قال عمر جدلي، مخرج مسرحي، إن المسرح المغربي يعيش أزمة حقيقية، وضحية حسابات ضيقة، حول الدعم المالي في أجواء غير تنافسية، وأضاف جدلي في لقاء مع"المغربية"، أن الإخراج المسرحي رؤية وفلسفة وهوس ومغامرة متجددة لقراءة عوالم النص وترجمة مكنوناته بلغات متعددة.
أوضح جدلي أن إقصاء مسرحية "آش داني"، التي عمل على إخراجها وتتناول مفهوم السلطة في تجلياتها وأبعادها النفسية والاجتماعية، من الدعم المالي لوزارة الثقافة، ومن المسابقة الرسمية للدورة 15 من المهرجان الوطني للمسرح الاحترافي بمدينة مكناس، كان مقصودا.
كيف تنظر إلى واقع المسرح المغربي؟
المسرح المغربي يعيش أزمة حقيقية يستشعرها الممارسون والمهتمون والمتتبعون، فقبل سنتين خلت، وقف المسرحيون في وجه وزير الثقافة الأسبق في حملة احتجاج غير مسبوقة، رافضين أسلوب التدبير الأحادي الجانب وسيناريوهات الإقصاء وتغييب التمثيليات المهنية.
فكانت النتيجة ما اعتقدناه ربيعا مسرحيا أثمر قرارا جديدا منظما للدعم، ووزيرا جديدا توسم فيه المسرحيون المغاربة كل الخير، لكن وبعد استقراء تجربة الدعم الحالية ونتائجها الكارثية وما خلفته من استياء في الوسط المسرحي، اتضح أن حلم التغيير تبخر وأن دار لقمان مازالت على حالها.
ما حدث في عهد الوزير الحالي هو تغيير للمواقع لا أقل ولا أكثر، أما المسرح المغربي فهو ضحية كل هذه الصراعات الضيقة، صراعات حول الدعم المالي في أجواء غير تنافسية، لجان غير نزيهة وغير متجانسة، وتنظيمات مهنية قاصرة تشتغل بمنطق العصابة بعيدا عن التنظيم والهيكلة المحكمة وأخلاق المهنة، ووزارة تحكم الخيار السياسي على حساب تطبيق القانون وضمان شروط صحية للممارسة المسرحية.
هكذا، وبناء على عدة تناقضات، يمكن أن نقرأ واقع المسرح المغربي، فبينما تناضل المجتمعات الحداثية، من أجل تطوير وتحسين جودة الثقافة والفنون وجعلها من أولى أولويات أوراش التغيير والبناء، تتطاحن القوى الحية في بلدنا، من أجل دعم بئيس حول الفنانين إلى توابع لمديرية الفنون، هذه الأخيرة التي تتصرف كولي نعمة لمن ركن وخضع لقانون اللعبة، وكعصا للطاعة والوعيد لمن رفض وحلق خارج السرب.
دعونا نطرح السؤال لماذا لم تفكر الوزارة ولا التنظيمات المهنية إياها في التفكير في المسرح المغربي كبنية وكنسق عام، بدل التركيز على توزيع الهدايا والعطايا تحت غطاء لجنة تسمى مجازا لجنة الدعم؟ لماذا لم يفكروا في التكوين والتأطير والتنظير بدل البهرجة والانشغال بالحلول الترقيعية؟ لماذا لم يفكروا في سؤال الكتابة المسرحية ودعمها وتأطير ورشات خاصة بها، في أفق إنتاج مسرح ملتصق بمجتمعه وبقضايا المواطنين المغاربة؟
لماذا لم يفكر أحد في تنظيم مناظرة وطنية لتحليل واقع المسرح المغربي، والبحث عن سبل تطويره والرفع من مستوى ممارسته؟ لماذا لم يفكر أحد في لم شتات المسرحيين المغاربة والدفع نحو التفافهم حول مشروع البناء بدل التفرقة وإنتاج الفكر الانقسامي؟ لماذا لا يتفق الرواد مع المستحدثين حول دعم المسرح قبل دعم الفرق والأشخاص؟
لماذا يغيب النقد المسرحي وهو المعني بهذا السؤال أكثر من الفنانين أنفسهم؟ لماذا لا يلتقي المسرحيون إلا خلال مهرجان وطني لا يحمل من اسم المهرجان إلا ما وشم على الشارات والملصقات؟ لماذا انتظرنا 14 سنة حتى تتفضل الهيئة العربية للمسرح بمنحنا شروطا كاملة لتنظيم ندوة على هامش مهرجاننا الوطني اليتيم؟ لماذا لم نتوقف لتقييم تجربة 15 سنة من الدعم؟ أسئلة مقلقة ومخجلة حول واقع أقل ما يمكن أن نقول عنه إنه واقع مزر.
