السعيد الخيز شاب مبدع، يعشق الثقافة والمثقفين، رغم الإكراهات التي يعرفها الحقل الثقافي المغربي. عشقه ألهمه تبني تجربة إبداعية فريدة، وهي مجلة يتقاسم فيها المثقفون، من المغرب وبالبلاد العربية، هم الفكر والجرأة الأدبية
فكان صدور أول عدد من "أوراق ثقافية" من عاصمة سوس العالمة، تارودانت، لتكون صوتا للمبدع المغمور، وفضاء يستمد منه هذا الأخير طاقاته الإبداعية، وأفكاره من النخبة الثقافية المشاركة بإسهاماتها في المجلة.
من "سجين الهوامش" روايته الأولى، سينقلنا الخيز، قريبا، إلى رواية نوستالجيا جديدة للحب، قد تحمل لنا الأيام المقبلة عنوانها النهائي.
عن الراهن الثقافي وإكراهات النشر، التي يواجهها الكاتب أو المثقف المغمور، وعن "أوراقه الثقافية"، التي احتفت في عددها الثاني بالشاعر العربي محمود درويش، وإمكانياته المادية المحدودة، التي تحول دون توزيعها على نطاق أوسع، وإصدارها بشكل دوري منتظم، يتحدث السعيد الخيز في هذا الحوار.
من هو السعيد الخيز؟ وكيف جاءت فكرة إصدار مجلة من حجم "أوراق ثقافية"؟
- السعيد الخيز أستاذ تعليم ابتدائي، كاتب ومراسل صحافي، من مواليد 1980 بتارودانت. رافقتني فكرة التخصص في العمل الإعلامي الثقافي، منذ مدة. عملت مراسلا في الصحافة الجهوية، لكني لم أرتح فيها كثيرا، لأنها، برأيي، تحتاج لمؤسسات أضخم من نضال مراسل صحافي صغير، ففكرت في الصحافة الثقافية من منظور "ماكروسكوبي"، أستطيع بواسطته خدمة المجتمع المغربي، والمساهمة، ولو بالقليل، في نهضته الفكرية.
بعد أن كتبت في عدة مجلات ومنابر ثقافية شرقية، جاءت "أوراق ثقافية" لتعفيني من التملق للمشرق، ومعي تلة من المبدعين الشباب، منهم، على الخصوص، الشاعر يونس لهديدي، وفاطمة الزهراء الرياض، وهاجر فارس، وتوفيق الرصافي، وشكيب أريج، وعبد اللطيف الطالبي، وعبد الحميد العمري، وهؤلاء كلهم معترف لهم بشهادة إبداعهم، وحصلوا في مناسبات عديدة على شهادات وجوائز وطنية ودولية.
أصدرت العدد الثاني من مجلتك الفصلية "أوراق ثقافية". ما الذي تريد أن تقدمه من خلال هذه التجربة الإبداعية في ميدان الفكر والأدب والإعلام؟
- ببساطة، مجلة أوراق ثقافية جاءت لتقدم للقارئ المغربي خاصة "مشهدا بديلا"، وثقافة مدنية حقيقية باستطاعتها أن تراهن ما أمكن على سؤال "الحضارة". في ظل مشهد ثقافي هش ومشرذم، يمكن لأي قارئ بسيط تفكيكه إلى معسكرين رئيسيين، معسكر سلطوي، فئوي مشبع بالثقافة الأبوية التقليدية، ينتج لذاته بطقوس خاصة مكشوفة على حساب الإبداع، ومعسكر تجاري، استهلاكي محض، يخضع لقانون السوق( العرض والطلب). الأول يسعى لاغتيال الإبداع بتهميشه ودفنه بعيدا عن المراكز الثقافية .والثاني يسعى لاغتيال عقلية القارئ، وقتل حس النقد والذوق لديه، تمهيدا لتنميطه وتجنيسه.
بين هذا وذاك، جاءت أوراق ثقافية لتمارس حقها في المشاكسة والنقد، ولتقدم البديل الذي يحتفي بالهامش، وبفلسفته في إنتاج الظواهر الإبداعية والثقافية.
العدد الثاني أخذ بعدا قوميا، إذ خصص للشاعر العربي محمود درويش. ما هو الصدى الذي تركه هذا العدد عند المتلقي؟
- في الواقع، رهاني على هذا الشاعر الطروادي، الملحمي الكبير، هو رهان على "التعددية الثقافية" في تعاليها على الإيديولوجيات، والأديان، والتقاليد، والأعراق واللغات، ومشكل الأقلية والأكثرية، ومشكل الهوية.
محمود درويش هو بمثابة الإجماع الإنساني، على الكلمة الحرة، وهو البحر الأبيض الذي تتلاحم في خضمه وبين أمواجه المتفاوتة العلو، قوارب ومواخر الإنسانية جمعاء.
لم نخصص عددا مفردا لشخصية قط، وأعتقد أننا لن نخصص بعدها، كي لا نسقط في فخ التصنيف والتنميط السلبي.
الرسالة التي حاولنا إيصالها، من خلال شخصية وتجربة الشاعر الكبير محمود درويش، هي رسالة الكونية، أو الإنسانية بتعبير أدق، ترسيخا لثقافة الانفتاح على الآخر، وكسر كل الحدود نحو أنسنة الإبداع، بعيدا عن العُصابية، والتمركز حول الذات.
