معرض ‘جسور يوحد عشر تجارب تشكيلية بـباب منصور بمكناس

الأربعاء 30 مارس 2011 - 10:16

بعد نجاح معرضهم الجماعي الأخير، "جسور"، الذي نظم إلى 23 مارس الجاري، برواق المركب الثقافي سيدي بليوط بالدارالبيضاء يلتئم 5 تشكيليين و5 تشكيليات من قدماء طلبة مدرسة الفنون الجميلة بالدارالبيضاء، في معرض جماعي جديد

ويحتضن المغرض فضاء "باب منصور" التاريخي بمكناس إلى غاية 5 أبريل المقبل. ويندرج المعرض، الذي يشارك فيه كل من الفنان المخضرم، عبد السلام قباج، وإينو جويل، ورقية بيلا، وفاطمة بهاء، وعبد الحق سليم، وعبد العزيز قطبان، وحسن بحمان، وعبد المالك باطومي، وأمينة مدوني، وبهيجة أفراوسي، ضمن الحساسية الجديدة بكل تعبيراتها واتجاهاتها الفنية.

وقال منسق المعرض الفنان التشكيلي المغربي، عبد السلام قباج، إن "اختيار عنوان المعرض لم يكن اعتباطيا، وإنما تأسس على التواصل، فكلمة جسور، لها دلالات واضحة في الفن التصويري".

وأضاف في لقاء مع "المغربية" إن المغزى والهدف من المعرض هو بعث رسائل تحمل قيما إنسانية وجمالية وأخلاقية، مشيرا إلى أن الساحة التشكيلية، تشهد طفرة تنسجم مع ما يعرفه المغرب من تقدم على جميع الأصعدة. فالحدث الفني فرصة للتعبير عن تمثلات الديمقراطية المجتمعية، كما جسدها المشاركون في تجاربهم الخصبة، التي توزعت بين التجريدية والتشخيصية.

وأوضح قباج أن الفن في عموميته أصبح حاجة ملحة مثل الغذاء، ولم يعد يندرج ضمن عناصر الترف، وإنما هو جزء من الثقافة البصرية، مؤكدا أن جسور ينفرد بأعمال مختلفة وبخصوصية كل فنان، وتعامله مع الألوان والأشكال والتيمات المطروحة، وكيف يتمثل العالم، ومغامراته الصباغية ورؤيته للأشياء والكائنات.
وأبرز أن هذه التجربة الجماعية تتوحد في الزمن الفيزيقي، وتستلهم مواضيع من الحياة اليومية المغربية، مشيرا إلى أن الأعمال المعروضة بيان وسجل بصري يشهد على القيمة الفنية والجمالية للتشكيليين والتشكيليات، الذين توزعت تجاربهم بين الانطباعية والتشخيصية والتجريدية والرمزية.

على المستوى الجمالي، ترى الفنانة الفرنسية، إينو جويل، أن المعرض الجماعي جسور، "فضاء للتلاقي والتواصل بين خمس فنانات وخمسة فنانين، لتأكيد أن الفن يوحد ولا يفرق، يقرب ولا يبعد، لا يعترف لا بالفوارق ولا بالفواصل ولا بالحدود، وهو مجال فسيح يتسع للجميع، لا فرق فيه بين ذكر وأنثى فـ"أبواب بلاد الفن مفتوحة في وجه كل ذات حساسة وخلاقة".

فإذا كان الفنانون المستقبليون انتصروا في بياناتهم وأعمالهم لجمال السرعة والتقنية، فإن عبد السلام قباج، الفنان المخضرم، الذي نظم أول معرض بفرنسا يعود إلى سنة 1959، ينشد جمال الأصيل في الأشياء والكائنات، منطلقا من الوحدات البصرية لواقعه المحيط به، فأعماله استلهام لمواقف الصبا والطفولة. فانشغاله بالكائنات البحرية مرده إلى قربه من البحر، حيث قضى زمن طفولته بمدينة الجديدة.

مقتربه البصري يدفع المتلقي المتذوق بأن يبحث عن المعاني الضمنية بالعقل والحدس معا. جمع قباج في تجربته التصويرية بين الانطباع التأثري، والاختزال التشكيلي، والجمال الصافي الموضوعي، وفعل اللون على الحواس والاستيحاء البلاغي، إذ يتخذ العمل الفني في هذا السياق العام موضع النوطة الموسيقية الترميزية لتحويل المشاهد من عالم القلق إلى عالم الانتشاء والابتهاج.

يقتنع المتأمل في أعمال قباج أيما اقتناع، بأن الفعل التشكيلي يخضع تماما لقول كاندنسكي، مؤسس اتجاه الفارس الأزرق ورائد الفن التجريدي" لابد من التعبير عن الحاجة الداخلية، إذ يبدو تناغم الألوان والأشكال حصيلة الاحتكاك الفعال مع الروح البشرية".

خارج مدارات اللافن، نجد قباج ملتزما بأسلوب اعتدالي يحفز المشاهد على التأمل الهادئ لما تتضمنه الصور الفنية من أشكال انزياحية خارج المألوف والمنمط والمعقد، أشكال تزيد من حبنا للحياة وتمنحنا الحق في الحلم والخيال.

استأثرت أعمال قباج بمشاهد الطبيعة الثانية (البحرية) الحلمية، فكانت، بالقوة والفعل، عتبة لولوج أعمال المشهد الخفي في حياتنا اليومية بكل قيمه الذاتية والانطباعية، إذ يصبح الشكل الشاذ هو المنظور الحقيقي للعمل الفني، ويغدو معه اللون هو "البناء والأداة معا".
يذكرنا مقترب قباج بمنجز موريس دوني، زعيم الرمزيين، الذي تخلى عن كل ما هو مادي، وكل ما هو نظري وجبري في عالم الجمال، متخذا موقفا من الطبيعة يقود إلى واقع "يقع خلف المدركات الحسية"، بدوره، يفسح قباج المجال للبحث في ما وراء الواقع والحاضر المألوف، ويذكرنا بقول موريس دوني"إن على التصوير أن يوحي دون أن يعرف، فالطبيعة ليست إلا مجرد صدفة".

نحن بصدد منعطف جديد على مستوى الإدراك الجمالي، فالفن، هاهنا، ليس تكرارا للماضي أو محاكاة حرفية للواقع. إنه رمز وأثر وعلامة على الذاكرة الفردية والجماعية، إذ يظل الرهان النوعي هو تقديم لغة بصرية لا تحنط الماضي، ولا تجعل منه تحفة ميتة.

يولي قباج اهتماما خاصا لملكة الخيال في زمن السرعة الآلية، وأن الإبداع من منظوره الخاص تعبير رمزي حر عما اختمر في العقل والوجدان، بأسلوب جريء وتلقائي يختزل عناصره الجوهرية المنسابة.

في هذا المعرض، تعيد المجموعة التي ينتمي جل أعضائها إلى مدرسة الفنون الجميلة بالدارالبيضاء، إحياء الزمن بكل مداه، وتكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة (5 / 5) أعمال حية متجددة في الحاضر والمستقبل، نستشعر معها الحياة وهي تمارس طقس الانبعاث على طريقة طائر الفينق، الذي ينهض من رماده. هذا هو الدرس الجمالي الذي نستخلصه من معرض جسور.




تابعونا على فيسبوك