يحتل موضوع تجديد الخطاب الإسلامي في الوقت الراهن أهمية قصوى، خاصة في ظل التغيرات الجوهرية، التي يشهدها العالم، الذي أصبح عالما مترابط الحلقات، لا مجال فيه للانعزال والانغلاق
وتحديدا بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، الكارثة الإنسانية التي كشفت عن تناقضات مرعبة، كان يختزنها القرن الماضي، وذيوع أفكار ظلامية وإرهابية لا علاقة لها بالإسلام، الدين السمح، الذي ينبذ العنف وقتل النفس من غير وجه حق.
إن النقاش الدائر اليوم حول الإسلام والإرهاب، ليس نقاشا فكريا فقط، يتعلق بتجديد القيم الأساسية، التي تحكم المجتمعات الإسلامية والغايات، التي تقوم عليها هذه المجتمعات الحديثة، بل هو نقاش سياسي، إذ أصبح الإسلام محط اهتمام الفاعلين السياسيين في العالم، والشاغل الأكبر لمختلف وسائل الإعلام العالمية، التي تتحدث عن الكثير من الأمور، التي تربط الإسلام بالعنف والإرهاب، وترى أن الدين الإسلامي غير قابل للتجديد والتأقلم مع روح العصر.
وانطلاقا من هذا الموضوع والطروحات والمخاوف المصاحبة له، يحاول كتاب "تجديد الخطاب الإسلامي وتحديات الحداثة"، الصادر حديثا عن "دار إفريقيا الشرق" بالدار البيضاء، للكاتبين عبد الجليل أبو المـجد، وعبد العالي حارث، بحث دلالة الخطاب الإسلامي ومقوماته، وخصائصه، ومعوقاته، وآليات إصلاحه، قبل بيان الوجه الآخر للحداثة الغربية، التي هي الشغل الشاغل لدول العالم عموما، والمجتمعات العربية الإسلامية خصوصا، والكشف عن الالتباس، وسوء الفهم اللذين شاعا في الكثير من الكتابات المعاصرة حول الحداثة.
كما يحاول الباحثان في هذا الكتاب المشترك، تقديم إجابات عن بعض التساؤلات الملحة، والمطروحة في الآونة الأخيرة والمتعلقة بالخطاب الإسلامي مثل: ما المقصود بالخطاب الإسلامي؟ ولماذا التجديد؟ وما هي أهدافه؟ وكيف السبيل إلى تجديد وإصلاح الخطاب الديني الإسلامي؟ وما أهمية تجديد الخطاب الإسلامي؟ وما علاقة الإسلام بالحداثة؟ وهل هناك تعارض بين الإسلام والحداثة؟ ولماذا لا يتجدد الفكر والخطاب الإسلاميين باستمرار؟ وهل فعلا يعاني الخطاب الإسلامي من أزمة؟ وإلى أي حد يمكن الرهان على خطاب الأصالة والمعاصرة في واقعنا الحالي للخروج من المأزق الحالي؟
يتوزع كتاب "تجديد الخطاب الإسلامي وتحديات الحداثة" للباحثين عبد الجليل أبو المـجد، وعبد العالي حارث، الواقع في 134 صفحة من الحجم المتوسط، إلى مقدمة وخاتمة عامة، وأربعة فصول، يتناول الأول منها مفهوم الخطاب وبحث دلالة الخطاب الإسلامي ومقوماته، إضافة إلى تناول قضية تجديد الخطاب الديني، والثاني يبحث مسألة الاجتهاد والتجديد، والمشاكل الشائكة والمعقدة، التي بات الإسلام يواجهها، والتي تعترض مسيرة التحديث في ظل المد الجارف للعولمة.
أما الفصل الثالث فيتطرق فيه الباحثان إلى الحداثة كأحد التحديات في العالم بشكل عام، وفي المجتمعات الإسلامية بشكل خاص، والمجتمعات التي تضع استكمال عملية التحديث على رأس الأولويات. وفي الفصل الرابع تتطرق الدراسة لجدلية التراث والحداثة ورهان الأصالة والمعاصرة، وثنائيات الصراع والتناقض، التي تغذي الفكر العربي، والتي قسمت المجتمع العربي إلى خصمين متصارعين.
وللخروج من هذا المأزق ومن براثن الفكر الجامد، الذي ساد منذ منتصف القرن الثالث الهجري، والذي ما زالت تأثيراته حاضرة بقوة في الواقع المعيش، خلص الباحثان، عبد الجليل أبو المجد وعبد العالي حارث، في الخاتمة العامة لكتابهما المشترك، إلى أن المطلوب هو "تفكير ديني قائم، توعية وإرشادا، على مقاصد الشريعة ومراعاة متغيرات الواقع ومستجدات العصر، والعلاقات بين الأفراد والجماعات، وبلورة اجتهادات تسير إلى الأمام بدل الرجوع إلى الوراء، وتكرار أحكام فقهية قديمة وتنزيلها على واقع مغاير".
وأضافا أنه حتى يتسنى للخطاب الإسلامي أن ينهض بدوره في هذا المجال، فإنه ينبغي أن يكون متحليا بالشجاعة الفكرية والجهد والتعمق في العلوم الشرعية والاجتماعية والاقتصادية، بهدف تقديم خطاب ديني تجديدي، واقعي وموضوعي، يساير العصر ومتجاوب مع طموحات ومتطلبات المجتمعات الإسلامية الحديثة.
وأوضحا "على الخطاب الإسلامي، في إطار سعيه للتجديد، أن يكون في صلب المساهمة في بذل الجهد لاستيعاب القيم التراثية وتحديثها وتأويلها بشكل يجعلها في خدمة مشروع التحديث وإصلاح الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية.
وعلى الخطاب الإسلامي التمييز بين السياسي والديني واستيعاب دروس الماضي، لأن من نتائج أعمال خلط السياسة بالدين وعدم فهم العصر والمجتمع أو عدم القدرة على استيعاب المتغيرات والدروس ومتطلبات الزمان والمكان، تؤدي لا محالة إلى الكارثة".
وأشارا إلى أنه يجب على الخطاب الإسلامي أن يكون رافدا من روافد التنمية والاهتمام بكرامة الإنسان، وأن يخاطب العقل، ويظهر الوعي المطلوب لحاجات الأمة الإسلامية في الإنتاج والتقدم الصناعي والزراعي، ومواكبة التكنولوجيات الحديثة وتنميتها، والأخذ بالأسباب التي أدت إلى تفوق الغرب، وهذا كله رهين، حسب هذه الدراسة المشتركة، بتوفر رؤية معاصرة مستنبطة من روح النصوص الدينية، تواجه تحديات الحداثة والعولمة، التي تطرح أمام المجتمعات العربية الإسلامية.