لقيت مسرحية "اش داني" التي عملت على تأليفها وإخراجها نجاحا كبيرا، هل يمكن لك الحديث عن موضوع المسرحية؟
المسرحية هي من تشخيص الفنانين عبد الرحيم المنياري، وعبد اللطيف خمولي وجواد العلمي، سينوغرافيا الفنان عزيز العلوي مهير، وتصميم الملابس للفنان عبد الله عدوي، أما الموسيقى والألحان فمن توقيع الفنان حسن شيكار.
هذا بالإضافة إلى فريق تقني مكون من الأصدقاء عبد الرحيم الزبيري، وعبد اللطيف رداجي، وعبد المجيد شحلان، والحسين الهوفي، وهي كوميديا اجتماعية تتناول مفهوم السلطة في تجلياتها وأبعادها النفسية والاجتماعية، وترصد مختلف أشكال التعاطي مع هذا المفهوم كواقع وكتمثل.
كما تتناول المسرحية فترة معينة من تاريخ المغرب وهي ما يصطلح عليه بزمن السيبة، وتحاول تصوير نموذجين متناقضين لشخصية (القايد) والتركيز على مختلف التناقضات الاجتماعية والسياسية التي حكمت هذه الفترة، ومحاولة تصوير البنيات التقليدية للتفكير التي أنتجت مجتمعا خاضعا ويسرت بسط نفوذ السلطة الديكتاتورية في مجتمع ما قبل الاستقلال.
هي قراءة فنية لواقع معيش يجد امتداداته في حياتنا السياسية والاجتماعية الراهنة وفي ما يحدث من حولنا في العالم العربي، وهي أيضا، محاولة متواضعة للرفع من مستوى التعاطي المسرحي مع قضايا المجتمع، وتجربة خاصة تروم تقديم فرجة مسرحية تشد الجمهور وتستجيب لحاجياته النفسية والوجدانية، وفي الوقت نفسه تطرح مواضيع مهمة في حياتنا اليومية، وتتناول قضايا جوهرية بعيدة عن الابتذال ومقولة " العام زين".
إذن، ما هو السر في نظرك لعدم حصول المسرحية على الدعم المالي لوزارة الثقافة؟
السبب في تصوري أحد أمرين، إما أن اللجنة لم تقرأ النص المسرحي (وهذا ما أرجحه) وحكمت على الملف، انطلاقا من موقف شخصي لبعض أعضائها ضد كاتب ومخرج المسرحية، تكملة لسلسلة تصفية الحسابات النقابوية الضيقة، التي تستهدفني شخصيا من لدن أشخاص ينصبون أنفسهم أوصياء على المسرح وممارسيه، ولهم أياد طويلة داخل وزارة الثقافة ولجنة الدعم التي استعملت بوعي أو غير وعي لتنفيذ الأمر المقضي.
وإما أن الذي أوكلت إليه مهمة قراء النص (على اعتبار أن اللجنة من 9 أشخاص لا يمكنها قراءة 157 نصا في أقل من شهر) رجل مسرح لا يمتلك آليات قراءة نص درامي، قد يتبادر إلى الذهن أنني أغالي في رأيي، لكن الحقيقة بدت واضحة لكل من شاهد عملنا المسرحي، ولعل المتابعة الإعلامية ورأي الجمهور من الممارسين والمختصين يشهدان على زعمي.
بقي أن أؤكد لكم أنه لا يعنيني كثيرا الحرمان من الدعم المالي، بقدر ما يهمني كثيرا محاولة الفنانين لقتل الفن باسم الفن، وهو ما يندى له الجبين، ويجلب العار لنا كأسرة فنية، فقد شاهد بعض الزملاء من لجنة الدعم عملنا المسرحي دون أي رد فعل يذكر، ووجهنا الدعوة للبعض الآخر في أكثر من مناسبة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مشاهدة حلم كانوا وراء نية إجهاضه، ليس الغرض هنا هو اللوم والعتاب، بل إحقاق الحق والتحلي بالصراحة والمصداقية والوفاء للتاريخ.
