قصر الجامعي يحتضن إبداعات خمسة فنانين من فاس

الأربعاء 21 شتنبر 2011 - 08:10
من أجواء المعرض  (خاص)

احتضن قصر الجامعي، نهاية الأسبوع الماضي، في فاس، معرضا لأعمال تشكيلية وإبداعات فنية لخمسة من أبناء المدينة

وهم حسن أطلس علوي، وعبد الحي الدمناتي، ومحمد كريش، وعبد السلام لحرش، والشيخ زيدور، الذين استطاعوا بمجسماتهم الفنية، ولوحاتهم الابداعية، التعبير عن حبهم لتراث المدينة وهوسهم برصد نمط عيش السكان فيها ورصد متناقضات الحياة فيها.

واستطاعت المكونات الفنية للمعرض، الذي نظمته مؤسسة "ماروك بريميوم" من 16 إلى 18 شتنبر الجاري، تقديم مزج منسجم بين أعمال جمعت بين التجريدي والمنمنمات والمجسمات، ترجم من خلالها التشكيليون الجو الروحاني للعاصمة الثقافية، وقدموا تعدد مظاهر سكانها، في استرجاع للزمن القديم وحكي للذاكرة الجماعية لأبناء المدينة.

وبذلك، جمع المعرض تيارات فنية مختلفة، تنهل من مدينة فاس كاملة، جمعت بين الفنان الأستاذ والفنان التلميذ، وضعت أعمالهم جنبا إلى جنب، كل واحد منهم سعى للتعريف بتجربته في جعل الريشة والمجسمات ينطق بما يجول في الخاطر.

ومن الأعمال التي أثارت استحسان الزوار، مجسمات الفنان عبد السلام لحرش، التي وظف فيها تقنيات فنية حديثة، عبارة عن لوحات مفتوحة، مزج فيها الأبيض بالأسود، وحضر فيها وجه آدمي بلون أسود دون ملامح، وسط مربع فارغ أسود اللون، يظهر فيها المجسم الآدمي في تموضعات مختلفة، جلها عبارة عن محاولات لتخطي المربع الأسود نحو فضائه الخارجي.

وسمحت مجسمات لحرش، بإطلاق خيال المتأمل فيها، سيما أنها أعمال فنية متقاربة، تبني سيناريو لقصة لم تحصره ضمن موضوع واحد، ما سمح بتقديم قراءات مختلفة، تحتمل تفسيرها بتوق الإنسان للحرية والإنعتاق من القيود المجتمعية، أو بالصراع المتواصل للإنسان لبلوغ مرتبة أفضل. كلها قراءات قد يعكسها الوجه الآدمي، أسود اللون، الذي يتسلق حواجز خشبية، تارة نحو الأعلى وتارة خارج المجسم الرباعي الأسود، في رغبة لتجاوز حاجز شبكي حديدي.

واهتم هذا الفنان بالأشكال الهندسية المربعة، المحاطة بالسواد، استخدمت فيها خيوطا حديدية وخشبا وصباغة "الآكريليك"، تعكس اشتغال عبد السلام لحرش على الفارغ والممتلئ في المسجمات، المزينة بالخط العربي، دون كتابات واضحة، تعكس الاهتمام بالهوية العربية والإسلامية.

وأوضح عبد السلام لحرش في تصريح لـ"المغربية"، أن أعماله تعكس متناقضات الحياة، وأن التركيز على الأبيض والأسود ما هو إلا اختيار تلقائي، لم تكن وراءه خلفية معينة، تتيح فسحة أوسع للمتأمل بقراءتها، وفك أسرارها وفق خلفياته الثقافية وحالته النفسية للحظة التأمل في اللوحة.

إلى جانب ذلك، استطاعت الأعمال الفنية لعبد الحي الدمناتي، إثارة إعجاب واستحسان متأمليها، وهي عبارة عن منمنمات إسلامية، (تيار فني قديم ظهر ابتداء من القرن السادس الهجري)، ركز فيها على تراث مدينة فاس، واشتغل فيها على الذاكرة الجماعية والفردية لسكان المدينة.

وتحكي اللوحات التشكيلية للدمناتي قصة حياة أجداد المدينة، وهم داخل البيت الفسيح، على مقربة من نافورة الرياض، وعلى جنبات حدائقه الغاصة بالورود، حيث تجلس النساء والمعلمات لتدريب الفتيات الصغيرات على تطريز الثوب. وبذلك، عكست اللوحات التصميم الهندسي البديع للعمارة الإسلامية، والحياة الهادئة في المدينة، كما اقتنصت صورا من الأنشطة اليومية لرجال المدينة، بزي تقليدي وهم إما في السوق أو بالحي الشعبي.

وتترجم لوحات الدمناتي العمل الواقعي، من حيث الموضوع والتقنية، استعمل خلالها ألوان "الآرسيليك" وماء الذهب، مع الحرص على حضور الزخرفة في تزيين جوانب اللوحات.

ولدت تجربة عبد الحي الدمناتي، حسب ما تحدث عنه لـ"المغربية"، من رحم ما عاشه من لحظات حياتية مع أجداده ووالديه في قلب مدينة فاس، وهو ما يعكس حبه للمدينة، ورغبته في ترجمة ذلك في أعماله الفنية، باعتبارها من روافد الحضارة المغربية التي تمتد على مدى 12 قرنا.

وحفزت هذه اللوحات المتخيل لتشخيص مشاهد حياتية قديمة في فاس، من خلال أصالة العمران الإسلامي وطراوة الأجواء وسحر الطقوس بين سكانها، منها طقوس نسائية حميمة في رحاب الرياض، وطقوس الولائم الاحتفالية وطقوس القرويين، وأجواء السوق الشعبي والحي القديم.

ولم يخف الدمناتي هوسه بإبراز المدينة للأجيال الجديدة، سعيا وراء الاحتفاظ بصورها في ذاكرتهم، وحرصه على تنمية مهاراته التنفيذية لما تتطلبه المنمنمة من المؤهلات التقنية المشروطة بدقة التخطيط والتلوين، وكذا المؤهلات النفسية التي تستوجب استرسال التركيز، لحاجة العمل إلى حالة اعتكاف قصوى واستجماع الطاقة الكفيلة بخروج العمل كاملا.




تابعونا على فيسبوك