عاشت مدينة مراكش خلال سنة 2024، على إيقاع مجموعة من الأحداث العالمية البارزة تحولت معها المدينة الحمراء بفضل مؤهلاتها السياحية، إلى قبلة شدت إليها الرحال شخصيات عالمية مرموقة من أجل الالتقاء ومناقشة مواضيع ذات راهنية كبرى، ومبادرات تهم قضايا تستأثر باهتمام كبير من قبل المنتظم الدولي.
وكرست المدينة الحمراء، خلال السنة التي نودعها، نفسها عن جدارة واستحقاق كأرض للمواعيد الكبرى، وأثبتت ريادتها القارية والعالمية من خلال استضافة تظاهرات وفعاليات كبرى سياسية وفنية واقتصادية ورياضية، شدت إليها أنظار العالم وجعلتها قبلة للساسة وصناع القرار العالميين، ووجهة لعدد من مشاهير العالم في السياسة والاقتصاد والفن والرياضة.
وبمجرد إسدال الستار عن فعاليات الدورة 21 للمهرجان الدولي للفيلم، التظاهرة السينمائية العالمية التي أضحت تستقطب مع مرور الدورات رواد ومشاهير الفن السابع في العالم، اتجهت أنظار عشاق كرة القدم الإفريقية، يوم 16 دجنبر الى قصر المؤتمرات بالمدينة الحمراء، الذي احتضن الحفل السنوي لتوزيع جوائز الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (كاف) برسم الموسم 2024، وجعل المدينة الحمراء قبلة لنجوم كرة القدم الإفريقية بامتياز، وهو الأمر الذي اعتبره فاعلون سياحيون، رهانا متواصلا على سياحة الحوافز والمؤتمرات والملتقيات.
ومن بين هذه الأحداث البارزة التي حققت نجاحا ملفتا، خلال السنة التي نودعها معرض"جيتكس إفريقيا المغرب" الذي أقيم نهاية شهر ماي المنصرم، للمرة الثانية على التوالي بالمدينة الحمراء بعد النجاح الكبير الذي حققته نسخة 2023، وهو أكبر معرض للتكنولوجيا والشركات الناشئة في افريقيا، يعكس الإرادة الراسخة للمملكة في دعم أنظمة الابتكار التكنولوجي سريعة التطور، وتميز بمشاركة أزيد من 1500 عارض يمثلون أكثر من 130 دولة، بالاضافة الى وفود مهمة ممثلة للحكومات والشركات التكنولوجية والشركات الناشئة والمستثمرين والشباب المهتم لتسريع وتحفيز طموح القارة في رحلتها نحو التحول الرقمي.
ولم يكن معرض "جيتكس إفريقيا المغرب" الحدث البارز الوحيد الذي استضافته مدينة مراكش، بل هناك، أيضا، النسخة الرابعة من القمة العالمية للهيدروجين الأخضر وتطبيقاته، التي نظمت خلال شهر أكتوبر المنصرم، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتميزت بحضور أكثر من 170 متحدثا من أبرز الخبراء والباحثين الدوليين، لمشاركة خبراتهم وتجاربهم في مجال تكنولوجيا Power-to-X والهيدروجين الأخضر، واكتشاف المبادرات الرئيسية والاستراتيجيات الرائدة في مجال الهيدروجين الأخضر والتقنيات المرتبطة به، بالإضافة إلى الدورة الرابعة من منتدى المقاولين الفرانكفونيين، الذي تميز بمشاركة حوالي 1500 من رؤساء المقاولات ورواد الأعمال يمثلون 35 دولة من البلدان الفرانكفونية، وشكل مناسبة لممثلي القطاع الخاص لتبادل الممارسات الفضلى وتنسيق عملهم وطرح مقترحات العمل بصوت واحد، والتأكيد على أهمية النهوض بعلاقات الأعمال بين البلدان الفرنكوفونية، من خلال تدابير ملموسة واجتماعات بين قادة الأعمال، عبر تعزيز استخدام اللغة الفرنسية وتوسيع الروابط التجارية.
