حاول النص تطبيق المقياس على الروح كما قال جون جاك روسو

"أفكار شاردة" يعزز مشروع لبابة لعلج الأدبي والفني

الصحراء المغربية
الثلاثاء 11 غشت 2020 - 18:36

تحت عنوان "أفكار شاردة"، أصدرت الفنانة التشكيلية والأديبة لبابة لعلج ديوانها الشعري الثاني باللغة الفرنسية، الذي قدمه كل من الباحث الأكاديمي الدكتور حسن لغدش والناقد الفني حسن نرايس، وترجمه إلى العربية الناقد الجمالي عبد الله الشيخ. حول الأبعاد الدلالية لهذا المنجز آلنصي الحديث الذي تخللته عدة لوحات تعبيرية موحية، تقول لبابة لعلج : "متأملة شساعة الكون، تراودني فكرة الشرود من فكر إلى آخر دون شراك أو عقال. بلا خيط أحمر! مع "أفكار شاردة" يتواصل السفر بوتيرة الترحال".

في معرض تقديمه لهذا الكتاب الأدبي والجمالي في آن الموسوم بـ "أفكار لبابة لعلج الشاردة، منجز البحث عن الأبجدية الأصلية"، كتب حسن لغدش :

" التجربة الحقيقية التي تتيح لنا الكتابة هي القراءة. في عمل الفنانة الشاعرة لبابة لعلج الموسوم بـ "أفكار شاردة"، يستوجب تحديد الخطوط العامة لفكر جوال ومثير للشجون إمكانية كل قبض حسب تغيير شخصي. بتلوينه العام، يتعارض هذا المنجز مع هم العرض التمثيلي، ومع منطق المشابهة، فهو يستبدل منطق الحلم بالتسلسل المحدث للوقائع، ويفضل المصادفة. فرغم كون النص ينحو أحيانا نحو الأمثولة(Allégorie )، فهو يمشهد شكلا وسيطيا بين الواقع والأسطورة، بمعنى إعادة تأليف تاريخي تخييلي. يتعلق الأمر، في الواقع، بالتفريج عن خيبات الحياة. لكن الأمر ليس انطواء على الذات، بالعكس، لخلق الطاقة وانبساط الأنا اللذين لا غنى عنهما. لكن لا يمكن تقدير النص فنيا إلا بشرط عدم إخفاء صعوبة قول الواقع، خاصة عندما يكون منفلتا، محيرا، ومربكا. لهذا، أليس حلم اليقظة هو الكارثة الافتراضية التي تمرست عليها المعرفة؟ إذا تطور حلم يقظة الشاعرة على منحدر الرغبة، منحدر الأفكار الرؤيوية، سيقود إلى رفض الجمود، والتنديد بتحجر اليومي".

 وتابع لغدش قوله إذا كان الشعري هو الحميمية والهروبية، سيصبح حلم اليقظة هذه الحالة غير الجلية المتقاسمة بين المقروء، الصوتي، والمرئي. كل ما هو حركة ومتعدد الأشكال ينتميان إلى هذا السجل. في هذا الصدد، الكلمات لدى لبابة لعلج تبدو مجسدة للغبطة والمعاناة. لهذا السبب يقام أحيانا الصمت متقدما غالبا على الكلام. يبدو أن هذا الكلام يبين أعماق الوعي.

هكذا، تراوح الفنانة الكاتبة بين الداخل والخارج، الهنا والهناك، تراوح ملازم للروح المغامرة. يتعلق الأمر قبل كل شيء بتبني حركة الحياة، بالتقدم إلى حدود وجودها أيضا، لأن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة التي تتيح للفكر الإقامة حتى في حميمية الكائن. لا يتعلق الأمر لدى لبابة لعلج بنهل ذخيرة من الأمثلة والصور الرمزية من خزان الأعمال الإنسانية الكبيرة. يجب مرة أخرى معرفة الحديث عن هذه الأعمال لكي يصبح أخيرا المنجز التعبير المنبسط عن أسلوب حياة...

عموما، حاول نص لبابة لعلج تطبيق المقياس (بارومتر) على الروح كما قال جون جاك روسو، مسجلا تغييرات الحالة الداخلية التي تنكسر فيها كل التغييرات الخارجية. في ارتباط وثيق، الحياة والفكر والكتابة أدوات تجربة حيث دراسة الأنا والآخرين في فرادتهم وغرابتهم هي الوسيلة الوحيدة لبلوغ معرفة الإنسان الحقيقية، وارتياد مغامرة داخلية تساوي كل الرحلات".

بدوره، أكد الناقد الفني حسن نرايس أن أفكار لبابة لعلج ليست كالأفكار الأخرى متأملا عوالمها الفنية والمعرفية في مقاله الافتتاحي، الذي نقتطف من فضائه مايلي: "تملك الفنانة ألوان الكون، يمكنها أن تستهيم على مهل... وتعيد تدليك هذا العالم المثنى، وأحيانا القاسي جدا بإعادة رسم فروقاته".

كل شيء ينطلق بسؤال مطروح في عمق أعماق كياني". الحياة سؤال، الشعر سؤال، الرسم سؤال، الهروب سؤال، الأفكار سؤال، الأمل سؤال، اليأس سؤال، الإنسان سؤال، بل الوجود هو نفسه سؤال... هذا الوجود المهدد بالتلاشي في القصائد، والفن وحده قادر على إعادته إلى زمكانه الأصلي، وبالقوة اللامحدودة...

