تستقطب مدينة زاكورة، على مدى ثلاثة أيام، 19 و20 و21 مارس الجاري، مجموعة من الشعراء العرب، والمغاربة، والأفارقة، في تظاهرتين ثقافيتين مهمتين
الأولى تتعلق بالدورة الأولى من المهرجان العربي الإفريقي، الذي ينظمه بيت الشعر في المغرب بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، وعمالة إقليم زاكورة ومجلسها البلدي، والثانية بالاحتفال باليوم العالمي للشعر، الذي دعا له بيت الشعر في المغرب، واستجابت له اليونسكو وحددت 21 مارس من كل سنة تاريخا له، واختار البيت تنظيمه هذه السنة بمدينة زاكورة لإبراز البعد الإفريقي والإنساني للمدينة، التي كانت محطة عبور من شمال المغرب إلى جنوبه.
ويشارك في الاحتفال باليوم العالمي للشعر، الذي عمل بيت الشعر في المغرب، في السنوات الأخيرة، على تنظيم تظاهرته المركزية في إحدى المدن المغربية، كل من الشعراء: رشا عمران من سوريا، وكاما سيور كاماندا من الكونغو، وأحمد الشهاوي من مصر، وأحمد بلحاج آيت وارهام، وحسن الوزاني، ونبيل منصر، وجلال الحكماوي، من المغرب، الذين سيقدمون قراءات شعرية بدار الثقافة بالمدينة وبثانوية "سيدي أحمد بناصر"، التي سيهديها البيت مكتبة شعرية مكونة من (مائة ديوان/ مائة شاعر)، إضافة إلى قراءة كلمة بيت الشعر بهذه المناسبة، وكلمة الشاعرة الإسبانية كلارا خانيس الخاصة باليوم العالمي للشعر.
فبعد بني ملال، والراشيدية، ومراكش السنة الماضية، ها هو الدور اليوم يأتي على مدينة زاكورة، التي تحتضن الاحتفال المركزي باليوم العالمي للشعر والدورة الأولى من المهرجان العربي الإفريقي، كما قال مراد القادري كاتب عام البيت، بهدف تسليط الضوء على هذه المدينة الجنوبية، التي لم يجر اختيارها اعتباطا، بل لكون المكون الزنجي بارز فيها بشكل كبير، ولكونها كانت نقطة عبور بين الشمال والجنوب في فترة الحكم السعدي، وكان لها دور تاريخي وإنساني كبير.
وحول المهرجان العربي الإفريقي، الذي ينظم دورته الأولى بيت الشعر في المغرب بمدينة زاكورة بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، وعمالة إقليم زاكورة ومجلسها البلدي، في غياب أي دعم لوكالة تنمية الأقاليم الجنوبية، ووزارة السياحة، اللتين لم تستجيبا لطلب البيت، صرح مراد القادري، لـ "المغربية"، أن البيت شرف بدعم شركائه الجدد، خاصة الصندوق العربي للثقافة والفنون، الذي يوجد مقره ببيروت، الذي آمن بهذا المشروع الثقافي وسانده، لما له من فضل في جمع المدونة الشعرية العربية مع المدونة الشعرية الإفريقية.
وأوضح القادري أن "المهرجان العربي الإفريقي صيغة ثقافية جديدة تحل محل المهرجان العالمي للشعر، في ولاية الشاعر نجيب خداري وحسب، في انتظار عقد الجمع العام في شهر يونيو المقبل، والحسم في مجموعة من الأنشطة والتظاهرات الثقافية، التي مضت عليها 14 سنة، تاريخ البيت، والتي استنفذت صيغها، وأصبح لزاما التفكير في صيغ بديلة لها، لإعطاء نفس جديد للبيت ولأنشطته الشعرية، التي تهدف، بالأساس، إلى إعادة الاعتبار للشعر والشعراء بالمغرب".
