تساقطات استثنائية بالمغرب.. وخبير يتساءل كيف يُسمح بالبناء في مناطق الفيضانات؟

الصحراء المغربية
الإثنين 02 فبراير 2026 - 14:14

شهد المغرب خلال الموسم المطري الحالي، تساقطات مطرية قوية ومركزة زمنيا، أنهت جزئيا مرحلة جفاف طويلة، وأسهمت في إنعاش السدود والأودية والأنهار. غير أن هذه الأمطار، ورغم أهميتها الإستراتيجية في دعم الأمن المائي، تسببت في فيضانات محلية مفاجئة خلفت أضرارا كبيرة بالبنيات التحتية وغمرت أحياء سكنية بعدد من المدن، من بينها مدينة القصر الكبير كنموذج دال.

هذا الوضع أعاد إلى الواجهة نقاشا علميا ومؤسساتيا حول جاهزية البنيات المائية، وفعالية التخطيط الحضري، وحدود السياسات العمومية في تدبير مخاطر الفيضانات، في ظل التحولات المناخية المتسارعة. وفي هذا السياق، يقدم الخبير الدولي في البيئة والهندسة المدنية بكندا، الدكتور عبد الرحيم الخويط، قراءة تحليلية لكيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد، بما يسمح بالاستغلال الأمثل لمياه الأمطار وتفادي الحوادث والكوارث الطبيعية.
 

سياق مناخي وهيدرولوجي متحوّل
 

يوضح الدكتور الخويط أن المغرب ينتمي إلى مجال مناخي متقلب، يتميز بتفاوت كبير في كميات التساقطات من سنة إلى أخرى. ومع تفاقم آثار التغير المناخي، أصبح نمط الأمطار يتجه نحو الشدة والتركيز الزمني، ما يؤدي إلى ارتفاع الجريان السطحي السريع، وضعف تغذية الفرشات المائية، وزيادة احتمالات الفيضانات المفاجئة، خاصة داخل الأحواض القصيرة والمنحدرة.
 

السدود بين منطق التخزين وحدود الاستيعاب
 

يشير الخبير إلى أن السدود المغربية صُممت وفق مقاربة هندسية مزدوجة، تهدف إلى تخزين المياه لمواجهة فترات الجفاف وضمان التزويد بالماء الشروب والري، إلى جانب المساهمة في الحد من مخاطر الفيضانات عبر تنظيم الجريان.

غير أن هذه المنشآت، يضيف الخويط، اعتمدت في تصميمها على معطيات هيدرولوجية تاريخية تعود إلى فترات مناخية أقل تطرفا من الواقع الحالي، ما يجعل قدرتها على استيعاب الفيضانات الاستثنائية محدودة، خاصة عند امتلاء حقينتها.

ويبرز الخويط أن معظم السدود تعاني من ظاهرة التوحل الناتج عن انجراف التربة في الأحواض العليا، وهو ما يؤدي إلى تقليص الحجم التخزيني الفعلي، وتقليص هامش الأمان المخصص للفيضانات، وتسريع بلوغ مستويات حرجة خلال التساقطات القوية. ورغم اللجوء إلى عمليات تفريغ أو غسل الأوحال، فإنها تبقى مكلفة وجزئية، ولا تعوض غياب إستراتيجية وطنية شاملة تعالج الأسباب الجذرية، مثل تثبيت التربة وإعادة التشجير.
 

المفيضات والفيضانات المفاجئة
 

ويضيف الخويط أنه بعد فترات الجفاف الطويلة، يصبح الحفاظ على منسوب مرتفع داخل السدود ضرورة مائية. غير أن تزامن هذا الوضع مع تساقطات فجائية قوية يفرض على الجهات المسيرة فتح المفيضات حفاظاً على سلامة المنشآت. ورغم أن هذا الإجراء ضروري من الناحية الهندسية، فإنه يرفع بشكل مفاجئ من منسوب الأودية أسفل السدود، ما يشكل تهديداً مباشراً للمدن والمناطق المنخفضة غير المحمية.
 

التخطيط الحضري والهشاشة المجالية
 

وتكشف الفيضانات الحضرية، بحسب الخبير، عن اختلالات بنيوية في التخطيط الترابي، من أبرزها السماح بالبناء داخل مجالات فيضانية معروفة تاريخيا، وضعف أو غياب خرائط مخاطر الفيضانات ضمن وثائق التعمير، إضافة إلى قصور شبكات تصريف مياه الأمطار وعدم صيانتها الدورية.

ويشير الخويط إلى أن عدداً من المدن تعاني من انسداد مجاري الأودية والقنوات بفعل الإهمال أو النفايات، فضلا عن اعتماد تهيئة حضرية تقوم على مواد غير نفاذة للماء، مثل الأسفلت والخرسانة، في مقابل غياب حلول بديلة كالأرصفة النفاذة، والأحواض المؤقتة، والمناطق الخضراء القابلة للغمر، ما يفاقم حجم الجريان السطحي ويُسرّع تجمع المياه داخل الأحياء المنخفضة.
 

حكامة متعددة المتدخلين وغياب الرؤية الوقائية
 

وعلى مستوى الحكامة، تتوزع مسؤولية تدبير مخاطر الفيضانات بين عدة أطراف، من بينها مصالح السدود، والجماعات الترابية، والوكالات الحضرية، وقطاعات الماء والتجهيز. غير أن ضعف التنسيق، وغياب رؤية وقائية موحدة، والتركيز على التدخل بعد وقوع الكارثة بدل الاستباق، يحد من نجاعة السياسات العمومية في هذا المجال.
 

من التهديد إلى الفرصة
 

ويخلص الدكتور عبد الرحيم الخويط إلى أن الفيضانات بالمغرب ليست نتيجة خلل واحد، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين مناخ متغير، وسدود صُممت وفق معطيات الماضي، وتخطيط حضري غير متكامل، وتدبير مؤسساتي يحتاج إلى مزيد من التنسيق والصرامة.

ويؤكد أن تحويل التساقطات الغزيرة من تهديد إلى فرصة يمر عبر تحديث معايير تصميم وإدارة السدود وفق سيناريوهات مناخية جديدة، وتعميم خرائط مخاطر الفيضانات ومنع البناء في المناطق المهددة، واعتماد بنية تحتية حضرية مرنة قائمة على حلول هندسية وطبيعية، إلى جانب ترسيخ ثقافة الوقاية بدل منطق التدخل بعد الكارثة.

وبهذه المقاربة الشمولية، يخلص الخويط، يمكن للمغرب تحقيق توازن حقيقي بين تعزيز الأمن المائي وضمان السلامة المجالية في مواجهة التحولات المناخية المتسارعة.

حسن نطير




تابعونا على فيسبوك