عرف اللقاء الثاني من الحوار حول الثقافة المغربية، الذي نظم، أخيرا، بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، بدعوة من الكاتب والناقد محمد برادة، تقديم مجموعة من الورقات الغنية
وتروم هذه الورقات مجالات الثقافة الرقمية، والتشكيل، والسينما، والمسرح، والاستراتيجية الثقافية، وترشيد الحقل الثقافي وأسئلة الديمقراطية، من قبل بعض الكتاب والباحثين المغاربة، الذين رغبوا لهذا اللقاء الحواري أن يسهم بشكل فعلي في النقاش الثقافي الدائر اليوم في المغرب، والانخراط في مسلسل الإصلاح الجاري، عبر تقديم تصورات ورؤى حول الاستراتيجية الثقافية، التي يجب الاعتماد عليها مستقبلا في المغرب، والانتباه إلى صوت المثقف، الذي ظل مغيبا لسنوات في البلد.
وكما هو الشأن مع اللقاء الحواري الأول حول الثقافة، الذي نظم منذ ثلاثة أشهر، لم يتجاوز حضور اللقاء الحواري الثاني 30 شخصا، كما كشف الناقد محمد برادة، الداعي للقاء في تصريح لـ "المغربية"، وعزا الأمر إلى المثقف المغربي، الذي أصبح يعزف عن حضور أغلب اللقاءات الثقافية المهمة، كما لو أن أمر ثقافة بلده لا يعنيه.
وأكد برادة أن اللقاء الحواري الثاني كان خلية للتفكير حول الاستراتيجية الثقافية بالمغرب، وهي مسألة تحتاج إلى التفكير وإعادة التفكير، حتى تتبلور الأفكار والرؤى الصائبة، التي يمكن لها أن تخدم الشأن الثقافي العام، وأن تذهب به بعيدا، مضيفا أنه والمثقفين والكتاب الحاضربن في اللقاء الحواري، يرغبون في أن يكون مفتوحا أمام الجميع دون أي إطار يمأسس فعله الثقافي.د
وأشار برادة إلى أن الثقافة برأيه في حاجة إلى محفل دائم للتفكير وإعادة التفكير، وأنه لا يمكن حل مشاكلها على المدى القريب، بل على المدى البعيد، ولهذا فعلى الكل أن يسهم برأيه من أجل إغناء النقاش وتحديد التصورات الواضحة، والأفكار المناسبة للنهوض بالحقل الثقافي بالمغرب.
وحتى يتواصل النقاش الحواري حول الثقافة ولا تتباعد لقاءاته، تقرر عقد لقاء ثالث يوم 7 أبريل الجاري، وإحداث موقع إلكتروني للتواصل مع الكتاب والمثقفين المغاربة، وتمنى المشرفون على الحوار الثقافي أن يعرف اللقاء الثالث حضورا كبيرا من طرف الكتاب والمثقفين، حتى يجري توسيع دائرة النقاش. وفي افتتاحه لهذا اللقاء، أكد محمد برادة أهمية اللقاءات المفتوحة بين الكتاب والمثقفين المغاربة، التي تسعى إلى بلورة محددات عمل لاستراتيجية جديدة للثقافة المغربية، من خلال التفكير في إعادة بناء مفهوم الثقافة ودورها وغائيتها.
وقبل تقديم حسان بورقية، ومحمد أسليم، وعبد الرحمان العمراني، ورشيد المومني، ويوسف فاضل، وحمادي كيروم، وهشام فهمي، وعادل السمار، مجموعة من الأوراق الثقافية، انطلق نقاش مفتوح، استحضر اندراج هذا اللقاء في سياق عربي ومغربي جديد يقتضي المساندة والتأييد، ويفرض الدعوة إلى أن يكون الثقافي في قلب التحولات الراهنة، ويستدعي أن يقدم المثقف شيئا ملموسا لا ينحصر في بيانات التأييد والمساندة فحسب. وفي هذا الإطار، طرحت أسئلة حول الاتجاه الذي تسير فيه هذه اللقاءات، هل هي دراسات علمية لواقع الثقافة المغربية وتاريخها الحديث؟ وهل هي صياغة استراتيجية عملية وتقديم أوراق مطلبية؟ وهل هي حوارات مفتوحة حول الثقافة المغربية، دون غايات محددة مسبقا؟
"ترشيد الثقافي وأسئلة الديمقراطية" كان هو عنوان ورقة الشاعر رشيد المومني، الذي توقف في البداية عند الصراع التاريخي بين الثقافة الحداثية التقدمية والثقافة التقليدية، ثم حدد المقصود بترشيد الثقافي قبل أن ينتهي إلى الدعوة إلى بناء استراتيجية جديدة للثقافة تتأسس على رؤية تحديثية ديمقراطية تقطع مع الثقافة التقليدية، وتدفع في اتجاه استفادة جميع المواطنين، بمختلف لغاتهم وثقافاتهم ومناطقهم وفئاتهم العمرية، من الثقافي باعتباره عنصرا ضروريا للرقي والتحضر، مع ضرورة توفير البنيات التحتية والموارد البشرية الضرورية، ووضع النصوص التشريعية، التي تجعل الثقافي رافعة للتنمية وحقا من الحقوق.