وأشار القادري إلى أن عدم الالتفات إلى البعد الإفريقي في جميع المجالات بالمغرب، وعلى رأسها المجال الثقافي، جلب الكثير من الويلات للمغرب، وأصبح المغرب معزولا عن القارة الإفريقية، موضحة أن الثقافة بكل أشكالها وتعابيرها يمكن أن تلعب دورا كبيرا في عقد العديد من التصالحات، وفي فك العديد من الالتباسات، التي ربما لا ينتبه إليها السياسي.
ويتضمن برنامج الدورة الأولى من المهرجان العربي الإفريقي ندوة حول "الزنوجة في الشعر العربي"، يشارك فيها كل من النقاد: محمد عبد المطلب من مصر، ورشا ناصر العلي من سوريا، وبنعيسى بوحمالة، ومصطفى الشاذلي، ويوسف ناوري من المغرب، ويدير الجلسة خالد بلقاسم. ولحظات تكريمية لكل من الشعراء: محمد بنطلحة من المغرب، وبول داكيو من الكامرون، ومحمد الغزي من تونس، إضافة إلى قراءات شعرية بدار الثقافة بزاكورة، وبجماعة "فزواطة تلال تنفو"، يشارك فيها كل من الشعراء الأجانب: حسن طلب من مصر، ومحمد الغزي من تونس، وبول داكيو من الكامرون، ورشا عمران من سوريا، وأحمد الشهاوي من مصر، وماروبا فال من السينغال، وعيسى مخلوف
من لبنان، وفريديريك باسيري تيتينكا من بوركينا فاسو، وكاما سيور كاماندا
من الكونغو، إلى جانب الشعراء المغاربة: محمد بنطلحة، وأحمد بلحاج آيت وارهام، وعلال الحجام، ورشيد المومني، وأحمد لمسيح، وحسن الوزاني، وأحمد عصيد.
خص الشاعر الكامروني، بول داكيو، مهرجان الشعر العربي الإفريقي، الذي تحتضنه مدينة زاكورة، يومي 19 و20 مارس الجاري، بالكلمة التالية:
"كان الشعر ومازال سفرا للإنسان من أجل ذاته ليقترب من ذهب الجمال الجواني، وليمدّ يده نحو الآخر المختلف. يحمل الشعر تحت قناع المتخيل مخاوف الشاعر وأسئلته، أحلامه وآماله. هذا الشاعر الذي يقتسم في دواخله انشغالات الإنسانية، التي وسمت بميسمها أسطورته الشخصية. يملك حامل نار الشعر إذن امتياز ليّ عنق الأفكار الجاهزة واليقينيّات البرّاقة، التي تهدّد السير العادل لمجتمعاتنا. وهكذا لا يتمثّل دوره في إيجاد الحلول المادية للمشاكل التي تقض مضجعنا في الحياة اليوميّة، بل في إيقاد نار النقاش الفعّال.
نحتفي اليوم باليوم العالمي للشعر، الذي يعود فضل الاحتفاء به عالميّا إلى المغرب، مادام الاحتفاء بالشعر والشعراء عملة نادرة عبر العالم. قال أحد الفائزين بجائزة نوبل في العاشر من دجنبر 1960: "هنا لا يحتفى بالشعر، لأن القطيعة تزداد حدة بين الشعر وبين نشاط مجتمع يخضع لعبودية المادة. هذه الهوّة يقبلها الشاعر لكنه لا يبحث عنها، والشيء نفسه يعيشه رجل العلم دون الممارسة التطبيقيّة للعلوم. لكنّنا نحتفي هنا في حالتي الشاعر والعالم بالفكر الخالص. لذلك لا ينبغي النظر إليهما كإخوة أعداء، لأنّ سؤالهما واحد على شفا الهاوية نفسها. وما يفرق بينهما فقط هو طريقة البحث والإبداع".
نحيّي بهذه المناسبة، أيضا، العمل العميق الذي يقوم به بيت الشعر في المغرب. ونرحبّ باسم الشعر بالشعراء الذي تعبّأوا اليوم حول الشعر الذي يعني الخلق والتغيير بالفعل اليوميّ والفنّي، فبالنسبة لقارّتنا الإفريقيّة اليوم وغدا، يمكن للشعر أن يصبح ملاذا لإنسانيّة جديدة محرّرة من كل عصبيّة متطرّفة في سفر العبور اللامنتهي، وأن يعتبر صيرورة وقفزة إبداعيّة تبني أسسا إفريقية جديدة نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم.
