتبرا إياه مشروعا مبتكرا يوفر فضاء مثاليا لنمو المهنيين، ويحافظ على الذاكرة الهندسية للمدينة، كما يشكل جسرا لنقل الخبرات إلى الأجيال المقبلة.

من جانبه، قال فودي ديوب، رئيس اتحاد المهندسين المعماريين الفرانكوفونيين في إفريقيا، في تصريح لـ "الصحراء المغربية"، إننا "نسعى لتأهيل جيل جديد من المهندسين يتبنى فلسفة الـ Lean في البناء"، واستطرد مؤكدا على أهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات لتطوير قطاع البناء في القارة السمراء، كما شدد على ضرورة تمكين المهندسين والتقنيين من أحدث آليات العمل العصرية.

ووصف فودي هذا اللقاء بـ "المفيد جدا" لأعضاء الاتحاد، كونه يفتح آفاقا رحبة لتبادل الرؤى بين مختلف الهيئات المهنية وتعزيز قدرات المهندسين المعماريين في مجال تقنيات البناء الحديثة.

وفي سياق حديثه عن الخطط المستقبلية للاتحاد، كشف فودي عن جدول أعمال طموح يركز على التكوين المستمر ودعم الكفاءات الشابة، وأعلن عن تنظيم حدثين بارزين في القارة، ويتعلق الأمر بقمة المهندسين المعماريين الأفارقة الشباب (غشت 2026)، حيث ستستضيف جمهورية الكونغو هذا الحدث تحت شعار"Next Generation Impact Architect"، وأوضح فودي أن هذه القمة تتماشى تماما مع فلسفة الـ "Lean" (البناء الرشيق)، بهدف إعداد الجيل المقبل لضمان استمرارية المهنة وتطويرها بما يتناسب مع التحديات البيئية والاقتصادية.

أما الحدث الثاني، فيتعلق وفق فودي بالندوة الدولية للمهندسين المعماريين الأفارقة (2027)، إذ أعلن رئيس الاتحاد عن اختيار العاصمة السنغالية دكار لاستضافة النسخة الثانية من هذه الندوة الدولية الكبرى، والتي تعد منصة استراتيجية لتجمع رواد العمارة في إفريقيا.

كما كشف على أن هذه التحركات تأتي في إطار استراتيجية الاتحاد لتعزيز دور المهندس المعماري الإفريقي كعنصر فاعل في التنمية المستدامة، مع التركيز على نقل المعرفة وتبني منهجيات عمل تقلل من الهدر وتزيد من كفاءة المشاريع العمرانية في القارة.

وختم فودي ديوب تصريحه بالتأكيد على أن بناء مستقبل إفريقيا يبدأ من "تحضير الشباب وتأهيلهم لتسلم المشعل"، معتبرا أن الملتقيات الدولية مثل "منتدى طنجة" هي حجر الزاوية في بناء شبكة مهنية إفريقية قوية ومتماسكة.

وحضر هذا الحدث طلبة مدارس الهندسة الذي شاركوا في الهاكاتون الوطني المنظم أخيرا بالدارالبيضاء من قبل بيموبتيك Bimob Tech.

ويأتي هذا المؤتمر في سياق عالمي يعرف تحولات عميقة في قطاع البناء والتجهيزات، حيث أصبحت المؤسسات العمومية مطالبة بتقديم خدمات وبنيات تحتية أكثر نجاعة، مع الاستجابة في الوقت نفسه لتحديات الاستدامة، والمرونة المناخية، وترشيد الموارد. ويرى منظمو المؤتمر أن اعتماد منهجيات Lean والبناء المعياري وخارج الورش، يشكل مدخلا عمليا لتحسين الإنتاجية، وتقليص الهدر، وتعزيز التعاون والابتكار في المشاريع الكبرى.

ويهدف الموعد الدولي إلى جمع الجامعيين وصناع القرار العمومي والمهنيين والخبراء والممارسين في فضاء واحد لتبادل المعارف والخبرات واستعراض أحدث الحلول المرتبطة بمستقبل البناء والخدمات العمومية.

كما سيتناول المؤتمر محاور متعددة تشمل السياسات العمومية الرشيقة، والبناء الصناعي المستدام، والتحول الرقمي من خلال BIM والتوائم الرقمية والأتمتة، إلى جانب قضايا المدن المرنة والشاملة والتعاون الدولي والابتكار. ويكتسي اختيار المغرب، ومدينة طنجة تحديدا، بعدا استراتيجيا واضحا.

فالوثيقة التقديمية للمؤتمر تؤكد أن المملكة تعيش دينامية قوية في تحديث بنياتها التحتية، مدفوعة بمشاريع مهيكلة كبرى واستعدادات لاحتضان تظاهرات دولية مهمة في السنوات المقبلة. كما أن موقع المغرب كجسر طبيعي بين إفريقيا وأوروبا والعالم يمنحه مكانة متميزة لاحتضان مثل هذه اللقاءات الدولية التي تجمع بين البحث العلمي، والممارسة الميدانية، وصناعة القرار.

ومن المنتظر أن يشكل المؤتمر منصة إفريقية ودولية لنقل الخبرات وبناء القدرات، خاصة في ما يتعلق بتحديث القطاع العمومي، وتطوير البناء المستدام، وتسريع التحول الصناعي في مجال التشييد.

وترى الجهات المنظمة أن احتضان المغرب لهذا الحدث من شأنه أن يعزز تموقعه كفاعل محوري في مجالات الحكامة المبتكرة والبناء الصناعي المستدام، ويفتح المجال أمام الفاعلين الأفارقة للاستفادة المباشرة من التجارب الدولية في هذا المجال.

ويشارك في المؤتمر عدد من المتدخلين والخبراء الدوليين البارزين، من بينهم البروفيسور وي بان من جامعة هونغ كونغ، والبروفيسور لويس ألاركون من الشيلي، والدكتور مارتن بيركس من المملكة المتحدة، إلى جانب البروفيسور حسن جرار أوليدي من المدرسة الحسنية للأشغال العمومية بالمغرب، فضلا عن رؤساء اللجان العلمية والتنظيمية من مؤسسات أكاديمية ومهنية من فرنسا وكندا والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها.

وتضمن برنامج التظاهرة يوم الاثنين ورشات تكوينية، بمقر المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية ENSI بطنجة، فيما تم تخصيص يومي الثلاثاء والأربعاء لعقد المؤتمر العلمي والنقاشات، فضلا عن العروض التقنية.

كما شمل البرنامج زيارة ميدانية إضافية اليوم الخميس إلى ميناء طنجة المتوسط، لتمكين المشاركين من الاطلاع على أحد أكبر المركبات المينائية واللوجستية في المنطقة وفهم بنياته التحتية وابتكاراته على أرض الواقع.
 




تابعونا على فيسبوك