شارك الكاتب والباحث المصري، طارق حجي، في مؤتمر "دور الأديان في تعزيز قيم المعرفة"، الذي نظمه، أخيرا، مختبر اللغة والإبداع والوسائط الجديدة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة
بشراكة مع مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان بقطر، فكان لمداخلته وطروحاته وقع على المشاركين، لأنه ركز على أسلمة المعرفة، وتحدث عن إمكان تلون المعرفة الإسلامية واستفادتها من تطور العصر ومعارفه، خاصة أن الدين فاعل أساسي في تثقيف وتعليم المجتمعات العربية الإسلامية، وقال في حوار مع "المغربية" إنه من دون إصلاح للذهنية الدينية وللخطاب الديني، فإنه من المستحيل أن يتحقق أي إصلاح، كما أن اللحاق بالعصر مرهون بخطاب ديني يجمع بين الثوابت الدينية وحقائق العصر.
هل الطريقة التي يدرس بها الدين في الجامعات العربية هي الأسلم لكي يحدث نوع من التوافق بين الدين والعلم، ويحدث تطور في المجتمعات العربية؟
** أعتقد أن تدريس الدين في كل المناهج التعليمية، وفي المنظومة التعليمية في الجامعات الدينية مثل القرويين والأزهر، ومثل المدارس الدينية، يحتاج إلى مراجعة كبيرة، وإلى العودة إلى الإنسانية التي طبعت بعض هذه المعاهد الدينية منذ نصف قرن.
ولهذا فأنا أروج للإسلام الذي يحل معادلة الإيمان والحياة، ويتماشى مع العصر وتحولاته، لأنه خلال نصف القرن الأخير تمكن فهم خاطئ وقديم للإسلام، زود بثروة كبيرة بأن يسيطر هو على الدعوة، فأصبح الخطاب الديني ممتزجا بثقافة دينية متشددة أقل اتساقا وتماهيا مع الحداثة والإنسانية. نحن نأمل في أن يثبت التعليم الديني للمرء أنه يستطيع أن يكون مسلما صالحا، وأن يكون، أيضا، مواطنا أصليا صالحا، وهذا يحتاج منا مجهودا كبيرا في البرامج الدينية كي نعلم الناس أن الاختلاف ليس عيبا، وأن الآخر مشروع، وأن النقد ليس نقضا. وفي ما يخص المرأة، فدون ثورة في التعليم الديني ستبقى ثقافتنا الدينية تقف أمام المرأة موقفا ينتمي للقرون الوسطى أكثر مما ينتمي للقرن الواحد والعشرين.
* كيف يمكن للدين أن يقوم بدور فعال في تعزيز قيم المعرفة والعلم، وكيف يمكن تحفيز الشباب على دراسة الدين والعلم معا؟
** أعتقد أن الدروس الدينية تستطيع أن تحقق الكثير في هذا المجال، خاصة إذا ربيت الأجيال الصاعدة على أن الآخر ليس عدونا بالضرورة، وأنه ما لم يعادنا فإنه أخ في الإنسانية، وأن المسيحي واليهودي ليسا بكافرين وإنما هما أصحاب ديانات أخرى.
فالتعليم الديني هو حجر الأساس، وهو الذي يجعلنا نقبل التعددية، نقبل بوجود الآخر، نقبل أن العلم ليس له وطن، وأعتقد أننا سائرون في هذا الطريق، لأن الشباب، الذين حققوا التغيير في تونس ومصر، فعلوا ذلك بمعجزة، لأننا كنا نتوقع أن تأتي ثورة هذه البلدان إما من المعدمين الفقراء، أو من الجماعات الدينية، فجاءتنا من أبناء الطبقة الوسطى، الذين تعلموا عبر وسائط العصر، واستعملوها في التواصل. ومن أجل الأمور التي شهدتها في البلدين معا، أن هؤلاء الشباب غير مؤدلجين، ففي مظاهراتهم لم تكن هناك خطابات إيديولوجية، بل طلب للكرامة، والعدالة، والمشاركة، وهي قيم إسلامية محضة.
وهذه القيم، التي طالبوا بها عبر العديد من الوسائط، جعلتهم يعرفون حقيقة المواطنة، وأن الحكومات العربية حكومات خادمة وليست حاكمة. ولهذا فأنا أرى أن التعليم الديني والثقافة الدينية بوسعهما تقديم أروع المساعدة لواقعنا لكي يتقدم ويلحق بركب الحضارة والإنسانية، دون أن يحدث ما يخاف منه المتشددون من أن نقلع جلدنا. أنا لا أخشى من تحول المسلمين إلى دين آخر، لأن معظمهم غير مؤهلين للتحول من دينهم إلى دين آخر.
أي دور يمكن أن يقوم به الدين في ظل الثورات العربية الراهنة؟
** نحن نأمل أن تتحول الجماعات الدينية السياسية إلى أحزاب عصرية تقوم بدورها في المجتمع، لأن تلك الجماعات الدينية ظلت لسنوات تحت الأرض، محظورة، ومتابعة، ومعتقلة، وهذا ما زادها تشددا وبعدا عن العصر. الآن هناك فرصة للانخراط في الحياة الديمقراطية، وتقبل تبادل السلطة، وتقبل الحكومات المدنية، واحترام الدستور، هناك أمل في أن تتحول إلى ما يشبه الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، الذي لا يطبق الإنجيل، ولكنه يستلهم القيم المسيحية. ليس لدينا أي مشكل في أن يجري استلهام القيم الإسلامية، لأنها قيمنا جميعا وليست قيم تلك الجماعات وحدها، ولكننا لا نرغب في أن تحكمنا بوسائل من القرون الوسطى، وتزعم أن هذا هو الإسلام، فلو حكمنا الإخوان المسلمون، مثلا، دون أن يغيروا من نظرتهم للمرأة، فهذه الأخيرة ستمنع من العديد من الأمور، وسيفرض عليها الحجاب، وستمنع من العمل في عدة مجالات، وستتحول إلى تابع للرجل، وهم يظنون أن هذا هو الإسلام، ولكننا نقول لهم هذا هو فهمكم للإسلام وليس هو الإسلام.
كاتب وباحث ليبرالي مصري، درس في الجامعات المغربية والجزائرية ما بين 1971 و1979.
اشتغل في مجال الأعمال لفترة، إذ كان خبيرا في شؤون البترول، وعاد للمجال الأكاديمي، بحيث أصدر أول مؤلفاته "أفكار ماركسية في الميزان" من المغرب، ليصدر بعدها ما يناهز عشرين مؤلفا بالعربية والانجليزية والفرنسية والإيطالية. حصل على العديد من الأوسمة والجوائز، أهمها جائزة "غريتران كافور" الإيطالية.
شارك في تأسيس قسم الدراسات القبطية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأطلقت كبرى جامعات كندا اسمه على منحة الماجستير والدكتوراه في العلاقات التاريخية اليهودية – الإسلامية.