قال القاص والأديب والشاعر، محمد أنوار محمد، إن مجموعته القصصية الجديدة، التي حملت عنوان "مدينة في الشهر التاسع" تندرج ضمن أدب الخوف.
زاد محمد أنوار قائلا إنه عندما يتأمل تجربته المتواضعة، يجد نفسه منساقا مع اللحظة الإبداعية. وأضاف في حوار مع "المغربية" أن أول قصة كتبها كانت بعنوان "ثمن قاتل"، والثانية "للزرع والرعب، الماء وماء العنب"، مبرزا أن في تضاعيف مجموعته الجديدة، يعيد طرح قضية الخوف في علاقتها بالحرية.
ويجد نفسه مندرجا بشكل تلقائي في ذلك التصور الذي عبر عنه الكاتب الألماني فريتس راداتس بأن الأدب الحديث هو أدب الخوف، والذي أكده جورج باطاي أيضا عندما اعتبر أن تاريخ الفن لصيق بالرعب.
في إصدارك "مدينة في الشهر التاسع" يقف القارئ بين منزلتي الشعر والقص، هل جنس واحد لا يكفي للإلمام بكل جوانب التخييل لديك؟
عندما أتأمل تجربتي المتواضعة في الكتابة، أجد أنني أتبع ما تمنحه لي اللحظة الإبداعية. لقد كتبت شعرا في البداية، لكني أيضا كتبت قصصا قصيرة. وعندما أعيد قراءتها، أجد أن الفضاء التخييلي لم يتغير كثيرا. أول قصة كتبتها كانت بعنوان "ثمن قاتل"، والثانية " للزرع والرعب، الماء وماء العنب".
في مجموعتي القصصية الجديدة، تحضر الأسئلة نفسها واللغة ذاتها، وإن كانت قد نضجت أكثر. فقصة "مدينة في الشهر التاسع"، التي نعتها الشاعر نجيب مبارك بـ "مدينة الخوف"، تعيد طرح قضية الخوف في علاقتها بالحرية.
وربما أجدني بطريقة تلقائية مندرجا في ذلك التصور، الذي عبر عنه الكاتب الألماني فريتس راداتس بأن الأدب الحديث هو أدب الخوف، والذي أكده جورج باطاي أيضا عندما اعتبر أن تاريخ الفن لصيق بالرعب. وفي الفترة نفسها، أي البدايات، كتبت قصصا قصيرة جدا دون وعي بوجود جنس أدبي يسمى قصة قصيرة جدا.
ولأنني كنت أجهل هذا الجنس الأدبي، فقد عنونتها بـ "حالات يومية". كما كتبت أيضا "الشذرة". لكنني مع ذلك، ولاختيارات خاصة وأصلية، ملت أكثر فأكثر إلى الكتابة في الشعر. مع ذلك، ظل هاجس التنويع حاضرا دائما. وهذا التنويع، وتحديدا في الأسلبة، يجعلني أميل إلى نوع من الكتابة المنفتحة.
وسواء تعلق الأمر بتسريد الشعر، أو تشعير السرد، أحاول أن أكون قريبا من ذاتي المبدعة. ذاتي المبدعة تجد راحتها في هذا الأسلوب وفي هذه اللغة. وأحاول قدر الإمكان، أن أحافظ على سمات الجنس الأدبي الذي أكتب فيه، وأتمنى أن يستمتع القارئ بتلك الوقفة، وأن يخرج منها بفائدتين: فائدة الشعر، وفائدة السرد.
لديك إذا ميل إلى التنويع، وبالتالي الكتابة في مختلف الأجناس الأدبية... كيف وجد محمد أنوار محمد طريقه إلى القصة؟
ليس ضروريا أن يكتب المبدع في كل الأجناس الأدبية. المهم، أن يبدع في الجنس الذي يجد فيه نفسه أكثر. كافكا مثلا كان روائيا وقاصا، ولم يكن شاعرا. بورخيس كان شاعرا وقاصا، ولم يكن روائيا. وأنطونان أرطو جمع بين الشعر والمسرح.