ليس عيبا أن تخطئ لجنة من اللجان، بل العيب كل العيب أن تتمادى في الخطأ ضدا على كل النداءات المتكررة لإنصاف التجربة، ومن خلال هذا المنبر أطلب من الذين يمتلكون زمام الأمور داخل لجنة الدعم، خاصة من أبدعوا وتعرضوا للإقصاء والتهميش والمزايدات قبلنا، أن يتفضلوا بمشاهدة عرضنا المسرحي، أو أن يعودوا على الأقل لقراءة النص المسرحي، ويقدموا لنا تفسيرا موضوعيا بعيدا عن حكم القيمة والعبارات الفضفاضة التي تزيد الطين بلة.
كيف تلقيت خبر إقصاء المسرحية المذكورة من المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للمسرح الاحترافي في دورته 15 بمدينة مكناس؟
لم يكن خبرا جديدا أو مفاجئا، سيما أن الإقصاء الأول كان ممنهجا وبإنذارات مسبقة، لذلك لم أفاجأ، فالذي تعود على الطعن من الخلف لا يمكن أن تنتظر منه المواجهة.
المهرجان الوطني كان سيكون مواجهة حقيقية إن كانت هناك لجنة تحكيم مستقلة ونزيهة، مواجهة للتنافس الشريف بيننا وبين زملائنا، الذين استفادوا من الدعم، مناسبة لمناقشة العمل وتقديمه أمام المشاركين من فنانين وإعلاميين ونقاد، وربما ستكون مناسبة ليحصل العمل على بعض جوائز المهرجان، وهو ما سيجعل اللجنة والوزارة في موقف لا تحسدان عليه، وقد حصل هذا مع فرق أخرى في السنوات الماضية.
الذي حز في نفسي كثيرا هو أن وزير الثقافة استقبل فرقتنا عشية ظهور النتائج الأولية للدعم وتقبل احتجاجنا ووعد بالتحري في الأمر بصفته رئيسا للجنة الدعم، كما وعد بإنصافنا لما تبين له ما في الأمر من نوايا مبيتة، لكن المحزن جدا هو أن الإنصاف جاء بإقصاء آخر.
لماذا وقع اختيارك على مهنة الإخراج في ميدان المسرح؟
اسمح لي أن أعلق على أن الإخراج ليس مجرد مهنة كما يمارسها البعض. الإخراج المسرحي رؤية وفلسفة وهوس ومغامرة متجددة لقراءة عوالم النص وترجمة مكنوناته بلغات متعددة.
لذلك فالأمر هنا ليس اختيار أو امتهان بقدر ما هو إبداع وقدرة استثنائية على التعبير، فإما أن تكون أو لا تكون، أن تمتلك أدوات للاشتغال على صناعة الفرجة التي يستقبلها الجمهور ويتفاعل معها، ويتناولها النقاد بالدرس والتحليل وتكون أعمالك شاهدك ودليلك وتاريخك، فللمجتمع ذاكرة وتاريخ وللجمهور حكمه ورأيه، الذي لا يمكن أن تحجبه تقارير لجان الدعم وكواليس سماسرته.
ما هي مشاريعك المستقبلية رفقة فرقة "أرلكان" المسرحية؟
شخصيا، لا يمكنني أن أتحدث عن المستقبل في ظل حاضر مكلوم، وفي ظل واقع مسرحي يصير فيه الابتذال سيد الموقف، وأمام حقيقة مرة لم يستطع الوزير نفسه تغييرها أو معالجتها، ربما نحتاج إلى أن نوحد مشروعنا ونختزله في محاربة الفساد والمفسدين، وأن نتفرغ لإعادة ترتيب البيت الداخلي لتنظيمات مهنية أضحت وجها ثانيا لوزارة الثقافة، نحتاج إلى مشروع يتجاوز الذات إلى ما هو أسمى ... المسرح، ولا شيء غير المسرح.
فماذا لو توقف الدعم المسرحي لسنة أو سنتين؟ وخصصت أمواله للتكوين والتأطير وتأسيس فرق جهوية قوية، وإعادة بناء العلاقة بين النقابات المهنية والوزارة على أساس التعارض البناء بدل التكامل الهدام.
ماذا لو عملت الوزارة على التركيز على تفعيل قانون الفنان وتنزيل بطاقة الفنان وتصفية هذا الخليط الذي يتمازج فيه الفنان بغير الفنان في خلطة عجيبة تتحكم في كل التوازنات وتربك عمل الوزارة وعمل الهيئات المهنية.
ماذا لو ركزت الوزارة على حل مشكل المعطلين من خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي.
هذه مشاريع تصلح لكي نحملها ونناضل من أجلها، وأما أن ننتج عملا مسرحيا يكون سببا في تحطيمنا والحط من كرامتنا ووضعنا تحت التفاهة والرداءة، فالأفضل أن نغلق أبواب بيوتنا ونقرأ على المسرح السلام.