مدخل:
اربطوا أوجاعكم واستعدوا ..فسيل البوح/النزف جارف هذه المرة ...! ولا تنسوا أن تتأملوا ففي الحكاية ينفع التأمل...!
العاشر من دجنبر وشهادة ميلاد ملاك من رحم أنثى...!
قبل الصرخة بشهور ليست بالكثيرة كنت أحاورها و تتجاوب معي بحركات متقطعة، تتحرك قليلا وتصمت طويلا ... وكأنها تعودني على ألا أفرح كثيرا فأبكي أكثر ..
وحان وقت اللقاء ولم تأت..
ما بالها..؟؟ّ
أأحبت الجو المشيمي المحاطة به؟؟
أم أنها غير مستعدة لخوض معركة الحياة..؟؟
أم ماذا...؟؟
الدقائق صارت مفزعة
التكتكات متسارعة
والضغط مرتفع، مرتفع، مرتفع..!
كل هذا وتلك الزهرة ترفض أن تتفتح في حياتي...!
توسلتها
وتوسلتها
وتوسلتها...
وأخيرا في اليوم العاشر من دجنبر على الساعة العاشرة فرحا
استجابت وصرخت بوجهي...!
يآ الله..!
ما هذا...؟؟
فتحت عيني بعد مخاض يسير على ملاك سبحان من جمّلها..!
معجزة يوسف تكررت في ملامح أنثى ازدان بها فراشي...
ضممتها، قبلتها، تناسيت رفضها المجيء...
معها الممتنع صار سهلا
والعسير صار يسيرا
والرزق تدفق علينا من حيث لم نحتسب...
- ثلاثة أشهر بعد الميلاد والصفعة الأولى من كف القدر...!
في أيامها الأولى كانت تنظر إلينا وكأنها ليست حديثة الولادة
بعينين ثاقبتين، مبتسمتين، فرحتين، حزينتين، باكيتين، شاكيتين...
استنجدت صمتها أن ينطق
وهيأت دقات قلبي على أن تتسع الفرحة...
فنطقت وكانت أول كلمة يرددها لسانها إييييييييييش..! اييييييييييش..!
كنا نضحك كثيرا فالكلمة أصولها أمازيغية
ولها معنى عميق جمع بين الحسرة والتأسف...
أصبح لسانها ينطق ب ..مّ ...بّ ...ت ّ وكثيرا ب ايييييييييش...!!
استمرت الأيام والفرحة لم تكن لتسع بيتنا الصغير
وفي يوم من الأيام أصيبت بزكام، ليس كما الذي عهدناه شيء مثل الكحة
لا تتوقف ورعشة جسم تهتز لها القلوب...
حملناها وذهبنا عند أول طبيب صادفناه ليخبرنا ببرودة عارمة: لا تقلقوا إنه مجرد زكام وسيزول بالدواء...
قلبي لم يطمئن فالمدينة السعيدة لا يتوفر فيها أطباء مختصون
سافرنا بها الى مدينة أخرى ومن حسن /سوء الحظ الطبيبة المختصة كانت في إجازة...
يا ويلي ما هذا؟؟
أدخلناها المستشفى وقيل لنا نفس الكلام واستسلمنا ورجعنا إلى البيت وخيبة كانت تملأ قلبينا دون أن نتكلم...
أخذت الدواء ونامت طفلتي الملائكية بعد 48 ساعة من السعال الغريب، الذي لزمها دون توقف...
وبعد ما أفاقت وكأن شيئا لم يكن.. ومن يومها الحالة بدأت في التدهور ...
- الشهر التاسع بعد الميلاد وفطام / فصال لا يُغتفر...!
توالت الليالي والأيام والشهور والطفلة ملائكية تزداد جمالا يوما بعد يوم ..
لكن شيئا ما كان يقلقنا كانت تخطو خطوة
ونحس أنها ترجع إلى الخلف خطوتين
أخذناها إلى أكبر الأطباء خبرة ووُضعت تحت آلات لم أكن على علم بوجودها
الا بعدما عايشت التجربة ...وأجمل بل أمر ما في الأمر أن كل طبيب أو طبيبة
رأى تلك الطفلة يألفها ونرجعها إليه مرة ومرتين وثلاث ...
وأخيرا جرى تشخيص الحالة إلى حد ما "مشاكل بالدماغ و نوبات" تأتيها خفية في الليالي البائسة وهي نائمة...
لم أصدق الأمر دمعي كان عصياً يكابر لا ينهمر حين حين..! حين صفعت بالخبر..! حين صعقت بالخبر..!
أول ما خطر على بالي في تلك اللحظة كلمة اييييششششش...!! التي كانت ترددها
و كأنها تقول إن الحلم سيخوننا
استعذنا بالله من الشيطان الرجيم وسلكنا درب الصبر على مشيئته ودعينا لها كثيرا
...
بعد أسابيع من المعاناة بين الأطباء والآلات أتت لحظة الجريمة الفاعلها: أنا والدولة..
الدولة لم ترحمني بأن تبني مراكز صحية تخص حالتها... ولم ترحمني بأن فرقت بيننا بإبعادي عنها مئات الكيلومترات لأدرّس لأبناء غيرها...
و لم ترحمني بأن جعلت التكاليف باهظة لكل شيء، ويد واحدة لا تُصفق...!
فكان السبيل هو ارتكاب جرم الفطام في حق الملقبة بالطفلة الملائكية مع سبق الإصرار والترصد...
لم أكن لأقبل بذلك الجرم المشين لولا اليقين أن حياتها ووأدي به
أتذكر حين أردت السفر إلى مدينة عملي حملتها وكانت سعيدة جدا وقبلتني ... نعم قبلتني بحرارة ظنا منها أننا سنخرج سويا ... لم تكن تعلم أن الجنازة ستشيع لجسدي إلا روحه وقلبي إلا نبضه
وها هي ذي السنة الرابعة ولم نحصل على حقنا المشروع بلم شملنا...
مخرج:
ليس العذاب أن أعيش بعيدة عن طفلتي الملائكية، بل العذاب رؤية أطفال بعمرها.. أعلمتم كم بيومي أشقى ؟ وكم بخروجي عن حائطي أفنى
(احتضنوا حروفي بالكثير من الدعاء)