وطرح يوسف فاضل مجموعة من الأسئلة حول المسرح المغربي، من أهمها: لماذا تدهور المسرح المغربي؟ لماذا تدعم السينما بسخاء دون المسرح، مع أن المسرح هو المرآة الحقيقية للديمقراطية؟ وماذا عن حقوق المؤلفين والكتاب وكتاب السيناريو؟
أما حمادي كيروم، فقدم ورقة حول بنيات اشتغال الحقل السينمائي، موضحا في البداية أن حقل السينما هو أحسن حقل ثقافي منتج الآن بالمغرب، ربما لأن السينما فرجة، ولأن الأجيال الجديدة تقبل على الفرجة أكثر مما تقرأ، مسجلا مجموعة من الملاحظات، من أهمها أن السينما بالمغرب عرفت أواخر القرن العشرين نوعا من الإبداع، لكن يبدو أن مشكل السينما بالمغرب في الوقت الحاضر هو الإبداع، رغم الدعم المالي الكبير.
ويعود السبب في ذلك، في نظر كيروم، إلى غياب الكتابة السينمائية، وغياب حوار بين المخرجين والمنتجين والكتب والأدباء، إضافة إلى تزايد اختفاء القاعات السينمائية، وغياب التكوين، وغياب الكتاب السينمائي والمجلة السينمائية، واستبدال الأندية السينمائية، التي كانت تؤدي دورا مهما في العقود السابقة بمهرجانات توهم بأن أشياء ضخمة تنجز في حقل السينما.
من جهته، قدم حسان بورقية ورقة حول الفنون التشكيلية، موضحا ضرورة إسماع صوت الفنان، والتشكيلي بالأخص، خاصة بعد أن تحولت بعض المعارض إلى مقابر للفن التشكيلي بالمغرب، مشيرا إلى غياب مجلات متخصصة في الفن التشكيلي، وإلى الاعتباطية والمزاجية، اللتين تتحكمان في المؤسسات الثقافية الرسمية، الجهوية على الأخص، مؤكدا أهمية الدور الذي تلعبه التربية والتعليم والجمعيات الثقافية، لافتا النظر إلى ضرورة مطالبة الدولة بتهييء مناخ مناسب للفنون والإبداع.
وقدم محمد أسليم ورقة تحت عنوان "الثقافة الشفوية والتراث الشعبي بالمغرب في ضوء الوسائط الجديدة" منطلقا في البداية من تحديد مفاهيم الثقافة الشفوية والتراث الشعبي، ومشيرا إلى الواقع الجديد الذي فرضه الحامل الإلكتروني، مستحضرا عصر ما قبل الرقمي وعصر الرقمية، متسائلا عن علاقة الثقافة الشفوية والتراث الشعبي بالحامل الإلكتروني، مستحضرا الدور الفعال للحامل الإلكتروني في النشر والتخزين والأرشفة، مستنكرا إهمال المؤسسات الثقافية الرسمية التابعة للدولة لدور الحامل الإلكتروني في الحفاظ على الذاكرة الشعبية.
وفي السياق نفسه، قدم عبد الرحمان العمراني ورقة تساءل فيها عن الوضع الاعتباري للمنتجين الثقافيين، وقدم هشام فهمي ورقة تساءل فيها، أيضا، عن معنى الاستراتيجية، فيما تناول عادل السمار موضوع الممارسة الثقافية والتدبير الثقافي، وتلته مناقشة من طرف الحضور أثارت العديد من الأسئلة والقضايا، من أهمها ضرورة تحديد المقصود بالاستراتيجية الثقافية، وضرورة الأخذ بعين الاعتبار سياق الاحتجاج الشبابي، وضرورة إشراك المثقف في الإصلاحات الراهنة واعتبار الثقافي رافعة للتنمية والتقدم، وضرورة تأسيس المجلس الأعلى للثقافة في ضوء التحولات الراهنة والإصلاحات الدستورية، كأعلى هيئة تسهر على تحقيق الحقوق الثقافية، وتسهر على دمقرطة الثقافة وتحقق الديمقراطية الثقافية.