من أجل إفريقيا اليوم وغدا، يحمل الشاعر زوّادة أحلامه ورؤاه، مشعلا صدى أمل في آلاف الأرواح، التي تنتظر تحريرا حقيقيّا من أجل قارة إفريقيّة موحّدة، متعدّدة وخلاّقة".
كلمة الشاعرة الإسبانية، كلارا خانيس، الخاصة باليوم العالمي للشعر
21 مارس 2011:
"في لحظة مثل اللحظة الراهنة، حيث توجد القوى المتعارضة في فوضى، ترجح كفة الميزان باتجاه البحث عن وضعية أكثر عدلا، وتستمر في مواجهة عوائق كثيرة، فإن الشعر يصير متنفسا ودليلا، إنه شبيه بمصباح متوهج يلتمع في العتمة.
للكلمة الشعرية اليوم غاية يجب أن تحققها، وعلى الأخص كلما ضايقتنا الكلمة الفارغة والمخادعة التي تولد من فائض المعلومات، ومن ابتذال الأحداث، ومن زخرف الرداءة المتملق للأغلبية في زيف، كل هذا قد خلق ما حدده جياني فاتيمو على اعتبار أنه "الفكر الهزيل"، ثمرة لـ "بابل إعلامي"، ولذلك لم تبد هذه المقاطع الشعرية لأدونيس أكثر راهنية مثلما هي عليه الآن:
بابلُ جئنا
نبني مُلكاً آخرَ، جئنا
نعلن أنَّ الشِّعْرَ يقينٌ
والخرْقَ نِظامٌ
هو ذا نجمٌ
يتوهَّجُ بين كواحلنا
ثقة بجحيم خُطانا
ثقة بفضاءٍ
يتناسَلُ ملْءَ حناجرِنا
(قصيدة بابل)
إن كان الشعر خرقا، فلأن النظام القائم يحاول أن يبعد الإنسان عن حقيقة واقعه، تلك التي توحد كينونته الخاصة بكينونة المشهد – الفضاء –، وبكينونة اللحظة، وبكينونة باقي الكائنات البشرية التي يجب عليه أن يبني معها الحياة. الشاعرُ الحِقُّ، ذاك الذي يبحث في سعيه خلف الكلمة إلى تعميقها لكي يجعلها تشتغل وتنتفض ضد "الفكر الهزيل"، ويرتفع تصريح غاندي الذي عدت إليه في أكثر من مناسبة: "الشعر مقاومة سلمية لامتناهية". بهذه العبارة كان غاندي يموضع الإبداع الشعري في الحياة المشتركة، على العكس من أفلاطون في "جمهوريته" كان يفتح الباب للشاعر، وبودٍّ يكشف له عن إمكانية مشاركته في الحقل السياسي والاجتماعي. لم يكن يفعل ذلك استنادا إلى الصُّدفة، وإنما لأنه كان يحدس أن حقيقته تصيب ما هو أبعد من العقل.
إن كان الشعر يستطيع أن يكون شكلا من المقاومة السلمية، أي سلاحا للكفاح، فإن ذلك يعود تحديدا وبالدرجة الأولى لحقيقته. وهو بدوره يجبر من يكتبه أو من يستعيره أن يتحول إلى حصن للحقيقة، وأن يكون غير قابل للارتشاء، ولذلك يضيف غاندي أن الشعر "هو شكل لامتناه لعدم الرِّضى، لأنه في المجتمع، وفي العالم، وفي الواقع هناك من رغبوا في فرض أشياء علينا وفي الكذب [...] إن الشعر ينتفض ضد استبداد التاريخ، وضد استعمار الأذهان عبر الأيديولوجيات، وضد تعصب الأديان، وضد كل أشكال التعصب".