وكانت المدينة الحمراء على موعد مع فعاليات الدورة السابعة للمعرض الدولي لصناعات الطيران والفضاء "مراكش إيرشو"، والتي عرف مشاركة أزيد من 150 عارض يمثلون شركات عالمية تعمل في قطاع صناعات الطيران والفضاء، إلى جانب مهنيين ومقدمي خدمات الطيران في عدد من الدول، وشكل فضاءا للقاء والتبادل بين صناع ومنعشي قطاع صناعة الطيران من مختلف بقاع العالم والمسؤولين الأفارقة، وفرصة لإبراز صناعة الطيران المدني والعسكري بالمملكة.
وأكدت المدينة الحمراء، ريادتها على المستوى الوطني والقاري في مجال سياحة المؤتمرات والأحداث العالمية، التي تعود إلى خبرتها المتميزة في هذا المجال، حيث توجت سنة 2014 كوجهة معروفة في عالم المؤتمرات واللقاءات باحتضانها عدد كبير من التظاهرات العالمية ذات الطابع الثقافي والرياضي والفني، من قيبل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش والجائزة الكبرى لسباق السيارات.
ويرى عدد من المهنيين والمهتمين بالمجال السياحي، أن سياحة المؤتمرات تكون قيمتها المضافة كبيرة وتأثيرها واضحا، وأن الشخصيات التي تأتي تكون في العادة ذات وضع اعتباري أو اقتصادي متميز، حتى لو كانت الملتقيات متوسطة، مبرزين أن الذين يأتون إلى مراكش لهذا الغرض يستعملون المرافق الموجودة، ويستعملون وسائل النقل والخدمات السياحية المحلية.
وفي هذا الإطار، أوضح الزوبير بوحوت الخبير في المجال السياحي، في تصريح ل"الصحراء المغربية"، أن مراكش من أكثر المدن زيارة في القارة الإفريقية، وتكتسي طابع الريادة في سياحة المؤتمرات، التي تتطلب بنيات استقبالية قوية ومهمة من ناحية الفنادق المصنفة ذات الطاقات الاستيعابية الواسعة، وأيضا التوفر على مطار دولي يضم مختلف الرحلات العالمية.
وأكد بوحوت على أهمية مشروع قصر المؤتمرات ومركز معارض يتسع ل 20 ألف مقعد، الذي سيعزز البنية التحتية بمراكش، لتعزيز قدرة المدينة على استضافة الأحداث الدولية الكبرى، باعتباره قيمة مضافة نوعية واستثمار كبير للمدينة والدولة معا، سيؤهل المغرب ضمن مصاف الدول السياحية العالمية، مشيرا الى أن سياحة المؤتمرات مكون أساسي للمنتوج السياحي الذي تنافس عليه مجموعة من الدول.
وأضاف الخبير السياحي، أن المهنيين في المدينة الحمراء يدركون أهمية هذا النوع من السياحة، لأن حجوزاتها تكون في الغالب في فنادق فخمة ومصنفة، ودرجات إنفاق هؤلاء السياح تكون في العادة مرتفعة، خصوصا وأنهم يأتون في مجموعات كبيرة وبأعداد غفيرة، وهو ما يخلق تنوعا في العرض السياحي المغربي الذي يشجع على استقطاب استثمارات أجنبية.
وأشار إلى أن المغرب يراهن على سياحة المؤتمرات، في ظل منافسة دولية شرسة على هذا النوع من السياحة، مؤكدا أن الدار البيضاء والرباط وطنجة مدن لها إمكانيات مهمة لاستقبال هذا النمط من السياحة، لكن الإقبال على مراكش مرتفع لكون سمعتها معروفة أكثر على المستوى الدولي، كما أن المجالس الجهوية في هذه المدن يجب أن تبذل جهدا أكبر لكي تستقطب فعاليات دولية مثل ما تقوم به مراكش.