في أعقاب الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير وعدد من مناطق شمال المغرب، تزايدت مخاوف السكان بشأن سلامة منازلهم، خصوصا بعد شروع السلطات في العودة التدريجية إلى المساكن المتضررة.
وفي هذا السياق، أكد الخبير المغربي في البيئة والهندسة المدنية المقيم بكندا الدكتور عبد الرحيم الخويط، أن المعالجة الحقيقية لآثار الفيضانات لا تبدأ بإصلاح الجدران، بل بتشخيص التربة والأساسات، لأن الخلل البنيوي غالباً ما يكون خفياً تحت المبنى.
وأوضح الخبير، في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، أن أول خطوة يجب القيام بها بعد انحسار المياه ليست الترميم، بل إجراء تقييم شامل للأضرار عبر فحص بصري دقيق للتشققات وقياس عرضها، مشيرا إلى أن التشققات التي يتجاوز عرضها 3 سنتيمترات تستوجب تدخلا عاجلا.
كما شدد على ضرورة التأكد من عدم وجود هبوط تفاضلي في الأساسات، وفحص التربة المحيطة لرصد أي انجراف محتمل، لأن الكثير من الأضرار لا تظهر مباشرة بل تتطور تدريجياً بعد جفاف التربة.
وحذر الدكتور الخويط من أن أبرز المخاطر التي قد تظهر لاحقا تتمثل في هبوط الأساسات بسبب فقدان التربة المشبعة لقدرتها على التحمل، وانجراف التربة تحت القواعد الخرسانية مما يؤدي إلى فراغات خطيرة، إضافة إلى تآكل حديد التسليح نتيجة تسرب المياه، وتشققات قطرية قد تشير إلى اختلالات إنشائية غير متوازنة.
وأوضح أن معالجة المباني الخرسانية تختلف حسب درجة الضرر، وتشمل إزالة المواد المشبعة وتجفيف المبنى تدريجياً باستعمال أجهزة إزالة الرطوبة، ومعالجة مناطق الصدأ وإعادة حماية حديد التسليح، وفي حال وجود هبوط يتم حقن التربة بالإسمنت أو إعادة دمكها، مع تحسين تصريف المياه حول الأساسات، مؤكداً أن التدخل في الأساسات قد يكون أكثر أهمية من إصلاح الجدران.
أما بخصوص المنازل الطينية أو التقليدية، فأكد الخبير أنها الأكثر هشاشة، إذ يفقد الطين مقاومته فور تشبعه بالماء، وقد يتفتت بعد الجفاف، مما يجعل خطر الانهيار الجزئي قائماً. وأضاف أن الحل غالباً يكون عبر تدعيم مؤقت بدعامات خشبية أو معدنية وإزالة الأجزاء المتآكلة، مع إنشاء قاعدة خرسانية عازلة للرطوبة، وفي بعض الحالات يكون الهدم الجزئي وإعادة البناء أكثر أماناً من الترميم.
كما أشار إلى أن المباني المتضررة قد تصبح أكثر هشاشة أمام الهزات الأرضية الخفيفة، لأن ضعف التربة والتآكل الداخلي والتشققات غير المعالجة قد يجعل أي هزة بسيطة سبباً في توسع الشقوق أو انهيارات مفاجئة.
ودعا الدكتور الخويط إلى اعتماد مقاربة استباقية لتفادي تكرار الخسائر، من خلال منع البناء داخل مجاري الأودية، ورفع منسوب الأرضيات فوق مستوى الفيضان التصميمي، وتحسين شبكات الصرف الحضري، وتعزيز الحواجز الترابية والقنوات التحويلية، إضافة إلى اعتماد خرائط المخاطر الفيضانية في التخطيط العمراني.
وختم الخبير بالتأكيد على ضرورة التأكد من سلامة خطوط الكهرباء والأسقف والأساسات قبل العودة للسكن، محذراً من أن الترميم السريع دون تقييم هندسي قد يخفي خطراً أكبر، لأن معالجة آثار الفيضانات ليست مجرد تجفيف للمنازل، بل عملية هندسية متكاملة تبدأ من التربة وتنتهي بالتخطيط العمراني الوقائي.