"تيك توك".. من منصة لنشر الفيديوهات الترفيهية والتحديات إلى ساحة لـ "انحلال أخلاقي دون رقابة"

الصحراء المغربية
الجمعة 19 غشت 2022 - 10:57

تقدم منصات التواصل الاجتماعي على أنها مساحات للتبادل والمشاركة، لكنها تميل إلى أن تصبح من بين الوسائل الأكثر تهديدا للصحة النفسية، خاصة في صفوف الشباب والأطفال، حيث أضحى مستخدموها يخالفون جميع القواعد، سواء الدينية أو الاجتماعية أو القانونية، وذلك بغرض كسب الإعجابات والتعليقات والمشاركات وعددا أكبر من المتابعين.

"تحديات خطيرة، مقاطع فيديو للرقص، كلام نابي وصور مخلة بالحياء..." هذا هو المحتوى الذي بات يستحوذ على شبكات التواصل الاجتماعية، وخاصة تطبيق "تيك توك"، والذي يعطي الانطباع بأنه لم يعد هناك أي حدود أو حواجز أخلاقية، بل أضحى ساحة للانزلاق مع ما يمكن وصفه بـ "الفاحشة الدعارة الرقمية".

ألم يحن الوقت لتكييف القوانين مع التطورات الجديدة التي تفرضها التكنولوجيا لمحاربة هذه الظواهر؟ للحفاظ على قيم المجتمع المغربي عامة، ولكن لحماية الأطفال والشباب، خاصة، من المخاطر النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تترتب عن هذه الظواهر التي أصبحت تدعو للعنف بكافة أشكاله عبر نشر فيديوهات في مساحة رقمية لا يمكن التحكم فيها، فأي مخاطر اجتماعية ونفسية تحملها هذه الظواهر في طياتها؟ هل أصبح الشباب مدمنين على فيديوهات "تيك توك"، وأي أعراض لهذا النوع من الإدمان؟

وللرد على تساؤلاتنا اتصلت "الصحراء المغربية" بمحسن بنزاكور، اختصاصي في علم النفس والاجتماع، الذي قال إن "تيك توك" كتطبيق صيني يستهدف الإشهار أكثر مما يستهدف شيئا آخر، فمن عواقبه أنه مفتوح على جميع الاحتمالات، وبالتالي تؤثر مضامينه ومحتوياته على قيم المجتمع خصوصا بالنسبة للشباب، مضيفا أن الشباب وجدوا أنفسهم بين جدران العالم الأزرق، لم يكتسبوا المناعة الكافية للتمييز بين القيم التي يستطيع من خلالها الحكم على السلوكات التي تحملها هذه التطبيقات.

وأوضح بنزاكور أن "قيم المجتمع دينامية وتتحرك معه، ويساعد المجتمع بدوره على إدراكها إلى أن تتحول إلى سلوكات، غير أن الجيل الجديد الذي فتح عينيه على هذا التطبيق وغيره، لم يستأنس بهذه القيم كممارسات داخل المجتمع، لدرجة أننا أصبحنا نشهد انقطاع التواصل داخل الأسر، لأن هذا الجيل منفتح منذ نعومة أظافره على ثقافات أخرى أو بالأحرى سلوكات، التي تتجسد معظمها في الرقص، الإباحية، والإيحاءات الجنسية، وهو ما يجعل تفكير الشباب متمحور على الجسد والجنس، مما يولد لديهم تمثلات خاصة".

وأضاف الأخصائي الاجتماعي أن "التأثير السلبي نلاحظه في شبابنا سواء داخل الأسرة أو من خلال الشغب في الملاعب أو المدارس، أو العنف ضد الأساتذة وبين الأطفال، ما يفسر أن هناك سلوك يتجه نحو الأنانية وأن العالم كله يدور حول "الذات"، وبالتالي التنازل عن هذه الأخيرة والإيمان بالقيم لم ولن يتحقق داخل دوامة هذا التطبيق".

وتابع المتحدث ذاته أنه "لا يمكن أن نخفف من وطئة هذا التأثير إلا إذا وعت السلطات المسؤولة بأنه من واجبها مراعاة النمو السليم للأجيال الجديدة، لأنه في ظل غياب الضوابط والقيم التي يتلقاها الإنسان داخل شبكة الأنترنيت، سيقوم هذا الشاب بمقارنة بسيطة جدا بين ما يتلقاه في المدرسة وما يشاهده في الفيديوهات التي يراها في "تيك توك"، والتي تضم كل ما يلبي رغباته ونزواته".

وأردف بالقول "لا يمكن الجزم أن كل الشباب المغربي سقط في مخالب هذه الظاهرة، ولكن النسبة ترتفع يوما بعد يوم، كل جمود وغياب السلوك المصاحب لهؤلاء الشباب سنؤدي ثمنه غاليا".

وبين بنزاكور أن "المسؤولية في استفحال هذه الظاهرة وسط المجتمع لا يمكن أن ننسبها إلى الشباب، لكن يجب أن تكون هناك صحوة اجتماعية لمتابعة التغييرات الاجتماعية، وبات العالم الأزرق بما فيه "تيك توك" ليس افتراضيا بل حقيقة اجتماعية يعيشها البعض ويمارسها ويعتقد فيها ويتكون وينمو من خلالها".

وشدد بنزاكور على أنه "آن الأوان أن تتحمل وزارة التربية الوطنية والجامعات المغربية مسؤوليتها في إنزال مقرر يتعلق بتعامل أطفالنا منذ السادس ابتدائي مع وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يكون هناك أوراش في المدارس ومتخصصون في المجال وضحايا ليحكوا عن تجاربهم، وبذلك يمكن أن نصاحب أطفالنا، فالمجال الآن للسلوك المعقلن".

