الرباط تتنفس فنا وتفتح أروقتها ومحترفاتها أمام الزوار

الثلاثاء 08 مارس 2011 - 09:36
فضاء العرض الذي دشن بالمناسبة بأحد فنادق الرباط (خاص)

الرباط تتنفس فنا، كانت هي العبارة التي ردده متتبعو اللقاءات الثانية للفن المعاصر. التي نظمتها مجموعة "ماروك بريميوم" أيام 4 و5 و6 مارس الجاري بالرباط.

وهي اللقاءات، التي غيرت نسبيا من إيقاع العاصمة في نهاية الأسبوع، إذ لم يغاذرها الفنانون والمهتمون من نقاد وإعلاميين، كما عادتهم في نهاية كل أسبوع، بل تتبعوا كل لحظاتها، وزاروا محترفات فنانيها، الذي نادرا ما يفتحون مراسمهم للزاوار، وشاركوا في ورشات الرسم مع الأطفال في "حديقة الورود" بالفندق، التي تحولت إلى مشتل للإبداع والفن، واحتضنت تنصيبات عدد من الفنانين، الذين لم تغفل عن بالهم قضايا الساعة والتقلبات التي تشهدها المجتمعات العربية.

الفن المعاصر بكل أشكاله كان حاضرا على مدى ثلاثة أيام (الرسم، والتنصيب، والتصوير، والفيديو، والنحت، والمهارات أو ما يعرف بـ "performance")، أو لنقل الفن في كل حالاته، وجد له مكانا في العاصمة الرباط، بعد تجربة أولى السنة الماضية في مدينتي الجديدة وأزمور، التي عرفت مشاركة 60 فنانا مغربيا، في حين عرفت اللقاءات الثانية للفن المعاصر بالرباط مشاركة ما يناهز 100 فنان، ما يدل على نجاح هذه التظاهرة الفنية الكبرى، التي تعرف إقبالا كبيرا، ويعتمد القيمون عليها على إمكانياتهم الخاصة، وعلى دعم القطاع الخاص، مادامت وزارة الثقافة، الوصية على القطاع، لم تعر اهتماما لكل المراسلات الموجهة إليها بهذا الخصوص، كما قالت ميشال ديسموت، عن "ماروك بريميوم" في الندوة الصحفية، التي نظمت يوم الجمعة الماضي، للتعريف بهذه التظاهرة وبشركائها.

تدشين مركز الفن المعاصر بالصويرة في أبريل

من جهته، أعلن مصطفى الرملي، المنسق العام للتظاهرة، أن الهدف من هذه اللقاءات الفنية هو فتح الحوار واللقاء المباشر بين الفنانين أنفسهم، وبينهم وبين الجمهور، خاصة أن الفن التشكيلي وما يصاحبه من أشكال فنية بدأ يعرف فورة في المغرب، ويحتاج إلى من يعرف به بالشكل اللائق، مشيرا إلى أنهم اختاروا تنظيم هذه التظاهرة مرة كل سنة لتسليط الضوء على مدينة معينة، والتعريف بطاقاتها الفنية، من خلال تنظيم زيارة لمراسم فنانيها ومحترفاتهم، وتقديم أعمالهم من خلال عروض فنية في مختلف الأروقة والأماكن الصالحة للعرض.

وأضاف الرملي أن المغرب سيعرف في نهاية شهر أبريل المقبل، حدثا مهما، يتجلى في تدشين مركز الفن المعاصر بالصويرة، الذي يديره، ويرى أنه سيعطي دفعة قوية للفن المغربي، ما دام سيهتم بالعرض المستمر للأعمال الفنية المغربية، وسيخصص إقامات فنية، وسيفسح المجال للفنانين المغاربة للاشتغال على مشاريعهم بكل حرية.

أما عز الدين عبد الوهابي، مندوب المعرض، فذكر أن هذه التظاهرة الفنية المنظمة بالرباط تحت شعار الحوار والتعايش، تسعى إلى خلق مجال للحوار بين الفنانين، والمهنيين المختصين في المجال، ووسائل الإعلام، ومحبي هذا الفن، والتعريف بالأعمال أو التجارب الجديدة للعديد من الفنانين، الذين لا تسلط عليهم الأضواء بالشكل الكافي، ومن بينهم بعض الأسماء التي تزخر بها مدينة الرباط، كما تسعى إلى فسح المجال لمختلف التعبيرات الفنية من تنصيبات ومهارات، لتعبر عن نفسها وتطرح سؤال الفن بالمغرب.