الشعر لأجل هذا بالذات، إضافة إلى كونه واثقا وسخيا وصريحا وعميقا وراسخا، فهو قلعة مفتوحة لكل من هو مستعد لمواصلة الطريق الصعب للوفاء الأشد إلحاحا، وهو أيضا تيار خفي من مياه صافية حيث كل شيء شفافية معدة للتماثل والتآخي.
إن مياه الشعر ليست خارجية – ولهذا لا تتعكر بالتعدد –، مياه الشعر توجد في الداخل، وانطلاقا من الداخل، من أناه سيساهم الشعر في بناء الحياة، ولهذا يرُجُّنا دَوْماً قول محمود درويش: "سجل أنا عربيّ": فهو يُخْبرُ بخفقان قلبه الذي يجعل قلوب الآخرين مستعدة للخفقان، وهكذا يتحولُ عبر هويته كلِّها إلى شهادةٍ على قدرة الإنسان في الكشف عن ذاته، أهم قدرات فيه، وهي تلك القدرة التي تتيح له نماءً لاحقا.
يُصِرُّ الشَّاعر أنطونيو غامونيدا على أنَّ الشعر "يكثف الوعي"، وأنه بحيويةٍ يُرسِّخُ في الوعي المتوحدِ مع الفكر ذلك التحديدَ الذاتي، ذلك الاندفاع الذي يمضي بالكائن البشري إلى البحث عن تحققه الكامل، ونشر كل مواهبه، وفي المسار الذي يتضمن ذلك تضطلع الكلمة بوظيفة سامية جدا. بدءا، فعلاقة الكلمة بالوعي وبالفكر حميمة، وعليه فهي التي تحدد كيف يمكن أن يكون – الفكر– متلاشيا، وهي التي تقوده نحو تبلوره الخاص وتضعه في العالم. إن الشاعر بطريقته في الإفصاح عن استمالاته لا يساهم فقط في تكثيف الوعي وإنما يتيح من خلال القوة التي يهبها للكلمة أن تصير هذه بمثابة تعاويذ ضد الشَّرِّ الأخلاقيِّ، وأن تمارسَ فعلها أمام تدنيس العدالة، وأمام العنف، وأن تذكرنا بمسؤولياتنا. فالشعر هو أيضا وبالنتيجة حامٍ للحركة الإنسانية وشكلٌ لتحقيق المصالحة والعزاء، وفي هذا الاتجاه يجب أن تجري الإشارة إلى الجمال الذي يولده وإلى هبته المهدئة.
لقد كتب دستويفسكي: "الجمال هو الذي سينقذ الأرض"، فالجمال هو شكل من الأمل، يتيح لنا أن نرى أفقا مختلفا عن الأفق العادي، ويموضعنا أمام الكمال، وبشكل ما أمام الممكن في الاستحالة الظاهرية. الشعر يكشف هذا ويغدو فضلا عن ذلك صلاة يومية توطد الإيمان، أجل، يغدو مصباحا متوهجا في العتمة، والإيمان هو الذي يحرك الجبال، لم يتخلَّ الشاعر الفارسي الكبير للقرن العشرين أحمد شاملو – الذي توفي عام 2000– والذي لم ير الأحداث الراهنة، عن تذكيرنا بهذا في أبياته الشعرية:
"أظنُّ
أنَّ قلبي لم يكن قطُّ
هكذا
جدَّ أحمرَ وجدَّ مُشتعلٍ:
أحِسُّ
أنه في أسوإ الهُنيهاتِ مِنْ ليلِ المَوْتى هذا
هنالك آلافٌ مِنْ ينابيع الشَّمْس
تتدفقُ
من اليقين، في قلبي؛
أحِسُّ
في كلِّ مُنعطفٍ وزاويةٍ من فلاةِ اليأسِ هذه
هنالك آلافُ الغاباتِ الغضةِ
تنبثقُ
مِنَ الأرْض فجأةً".
في هذه اللحظة، آلافُ الغاباتِ الغضَّةِ تنبثق، فلنضِئْ نُسْغها، فلنغذيها بمياهِ الكلمة ِالأصْفى".