ولويس أراغون كتب في الرواية والشعر. وهناك، وهذا هو الشائع، من يكتب في مجال واحد لأسباب مختلفة. ولا يمكن أن نتجاهل عبر التخصصية التي تسود الكتابة الأدبية اليوم. عموما، بالنسبة إلي، وكما قلت سابقا، كان لدي دائما ميل إلى التنويع في الكتابة والاستجابة التلقائية لنداء داخلي، كل مرة يزرعني في جهة مختلفة.
وقبل بضعة أعوام، سمعت مرة أخرى وبإلحاح ذلك النداء إلى كتابة القصة، فلم أستطع المقاومة، وشرعت في كتابة القصة. مع ذلك، فالطريق إلى القصة، هو نفسه الطريق إلى الشعر: التأمل والرغبة في تبادل الأفكار والتصورات، والعمل على بناء عالم جميل.
ما هو الهدف من المزاوجة في إصدار واحد بين قصص قصيرة وأخرى قصيرة جدا، إن لم نقل ومضة، لمن يقدم محمد أنوار محمد مجموعته القصصية الأخيرة؟
ربما تقديم طبق سردي متنوع إلى القارئ. ألا يشعر بالملل. أن يحقق متعة سريعة، لكن حقيقية وراسخة. وعموما، كلاهما ينتمي إلى السرد.
في أعمالي دائما أتخيل قارئا ذكيا، منفتحا، قلقا، وقادرا على المناقشة. وأفترض أن هذا القارئ موجود بكثرة. ثم هناك قارئ في المستقبل أراهن عليه. وسيكون عموما متحررا أكثر في اختياراته وتوجهاته. وحتى الناقد المستقبلي سيكون أكثر حيادية، لأن دراسته ستكون بناء على أسس جمالية.
أثارتني في المجموعة قصة تحمل عنوان "إني رأيت أحد عشر كوكبا" القارئ اللبيب يكتشف أن القاص اعتمد التناص، إذ إن قصة يوسف استلهم منها الكثير من المبدعين دروسا، يأتي في مقدمتهم الشاعر الراحل محمود درويش، هل محمد أنوار محمد ملم بأشعار ودفاتر درويش؟
لقد قرأت محمود درويش في مرحلة من حياتي، لكنني لست ملما بكل ما كتبه. وأعرف أن التأثير القرآني مشترك بيننا. وقراءتي لدرويش كانت متزامنة مع قراءة لرواد الشعر العربي. لا أقرأ الشعر، وإلى الآن، كناقد بل كقارئ يبحث عن المتعة.
وعندما استثمرت قصة يوسف، فالرهان كان جماليا وفلسفيا وسياسيا. ويبدو لي أنها أيضا تمرين في السرد وفي ابتكار الحكاية. فمن جهة التقنية الموظفة في بنائها تبدو مبتكرة تماما.
لم يسبق لي أن قرأت قصة مشابهة لها في البناء. وذات يوم أخبرني أستاذ لمادة اللغة العربية أنني قدمت إليه خدمة من خلال هذه القصة، إذ اقتطف المتوالية السردية الأولى من القصة وقدمها كفرض في مجزوءة السرد.
ذات لقاء كشفت أنك تفكر في إصدار رواية تستلهم وقائعها من الواقع المغربي، إلا أن ثمرة هذا التفكير كانت هذه المجموعة، وهل مازلت تفكر بشكل جدي في إصدار الرواية، رغم كثرة انشغالاتك وضيق الوقت لديك؟
الرواية بالنسبة إلي مسألة وقت. وقد شرعت فعلا في كتابة رواية قد أنتهي منها بعد عام أو عامين. فأمامي ثلاثة مشاريع تنمو، في الوقت نفسه، ببطء لكن بشكل أكيد: مجموعة قصصية ثانية شارفت على الانتهاء.
ومجموعة شعرية ثالثة تنقصها بعض النصوص حتى تكتمل. ثم مشروع الرواية التي حدثتك عنها. كتابة الرواية بخلاف القصة والشعر تتطلب سطرجة والتزاما.
ولست من الذين يلتزمون بوقت محدد وطقس معين أثناء الكتابة. لذلك أكتب كلما شعرت بأن لدي قابلية لذلك. لكن الحكاية والخطة السردية جاهزتان. وأتمنى أن أكون عند حسن الظن.