وأوضح بنزاكور أن أعراض الإدمان على هذا التطبيق تتجلى في المصاحبة الدائمة للهاتف النقال، المراقبة المستمرة لعدد من المتابعين والتعليقات، التخلي عن العائلة والأكل والشرب من أجل قضاء أطول مدة ممكنة في هذا التطبيق، وأحيانا يصبح الشخص عنيفا تجاه الآخر في حاول مناقشة هذا الأمر معه أو تقديم نصائح له.

وركز بنزاكور على أن الأرباح التي يتقاضاها أصحاب التيك توك تدفعهم إلى الاستمرارية والإدمان على نشر تلك الفيديوهات الفاضحة، موضحا أن الشهرة والربح السريع للمال أمر آني، لأنه يدفع الشخص إلى الإحساس باللذة والسعادة اللحظية، والإشكال أن هذه السعادة تنطفئ بمجرد انشغالك بأشياء أخرى، مما يولد الإحساس بالنقص وبهذا يعاود الشخص البحث عنها من جديد، ولذلك نجد الأشخاص المهووسين بهذه التطبيقات في بحث مستمر على طرق لزيادة عدد المتابعين ومراقبة عدد المشاهدات والتعليقات.
تعد تحديات "تيك توك" الأكثر ضررا على الجانب النفسي للشباب والأطفال، والتي قد تودي بحياة المشاركين فيها، كما هو الحال بالنسبة لـ "تحدي Blackout" الذي يشجع مستخدميه على حبس أنفاسهم لأطول فترة ممكنة، والذي أودى بالفعل بالعديد من الضحايا خاصة الأطفال بين سنتي 2021 و 2022.
وبدأ الحديث، أخيرا عن تحد أكثر خطورة، وهو "ghostprank" أو "مقلب الشبح" من خلاله يحبس الآباء أطفالهم بمفردهم في الغرفة، ويحتاجون إلى إعداد هاتف محمول حتى يتمكنوا من رؤية رد فعل طفلهم بمجرد ظهور شبح أزرق متحرك بعيون حمراء على الشاشة، بدافع الخوف والبراءة، يركض الأطفال وهم يصرخون نحو الباب، هل من الممتع اللعب بمشاعر الطفل وجعله يعيش تجربة مروعة؟
أثار هذا التحدي موجة استنكار عبر عنها رواد الشبكات الاجتماعية، ممتعضين من تصرفات هؤلاء الآباء المفترض بهم حماية أطفالهم، لكنهم في المقابل يجعلونهم يعيشون تجارب مروعة، قد تنجم عنها مشاكل تدمر الصحة النفسية للأطفال.
وشاطر بنزاكور المعارضين لهذه التحديات نفس الوقف، معبرا عن أسفه بالقول "يكفي أن نقول إن السعي وراء الضجيج يجعلنا نفقد كل قيمنا، بما في ذلك القيم التي تسمى الوالدين، مع هذه الأنواع من التحديات، يتعرض الأطفال الصغار للمضايقة في الأماكن العامة، مما قد يكون له تأثير سلبي للغاية على صحتهم العقلية". 
وانتقالا إلى الجانب القانوني، وجهنا السؤال حول القوانين التي من شأنها تأطير محتوى الشبكات الاجتماعية، إلى الأستاذ مراد فوزي، المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، الذي يعتقد "أن بعض المحتوى المنشور على الشبكات الاجتماعية يمكن اعتباره أفعال ازدراء للآداب العامة تحكمها المادة 483 من قانون العقوبات، وينطوي هذا الأخير على أن "كل من ارتكب مخالفة للآداب العامة، بسبب العري الطوعي أو بذاءة إيماءاته أو أفعاله، يعاقب بالحبس من شهر إلى عامين وبغرامة تتراوح من 120 إلى 500 درهم".
كما أشار المحامي إلى أن "المشرع نص على قوانين تجرم أي فعل من أفعال الاستغلال أو تعريض الأطفال للخطر، وأنه تم تشكيل فرق متخصصة سواء على مستوى المديرية العامة للأمن الوطني أو النيابة العامة بالمملكة"، مضيفا أنه يمكن بقليل من الاجتهاد محاصرة الأفعال المذكورة و معاقبة مرتكبيها لكن التطور التكنولوجي يحول غالبا دون ضبط المسؤولين عنها بسبب إمكانية التخفي معلوماتيا عن الأنظار رغم احداث فرق متخصصة على صعيد الإدارة العامة للأمن الوطني و جهاز الدرك الملكي". 
وفي هذا الصدد، ولا يتردد الخبير، في التأكيد على ضرورة أن يكون لدى المغرب أحكام قانونية حديثة ومبتكرة تجعل من الممكن معاقبة هذا النوع من الأفعال وتمنع مرتكبيها من الهروب من قبضة العدالة، مبرزا أن الأحكام الجديدة ستسهل مهام الفرق المعنية من أجل ضمان متابعة واعتقال ومعاقبة مؤلفي هذا النوع من المحتوى في أسرع وقت ممكن، كما تبقى إشاعة حسن الخلق والتربية الحسنة ضرورة ملحة".
توحدت آراء المتحدثين فيما يتعلق بضرورة الوعي المجتمعي بالأضرار الاجتماعية والنفسية التي يواجهها هؤلاء الشباب والأطفال دون إدراك منهم،  وبأهمية التشبث بالقيم الاجتماعية التي تؤطر المجتمع، والتي يودي اندثارها إلى الانحلال الأخلاقي الذي يسهل وصفه ويصعب حصره.
 
 

 




تابعونا على فيسبوك