توقع الكاتبة فاطمة الزهراء الرياض مجموعتها القصصية الجديدة "علاقة غير شرعية" يوم السبت 12 فبراير المقبل، خلال فعاليات المعرض الدولي للكتاب، بالدارالبيضاء. ويعد هذا الإصدار الثاني لفاطمة، بعد "فاتح شهية" الصادر في دجنبر 2010.
يلقب مثقفو مدينة سوس هذه الكاتبة الموهوبة بالشاعرة "الزئبقية"، ازدادت بمكناسة الزيتون.. لها مجموعتان قصصيتان وديوان قيد الطبع. شاركت في عدة منتديات ولقاءات ثقافية في المغرب وخارجه. تشتغل في سلك التعليم، وتنتمي لهيئة تحرير مجلة "أوراق ثقافية"، الصادرة من مدينة تارودانت.
متى بدأت علاقتك بالشعر؟ وكيف كانت العلاقة في بدايتها؟
بدايتي مع الشعر، تماما، كرضيع يتعلم أولى خطوات المشي. كنت شغوفة بدواوين نزار، ودرويش، وأبو ماضي كهاوية، ثم قرأت لجميع المغمورين على صفحات الجرائد، وقت كانت الجرائد منبر الهواة، فأتمعن في كل قصيدة حالمة، وأضع نفسي مكان الشاعر حتى أتعارك مع بواطنه، حين يجزم أن اللغز بين سطوره، وحالما أصادف كلمة تستعصي على الفهم، أجري على قاموس لسان العرب لأجد فيه ما اختلط علي من حابل بنابل. بعدها مباشرة، وأثناء تكويني بمعهد المدرسين والمدرسات، كنا نشرف على إحياء بعض الأمسيات الثقافية والمسرحية، فنظمنا مسابقة في الشعر الحر لفائدة المؤسسات التعليمية، وكان في اللجنة مثقفون وشعراء بمنطقة سوس العالمة، لم أشارك في المسابقة لأني كنت ضمن اللجنة التنظيمية، كما اعتبرت أن كتاباتي لا ترقى إلى المشاركة، لكنني فوجئت بفوزي بالرتبة الثانية عن قصيدة بعنوان "عيناك ساعة الرحيل..قمر"، قدمها صديق لي، كان يتابع كتاباتي بين الفينة والأخرى، للتباري، فأحسست حينها بدم ثالث يجري، وأن هناك أشياء جديدة يجب أن أعيد فيها النظر.
ومن حينها، صار الشعر نزوات يأخذني من صراعات الحياة إلى شاعرية البوح، بسلاسة المواقف حبا، وحزنا، وموتا وفرحا، وحتى حين كتبت النص السردي، كان الشعر حاضرا، وبقوة، في المجموعتين القصصيتين، لأنني كنت أسعد بضم رقة الشعر إلى لغة الحكي.
ما هي مناسبة تلقيبك بالزئبقية؟
"الزئبقية" هي عنوان قصيدة لي، كنت ألقيتها في أحد اللقاءات الثقافية، بحماس مفرط، لأنها تحمل شحنة امرأة، إن صح القول، "حديدية" صلبة، وترد على قسوة الحبيب بلغة صارمة، لكنها مغموسة بالحنان، بين كل مقطع ومقطع. وفي ختام اللقاء، وجدت الحاضرين يهنئونني على القصيدة بـ "تبارك الله عليك آ الزئبقية". فظل صديقي الروائي صاحب "سجين الهوامش"، ومدير تحرير "أوراق ثقافية" يلقبني بهذا الاسم، فصرت عليه.
نجد في كتاباتك انتصارا للأنوثة، لكن هناك، أحيانا، نفحة من الحزن والتشاؤم أحيانا، لماذا؟
الأنوثة حاضرة، لأنها ذات تحترفني فأحترفها، ومادامت لي لغة تحاكي أو تحاول نسخ دواخلي، فلما لا أعبر عن بنات جنسي؟ على الأقل، عن فئة ممن تعتريهن مزاجيات، وتعثرات، وخيبات، ودفق حنين..الأنثى "أنا"، أمومة وحلم، وواقع، وسخط بكل ما تملكه الأنثى من سلطة وضعف وقوة وقهر. أما الشعر فهو فقط عبارة عن منظومة من الأحاسيس الملتوية، أكتفي بأن أشعر بها حتى أكتب عنها. لست مفوضة رسمية عن المرأة العربية، فالأنثى حاضرة لأنها مرآة تعكس مدى رغبتي في وضعها مفسرة للعيان، لكن هذا لا يعني أن الرجل غائب عن مواضيعي، فأنا أحترمه وأقدر دوره، ولن أشن عليه حربا، بل تمنيته أن يكون "رجلا" فقط، لا تخذلنا فحولته، فما يصيبنا من بعض الذكور يصيبنا من فاقدات الأنوثة، لذا فلا طرف عادل وظالم، إنما هما الاثنان يشكلان حلقة تتكامل فصولها بصدف الحياة الرحبة.