محترفات وتنصيبات فنية لفنانين مغاربة

انطلقت اللقاءات الثانية للفن المعاصر بالرباط بزيارة مجموعة من المراسم أو المحترفات لبعض الفنانين بمدينة الرباط وضواحيها، مثل مؤسسة كريم بناني، وأحمد حجوبي، وحسن بوخاري، وعماد منصور، وعبد الرحمان الملياني، وعيسى إيكن، وسعيد قضيض، وأمين الدمناتي، وعزيز أزغاي، ورشيد الغنيمي، وبعض الأروقة مثل مرسم، وأركان، وفضاءات العرض بصندوق الإيداع والتدبير، وفيلا الفنون، والمركز الثقافي الألماني "غوته"، الذي شهد بعض المهارات الفنية، إلى جانب تدشين فضاء كبير للعرض بفندق "صوفيتيل"، ضم مجموعة كبيرة من اللوحات لفنانين مغاربة من مختلف الاتجاهات، تعطي للزائر صورة عن التحولات التي عرفها المشهد التشكيلي بالمغرب.

وبخصوص التنصيبات الفنية، قدمت الفنانة دليلة العلوي أعمالا ببهو الفندق تعبر عن تشظي الإنسان وتمزقه، كما قدم فنانون آخرون تنصيبات فنية بـ"حديقة الورود"، من بينها عمل الفنان أمل بشير المستوحى من الأحداث العربية الراهنة، والذي قدم فيه العالم أو الكرة الأرضية محاصرة في أقفاص، وقال إنه استلهم عمله من أحد المتظاهرين التونسيين، الذي كان يرفع طيلة أيام الثورة قفصا، وهو رمز للاختناق والحصار الذي تعانيه بعض الشعوب جراء العولمة وغياب الديمقراطية. وعمل الفنانة كنزة بنجلون المقدم على شكل هيكل عظمي يحمل دلاء فارغة تقول "تحركوا لا شيء للشرب"، وهو يدل على الاستهتار بالبيئة والإنسان، إضافة إلى تنصيبات الفنان سعيد أفزيون، الذي قدم مجموعة من الأيادي المتوجهة إلى الأعلى، الموضوعة بشكل دائري، وتنصيبات الفنان المقاول الوجدي عبد الكريم دومار، الذي قدم النجمة التي تضيء حياته، عن طريق الحفر في الزليج، وتأثيث الفضاء به، وتنصيبات الفنان مصطفى الرملي، الذي يعتمد على التصوير، ويجسد لحظات الخلود، من خلال وضع الصور في قنينات من الزجاج، وترتيبها بأشكال متناسقة في فضاء العرض.

سؤال الفن المغربي اليوم والتحولات

إلى جانب هذه العروض الفنية عرفت اللقاءات الثانية للفن المعاصر بالرباط نقاشا مستفيضا حول الفن المغربي، وحول التحولات التي عرفها في الفترة الأخيرة، وضرورة تفاعله مع المجتمع في المائدة المستديرة، التي خصصت لهذا العرض، والتي أدارها، عز الدين عبد الوهابي، مندوب المعرض، والفنان التشكيلي المغربي المقيم بفرنسا، والمشرف على العديد من المعارض بالخارج، الذي كان يرغب في أن تطرح أسئلة الراهن الفني المغربي أمام التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية، وكيفية ممارسة الفن بالمغرب وتداوله وتلقيه، ودوره بشكل عام، من خلال أسئلة: هل يمكن الكتابة اليوم والإبداع عما حدث في تونس ومصر؟ وهل يمكن أن نشتغل كما لو أن شيئا لم يقع؟ وما معنى الفن؟ وما معنى الإبداع الفني في المجتمع المغربي؟ لكن تباين تجارب المتدخلين وأعمارهم ومسؤولياتهم، جعلت النقاش يأخذ مجرى استعراض التجارب، والدعوة إلى ضرورة إدراج التعليم الفني بالمؤسسات، وتأهيل المدن بشكل فني وما إلى ذلك.

الفنان عبد الرزاق بن شعبان، المشتغل على حدائق الفن، كان أول المتدخلين، استعرض تجربته الفنية وعلاقته برواد الفن التشكيلي المغربي، مثل عباس صلادي عن طريق التصوير، إذ كان يوثق أعمالهم ومعارضهم، وذكر أنه لا يفهم لماذا لم يجر تسجيل الفن كتراث عالمي؟ ولماذا لا يجري توظيف الفن والثقافة في استقطاب السياح للبلد والاقتصار على تقديم المغرب كبلد الشمس والجبال والرمال والجمال؟ مشيرا إلى أنه من خلال تجربته كوسيط بين المجتمع والفنانين اكتشف أن القطاع العمومي لا يبذل مجهودات من أجل تقبل واحتضان هذا الفن.