النصوص الضاجة بالدلالات هي التي تجعل من الكلمة أو العبارة مبررا لهذا الوجود، وكل نص شعري هاهنا يتضمن مرجعياته الخاصة للحفاظ عليه بعيدا عن "الأوهام والحقائق الزائفة والمعتقدات المحدودة".

أليس من سخرية الزمان أن تنقلب المعايير والمقاييس عند الناس وتحور الحقيقة، وينتصر البهتان؟ "أريد أن أعيش من أول يوم إلى آخر يوم لكي لا أدع أي شيء"، "خصصت بحثي للجمال في حركته وأشكاله وأصواته".

تتكرر في الديوان كلمات تفيض دلالات نفسية تتراوح بين الشعور بالألم، والإحساس بالطمأنينة: "وعيي لا يبكي أي أسى، رغم أن جسدي متألم" فليكن !

في هذا الديوان، تسلط النصوص الأضواء الكاشفة على مجتمع طافح بالضعاف والمهزومين والمنهزمين والمنافقين والشياطين الذين يحلمون بالفردوس المفقود... نصوص تزعزع بعض التصورات السائدة، وتخلق الفوضى والبلبلة داخل الذات الشعرية من أجل تأسيس بنية لغوية بنظام وانتظام... ثم هناك الحوار الداخلي كقنطرة للوصول إلى الحوار مع الغير ومع الآخر.

أليست هذه النصوص رسائل من لبابة الفنانة التشكيلية المتمكنة من صياغة الألوان إلى لبابة الشاعرة المتمكنة من صياغة الأقوال؟

نصوص تترجم حضور الشاعرة في معترك الحياة من داخل لوحة مزينة بالألوان... فالقاسم المشترك بين النص الشعري واللوحة المرسومة هو أنهما أداتان تعبيريتان موزعتان بين مهمة الكتابة والرسم، وجوهر الإبداع...

هنا الشعر يتحدى الزمن، هنا الشعر يتمرد على الحدود التي تقام عادة بين الأحلام في المنام، وأحلام اليقظة... هناك تأمل نظري في المساواة بين الإنسان الذي توحده الإنسانية. لا فرق بين فرانسواز وفاطمة وثريا إلا بالطفولة التي فرضت عليهن... ولا فرق بين الشاعرة والفنانة، فالأولى تندمج في عالم الثانية، والثانية تنسجم داخل عالم الأولى.

"يبهرها المضمون أكثر من الشكل"، هي التي تتخطى وتتجاوز قوة التقليد، هي التي ترسم، وترسم بدون عناء الفرح قبل أن يذوب ويغيب...

وأخيرا، يسعفني ما كتبه الناقد المغربي المعروف محمد برادة : "أريد أن أكتب عن الهواجس والمعلومات والهذيان وأحلام اليقظة وسيناريو ليالي السهاد... من يستطيع أن يلتقط هذه الكتابة الشفوية البصرية اللاواعية المستمرة كوجع لا يهدأ...".

للتذكير فإن رواق المركز السوسيوثقافي التابع لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين بتطوان احتضن  أخيرا برسم هذا الموسم الثقافي الجاري معرضا  تشكيليا فرديا للفنانة و الأديبة لبابة لعلج قدمت فيه جديد إبداعاتها الفنية تحت شعار "المادة بأصوات متعددة".

بالموازاة مع هذا الحدث الفني نظم المركز المذكور بشراكة مع المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان لقاء مفتوحا مع هذه المبدعة حول إصدارها الفني الأول  "شذرات" في نسختيه الفرنسية والعربية من تقديم الباحث الجمالي بوجمعة أشفري والكاتب والأستاذ الباحث رشيد دواني، حيث سير هذا اللقاء أحمد فاسي ( كاتب وناقد فني) وساهم في إغناء حلقاته الفكرية كل من ادريس كثير ( كاتب وباحث جمالي) ونورالدين ضرار ( كاتب وشاعر) وشفيق الزكاري (فنان تشكيلي وناقد).

لبابة لعلج (مواليد فاس) استطاعت أن ترسخ حضورها النوعي داخل المشهد الإبداعي الوطني والدولي من خلال معارضها الجماعية ولقاءاتها الفكرية، طالقة العنان لزاد خيالها الجامح الذي أثرى أعمالها التشكيلية ذات المحاور الوجودية والجمالية المتعددة، حيث اشتغلت على الحروفية، والأبيض والأسود، والفن الخام، والبعد العجائبي، والمادة غير الصباغية، والتشكيل والملحون. صدرت حول تجربتها الإبداعية عدة منشورات من بينها: "بزوغ غرائبي"(دليل معرض فردي بالصويرة)، "عوالمــــــــــي"(مونوغرافيا)، "المادة بأصــوات متعددة"(مؤلف جمالي حول تجربتها)، "شذرات"(ديوان شعري) . من مؤلفاتها قيد الطبع:  ، "تشكيل وملحون" (كتابات ولوحات)، "سيدات العالم: بين الظل والنور" (مؤلف جمالي للباحث والكاتب ادريس كثير)  ، ”تصوف وتشكيل" (كتابات و لوحات)، " شعر و تشكيل " (كتابات و لوحات) ،"موسيقى وتشكيل" (كتابات و لوحات)، "أيقونآت التشكيل بصيغة المؤنث " (كتابات و لوحات)، "همس الصمت" (كتابات و لوحات)،"تجريد وإيحاء"(مؤلف جمالي حول تجربتها) .

 

محمد فنساوي 




تابعونا على فيسبوك