ورزازات .. صحافي يحذر من مأساة غياب الإسعاف قبل أن يعيشها شخصيا في بيته

الصحراء المغربية
الجمعة 05 يونيو 2026 - 11:43

الصحافي موسى حمنكاري كان يعرف جيدا مشكل غياب سيارات الإسعاف في جماعة إزناكن بإقليم ورزازات.. لم يكن الأمر سرا بالنسبة إليه، فقد كتب عنه مرات عديدة، ونقل شكاوى الساكنة، واستمع إلى حكايات المرضى والجرحى الذين كانوا ينتظرون النجدة وسط الجبال والمسالك الوعرة.

كان يكتب مثل أي صحافي يؤدي واجبه المهني. ينشر الخبر وينتقل إلى خبر آخر. لكن ما لم يكن يعرفه هو أن أحد تلك الأخبار كان ينتظره شخصيا في منعطف قاس من الحياة.
في تلك ليلة السبت الماضي، لم يعد موسى صحافيا يحمل قلما أو هاتفا لتوثيق الوقائع. صار أخا لضحية جديدة في عمق المغرب.
أخا يقف أمام شقيقه الصغير وهو ينزف. أخا يرى أمه تحتضن رأس ابنها وتحاول بيديها أن توقف الدم. أخا يراقب الوقت وهو يتحول من دقائق إلى سكاكين.

في عالم الإسعاف، ليست ساعتان مجرد رقم. إنه أحيانا الفرق بين الحياة والموت.
المفارقة التي تدعو إلى الحزن أكثر من الغضب، أن الرجل الذي ظل يكتب عن المشكلة وجد نفسه ضحية لها. كأن المقالات التي نشرها طوال السنوات الماضية كانت رسائل وضعت في زجاجات وألقيت في بحر الصمت. لم تصل إلى أحد، أو ربما وصلت ولم تجد من يلتقطها.
فكم صحافيا كتب عن حفرة في طريق قبل أن يسقط فيها أحد أقاربه؟
وكم مواطنا اشتكى من غياب طبيب قبل أن يجد نفسه يوما ينتظر ذلك الطبيب لإنقاذ شخص يحبه؟
المؤلم في قصة موسى ليس فقط وفاة شقيقه. فالموت قدر لا يملك أحد رده. المؤلم أن الإحساس بالعجز ظل يرافق الأسرة منذ لحظة الحادث إلى لحظة الوصول إلى المستشفى. انتظار سيارة إسعاف لا تأتي. طريق طويلة ووعرة. ثم انتظار طبيب إنعاش غير موجود. وكأن الزمن كله كان يتحرك ضد فرصة النجاة.

لكن وسط هذا الحزن الكبير، اختار موسى أن يفعل ما يفعله الصحافيون الحقيقيون. لم يحول مأساته إلى صرخة شخصية فقط. بل أعاد توجيهها نحو القضية الأصلية: كيف يمكن منع تكرار المأساة؟
لم يطلب المستحيل. لم يطالب بمعجزة. طالب بسيارة إسعاف تصل في الوقت المناسب. بطبيب إنعاش حين تكون الأرواح معلقة بين الحياة والموت. وبطرق تمكن المصابين من الوصول إلى المستشفى قبل أن يتحول الأمل إلى خبر وفاة.
لهذا لا ينبغي أن ينتهي النقاش عند قصة شاب رحل في حادثة سير مؤلمة. فالمشكلة أكبر من اسم الضحية وأكبر من أسرة واحدة. هناك مناطق واسعة في الجنوب الشرقي وفي مناطق قروية أخرى ما زالت تعيش القلق نفسه كلما مرض شخص أو وقع حادث.

السؤال الحقيقي ليس كيف توفي هذا الشاب.

السؤال هو: كم شخصا آخر يجب أن نفقد حتى نقتنع أن الإسعاف ليس خدمة ثانوية، بل خط الدفاع الأول عن الحق في الحياة؟
ربما كانت أقسى مفارقة في هذه القصة أن الصحافي الذي ظل يحذر من الخطر لم ينجح في إنقاذ أخيه منه.
لكن ربما يكون عزاؤه الوحيد أن يتحول رحيل شقيقه إلى جرس إنذار أخير، يدفع الجميع إلى التحرك حتى لا يجد أخ آخر نفسه، في ليلة ما، يراقب أضواء الطريق البعيدة منتظرا سيارة إسعاف لا تصل.




تابعونا على فيسبوك