أما الفنان محمد المليحي فذكر أن الفن المغربي تطور بشكل متسارع في المغرب، وتكاثر متداولوه من الفنانين، الذين انتقل عددهم من 20 فنانا في خمسينيات القرن الماضي إلى ما يفوق 500 فنان تشكيلي اليوم، وعاد بالحضور إلى سنة 1969، اللحظة الحاسمة في تاريخ الفن التشكيلي المغربي، التي عرفت خروج سبعة فنانين مغاربة للعرض بالفضاء العام وتحديدا بساحة جامع الفنا، احتجاجا على وزارة الثقافة في تلك الفترة، التي كانت ترغب في تكريس الصورة الفطرية للفن التشكيلي المغربي، كما كان يفعل الفرنسيون، إذ كان صرخة من أجل الالتفات إلى تجارب فنية مغربية مبنية على التكوين وليس الفطرة.

وأشار المليحي إلى أن ذلك العرض الجماعي جعل المؤسسات المغربية، وعلى رأسها البنوك تلتفت إلى الفن المغربي، وبدأت في اقتناء اللوحات التشكيلية وتخصيص فضاءات لعرضها، ما جعل بناياتها تحتوي على 4 أو 5 ملايين لوحة.

وأوضح أن الفن التشكيلي المغربي على أحسن حال، مقارنة مع الإبداعات الأخرى، فالفنان المغربي اليوم يستطيع العيش من مداخيل لوحاته، لكن ما يواجه الفنان مستقبلا، كما قال المليحي، هو سؤال الفن الجيد، ومن يستحق الدخول إلى المتاحف، التي لا يؤمن بجدواها ويعتبرها مقابر للوحات وليس مؤسسات تعيد إليها الحياة.
وفي نهاية كلمته دعا المليحي إلى التفكير بعمق في وضع الفن التشكيلي المغربي، ومحاربة المضاربات التي تعرفها سوق اللوحات في المغرب، وإخراج اللوحات التشكيلية المغربية من المؤسسات التي تحتكرها، حتى يستفيد منها العموم.

الفن وهيكلة المدن المغربية

من جهتها اعتبرت ليلى ميارة، مديرة مجلة "مدن المغرب"، أن الفن التشكيلي اليوم موجه إلى النخب، التي تقتنيه، كما لو أنها تشتري أسهما في البورصة، مشيرة إلى ضرورة تعميم الفن، وجعله في متناول مختلف الشرائح الاجتماعية.

وأضافت ميارة أن الفن يجب أن يلامس قضايا المجتمع، وأن يكون قريبا من هموم الإنسان، يحكي قصة، ويقدم رسالة، لأنه من دون ذلك سيكون مجرد عبث وفوضى. وتساءلت عن سبب غياب الفن عن المدن المغربية وعن هيكلتها، عكس المدن الأوروبية، التي تعد متاحف مفتوحة أمام زوارها، ورثت حال مدينة الدارالبيضاء اليوم، غير المنظمة والفاقدة لأي جمالية، والتي تنخرها الصراعات بين منتخبيها، وأشارت إلى أن البرتغال مثلا، حينما رغبت في بناء جسر بعاصمتها استدعت الفنانين والكتاب والشعراء، من بينهم الشاعر المغربي محمد بنيس، الذي لم يفهم ساعتها سر الدعوة الموجهة إليه، إلا أنه حينما حضر فهم البعد الإنساني والحضاري، الذي ترغب الجهات المسؤولة إعطاءه لتلك العملية، عبر إشراك الفنان والكاتب والشاعر حتى في بناء المدن أو إحدى معالمها.

ومن بين الفنانين المشاركين في هذه التظاهرة نذكر: مليكة أكزناي، وعزيز أزغاي، وإبراهيم بشيري، وأحمد عمراني، وعبد الكريم بلامين، وعبد الرزاق بنشعبان، وعبد الباسط بن دحمان، وأمينة بنبوشتى، وكنزة بنجلون، وأمين الدمناتي، وعبد الله الديباجي، وأحمد الأمين، وعبد الله الحريري، وخالد البكاي، وبوشتى الحياني، ومحمد الزبيري، وشفيق الزكاري، وحكيم غزالي، وأحمد جاريد، وحسن الكوهن، وعبد القادر لعرج، وأحلام لمسفر، ومحمد زوزاف، وعبد الله صدوق، ومصطفى الروملي، ونوال السقاط، وكريم ثابت، وسعد التازي، وحسين طلال، وخديجة طنانة، وهشام بنوحود، وماحي بنبين، ومصطفى بوجمعاوي، وليلى الشرقاوي، وآخرين.

للإشارة فمجموعة "ماروك برينيوم"، التي تصدر مجلات تحمل الاسم نفسه وتنظم تظاهرات فنية بالمغرب، أصدرت، أخيرا، كتابا فنيا عبارة عن "دليل الفنانين التشكيليين المغاربة 2010 - 2011"، بتعاون مع مركز الفن المعاصر، ورواق"أ- ب، س"، يضم تعريفا بحوالي 100 فنان تشكيلي مغربي، من مختلف الأجيال والاتجاهات، كما يقدم خدمة جليلة للمشتغلين في المجال من إعلاميين وفنانين ومهتمين بالفن التشكيلي بشكل عام.




تابعونا على فيسبوك