أعترف أنني أميل للأحزان لأنها مالت إلي، وسكنت مسالك حياتي الشخصية، وأعتبر أن بالأحزان نصنع المعجزات، ومن لم يستفد من حزنه سيكرر أخطاءه لا محالة، ودائما ما أقول "السعادة تعاش ولا تكتب".
هل تستلهمين إبداعك من واقع معين أو أحداث تعيشينها؟ أم هو إطلاق العنان للخيال الخصب؟
أكتب حين أحتاج إلى ذلك. بعض القصص تأتي من واقع معاش، وبعضها يأتي من أبطال تزاحموا في رأسي لمدة. ما أعنيه لحظة الكتابة هو صدق الشعور نقلا عن سارديه، بالوصف، وفي الغوص في ذواتهم. لكن الأكيد أن الخيال هو من صلب ما نعيشه، وإن كانت لغة تقديمه للقارئ تأتي مختلفة وغامضة، لكن بعض القصص والمواقف تبقى أغرب وأندر من جمالية اللغة.
بعد "فاتح شهية"، ستوقعين، قريبا، إصدارك الثاني "علاقة غير شرعية"، هلا حدثتنا عن هذا الإصدار الجديد؟
"فاتح شهية" تعد أول مجموعة قصصية لي، ضمت نصوصا كتبتها على مفترق طورين من حياتي الشخصية، وهي لم تتطلب مني إعادة نظر أو انتقاء، بل طُبعت على سجيتها وعفويتها وخجلها، حتى إنها لم تأخذ تصنيفا أدبيا (قصص أو خواطر)، بل تركت للقارئ حرية انتقاء ما يريد. ربما بداياتي كانت محتشمة وصعبة، مع اللامبالاة المدهشة في الساحة الثقافية، وعقبات الطبع إذ لم تكن دور النشر ترغب في المغامرة مع هاو مغمور مثلي، لكن صدمة المتلقين لـ "فاتح شهية" بين ناقد وناقم، ومصفق وعابث، جعلته يحظى باهتمام واسع في الصحافة، وتناوله المهتمون، كما الطلاب، بالكثير من التساؤلات، ما جعلني أصر على استكمال الطريق. حينها كانت مجموعتي الثانية "علاقة غير شرعية"، في طريق الاكتمال فكانت مؤسسة "الرحاب" دارا كريمة تلقفته بابتهاج.
فقرأه المسؤولون هناك بكل مستوياته ليعلنوا ولادته الشرعية. ومن منبري، أحيي مدير الدار أحمد فواز على ثقته في شخصي، وأقدر له دائما وقوفه خدمة للأدب، والثقافة، واللغة المحسوسة.
وتتشكل "علاقة غير شرعية" من 16 قصة قصيرة، وهو إبداع، بغموضه، متهم بريء حتى تثبت إدانته.
شاركت في الكثير من الملتقيات الأدبية داخل وخارج الوطن، كيف تقيمين مستوى الشباب الإبداعي؟ هل له حظوظ في أن يكون خلفا لجيل الرواد من الأدباء والشعراء العرب؟
على المبدع الشاب أن يبدع، شرط أن يتمكن من لغته، ويتقن الإفصاح عما بدواخله. وكما شجعني رفاق الدرب دائما، بقولهم "اكتبي فحتما ستجدين قارئا"..أقولها بدوري لهم، رغم أنني ما زلت أتهجى في بحر الإبداع. لذلك وجب عليهم الإيمان بمواهبهم، دون غرور وتعال، وأن ينهجوا طريقهم الأدبي بكامل الخطوات، وألا تحبطهم التعثرات. عليهم أن يعرفوا أن لجيلنا فرصة السباحة في غور الشبكة العنكبوتية، وأن يحسنوا استعمالها، و أن تكون لديهم قناعة على الاستماع، وصدرا رحبا لمواجهة السارقين الإلكترونيين، في عصر أصبح فيه استسهال الشعر والقص، كما عطس المزكوم.
وأنصح القائمين على الملتقيات والأمسيات الأدبية أن يفسحوا المجال لظهور المغمورين، دون تكريس وتلميع للأسماء نفسها، التي تتداول في كل ملتقى و مهرجان، وكأن المغرب حُدت أسماؤه فيهم. نحترم عطاءات الكبار وإنتاجاتهم، لكن وجب الاعتناء بالمبدعين الجدد، الذين سيحملون مشعل التأريخ الأدبي يوما ما، رغما عنهم، وتشجيعهم والالتقاء بهم، حتى نعيش الرقي الأدبي لخير بلدنا الحبيب.
من يساهم في تنمية إبداعك وموهبتك؟
أصدقاء الشدة والرخاء، جنود الخفاء، الذين لا يستهويهم الظهور الإعلامي، ولا بريقه، لكن نتشارك في هموم الحرف والحياة، ولذتهما. هم أناس عاديون جدا ومتميزون في بساطتهم، حرصوا على قراءة نصوصي، وشجعوني على مواصلة تعرية الذات. لذا، أدين لهم بالشيء الكثير، والشكر وحده لم ولن يكفي في حقهم.