بالنسبة للمتلقي، فأوراق ثقافية لا تستهدف متلقيا بعينه، هناك محددات رئيسية وسياقات عامة تصنع بها أوراق ثقافية متلقيها الخاص ومتلقيها العام، وليس العكس تماما. فعلى خلفية أصداء العدد الثاني، كانت قصيدة محمود درويش بمثابة عقد الثقة بين أوراق ثقافية وبين قرائها الأعزاء. فقوبل العدد بالتشجيع من طرف مؤسسات ثقافية عتيدة، وشرائح واسعة على امتداد الطبقة المثقفة. نعم، هناك أصداء وتقويم ونقد، وهناك كذلك تباشير بقومة ثقافية ونهضة فكرية على أنقاض العهد الثقافي البائد.
رغم أن للمجلة قيمة أدبية لا يستهان بها، إذ تجمع بين نخبة من الأدباء والمثقفين من العالم العربي، إلا أن توزيعها يبقى محدودا إلى حد ما. ما السبب؟
- مشكلة التوزيع راجعة، بالأساس، إلى الإمكانيات الضعيفة البسيطة إلى حد ما ...هذه الإمكانيات التي جعلتنا نزعم أننا لم نتمكن بعد من إسقاط وترجمة مشروعنا الفكري الثقافي على الواقع كما يجب.
في نظرك ما السبيل لإعادة علاقة الثقة بين المبدع والناشر حتى يمكن لهذا الأخير أن يقدم التشجيع والدعم الكافي للأول؟
- السبيل الوحيد والأوحد هي "المصداقية الثقافية"، وهذا لن يتأت إلا بخلق ناشر مبدع متذوق، ومبدع ناشر محترف، يخدم الثقافة والفكر كمفاهيم مجردة، لا كسلعة أو حفنة كلمات تعرض أمام مكبرات الصوت أو في المكتبات .
ما هو تقييمك للإبداع الثقافي والأدبي في مغربنا الراهن؟ وهل يمكن القول أن التكنولوجيا الحديثة (النشر الإلكتروني، أو العالم الافتراضي) تساهم أكثر في التقريب بين القارئ والأديب؟
- سبق أن أجبت في السؤال الأول حول مشروع أوراق ثقافية، ونقد راهن المشهد الثقافي، لكن لا أرى ضيرا في إضافة نقطة مهمة تخص ضرورة تحرير المشهد الثقافي من قبضة "المافيات" (الاحتكار والوصاية من جهة، والتجارة والإسفاف من جهة ثانية )، لأن الرهان على غير الثقافة، لن ينتج إلا مشهدا سوداويا كارثيا، وإنسانا مشوه الإبداع.
أما فيما يخص النشر الإلكتروني فله ما له، وعليه ما عليه، وما عليه قليل. فكما استطاع أن يسقط أنظمة ويخلق ثورات، استطاع كذلك أن يعري ويكشف النقاب عن زيف المشهد الثقافي، خاصة المغربي، الذي كان ينطوي على طقوس، ما أنزل الله بها من سلطان.
كذلك حل المعادلة المعقدة بين المركز - الهامش، ففوت على مافيا الثقافة عادتها القديمة في اغتيال أقلام الهامش تحت يافطات أكاديمية، لا تمت للمنهج الأكاديمي بصلة. فلم تنفع مع هذا "الفضاء الإكتروني" لا الزيادة من جرعة المهرجانات المستهلكة، ولا إبداع طقوس جديدة، ومحاولة سنها وفرضها على المبدع قسرا. إن للمافيا تصاريفها، وللعولمة كذلك تصاريفها.
هو إذن فضاء مفتوح يتعاطى فيه المبدع مع القارئ بإنصاف، بمنأى عن قيود النشر والاحتكار.
ألفت روايتك الأولى "سجين الهوامش"، سنة 2008. هل هي من نسيج الخيال المحض، أم اعتمدت فيها على بعض من واقعك؟
- لهذه الرواية مكانة خاصة جدا في قلبي. هي ليست فقط أول رواية، بل هي اختزال لسنوات المشاكسة، والشغب الفكري، واعتصار لكل كلمة قرأتها في مراهقتي وشبابي، وكنت قد بدأت كتابتها في سن مبكرة، وظلت تختمر في درج مكتبي، إلى أن قررت نشرها بما لها وما عليها، وكنت على يقين أنها ستقسم قراءها إلى معسكرين، معسكر معجب حد الإندهال بها، ومعسكر تأفف منها لصعوبة قراءتها وفهمها، واعتبرها شطحا فكريا، ولعبا لغويا أكثر منه سرد وحكي ووصف. وأنا، بين المعسكرين، لم أستطع بعد تصنيفها، رغم المساحة الزمنية التي تفصلني عنها، والتي تجعلني أيضا، مجرد قارئ عادي لها. وأكتفي بوصفها بالوصف نفسه لإحدى القارئات، التي قالت إن "سجين الهوامش" متاهة معقدة، للخروج منها يجب التسلح بالكثير من الروايات الأخرى، التي تطفو فوق النص بين فينة وأخرى.