خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد.. إصلاحات كبرى تصطدم بواقع النمو والتشغيل والفوارق الاجتماعية

الصحراء المغربية
الثلاثاء 02 يونيو 2026 - 17:57

بعد خمس سنوات من إطلاق النموذج التنموي الجديد باعتباره خارطة طريق لبناء "مغرب أكثر عدالة وتنافسية وشمولا"، تكشف حصيلة التنزيل عن واقع متباين يجمع بين إطلاق أوراش إصلاحية كبرى وتحقيق مكاسب ملموسة في بعض القطاعات، وبين استمرار اختلالات بنيوية حالت دون بلوغ العديد من الأهداف التي رسمها النموذج.

فبحسب تقرير تقييمي حديث أنجزه مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي تحت عنوان "خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟"، تمكن المغرب منذ سنة 2021 من إطلاق مجموعة من الإصلاحات الاستراتيجية شملت تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومة الاستثمار، وتوسيع التغطية الصحية، وإعادة هيكلة عدد من القطاعات الحيوية، غير أن أثر هذه الأوراش لم ينعكس بالوتيرة نفسها على مؤشرات التشغيل وتحسين الدخل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويرى التقرير أن الرهان الأساسي للنموذج التنموي كان يقوم على تحقيق معدل نمو اقتصادي يتجاوز 6 في المائة سنويا، باعتباره مدخلا لخلق الثروة وفرص الشغل وتوفير الموارد الكفيلة بتمويل الإصلاحات الاجتماعية. غير أن الاقتصاد الوطني لم ينجح خلال السنوات الماضية في تجاوز سقف يتراوح بين 3 و4 في المائة في أغلب الفترات، متأثرا بتوالي سنوات الجفاف والاضطرابات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.
لكن التقرير يؤكد أن العوامل الظرفية وحدها لا تفسر محدودية النتائج، مشيرا إلى استمرار اختلالات هيكلية مرتبطة بضعف الإنتاجية وبطء التحول نحو اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة والتكنولوجيا، فضلا عن محدودية مساهمة بعض القطاعات في خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل المستدامة.
وفي ما يتعلق بسوق العمل، يبرز التقرير أن البطالة ما تزال تمثل أحد أبرز التحديات أمام نجاح النموذج التنموي الجديد، حيث بلغ معدلها خلال سنة 2025 نحو 13 في المائة، فيما تجاوز عدد العاطلين عن العمل 1.6 مليون شخص، وتبقى الفئات الشابة الأكثر تضررا، إذ تتجاوز البطالة ثلث الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، في وقت يفترض أن يشكلوا القوة المحركة للتحول الاقتصادي والاجتماعي.
أما في قطاع التعليم، فرغم ارتفاع حجم الاستثمارات والإصلاحات المتتالية، فإن النتائج المحققة ما تزال دون التطلعات. واستدل التقرير بنتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ "PISA 2022" التي أظهرت استمرار تموقع المغرب ضمن المراتب المتأخرة عالميا في القراءة والرياضيات والعلوم، إضافة إلى استمرار نزيف الهدر المدرسي الذي بلغ حوالي 294 ألف منقطع خلال الموسم الدراسي 2023-2024، خاصة في الوسط القروي.
وفي القطاع الصحي، سجل التقرير تقدما مهما على مستوى تعميم التأمين الإجباري عن المرض وتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، لكنه نبه في المقابل إلى استمرار الصعوبات المرتبطة بجودة الخدمات الصحية ونقص الموارد البشرية والتجهيزات في عدد من المناطق القروية والنائية.
وعلى مستوى العدالة المجالية، كشفت المعطيات الواردة في التقرير استمرار التركز الاقتصادي في عدد محدود من الجهات، إذ تستحوذ جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة على أكثر من نصف الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، بينما لا تزال العديد من المناطق القروية والهامشية تواجه تحديات الفقر والهشاشة وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية.
ورغم تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد خلال السنوات الأخيرة، فإن التقرير يشير إلى أن أغلبية الفقراء ما تزال تتمركز في العالم القروي، كما أن نسبة الأمية لا تزال مرتفعة، خاصة في صفوف النساء، وهو ما يعكس استمرار التفاوت في الاستفادة من ثمار التنمية.
وفي الجانب المؤسساتي، يرى التقرير أن نجاح النموذج التنموي الجديد لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، بل بقدرته على تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، وتحقيق حكامة أكثر فعالية وشفافية. كما دعا إلى الانتقال من منطق تدبير البرامج إلى منطق قياس أثرها المباشر على حياة المواطنين.
ويخلص التقرير إلى أن النموذج التنموي الجديد وضع أسس إصلاحية مهمة وأطلق دينامية غير مسبوقة في عدد من القطاعات، غير أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحويل هذه الأوراش إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مستوى عيشه وفرص شغله وجودة الخدمات التي يتلقاها، بما يضمن تقليص الفوارق وتحقيق تنمية أكثر إنصافا واستدامة.




تابعونا على فيسبوك