دشن الصالون الثقافي لمدينة الصويرة دورته الأولى، بتنظيم أيام ثقافية وفنية لتخليد ذاكرة الفنانة الراحلة بنحيلة الركراكية.
هذا الحدث، الذي يصادف الذكرى الأولى لرحيلها، نظم أخيرا، بالتعاون مع أبناء وأصدقاء الراحلة تحت شعار"الركراكية بنحيلة: مسار فنانة، مسار مواطنة".
وقال منظمو الحدث الثقافي والفني، إن الاحتفاء بذاكرة الراحلة الركراكية، هو احتفاء بمدينة بكاملها بفنانيها وتشكلييها، وكل المثقفين والفاعلين الاجتماعيين المحليين والمغاربة، الأجانب، الذين عشقوا هذه المدينة الأسطورية.
وأوضحوا أن جمعية مبادرة وتنمية، التي رأت النور بمدينة الصويرة في أبريل 2008 من طرف أطر جمعوية، أعطت الانطلاقة التجريبية لمشروع ثقافي أطلقت عليه اسم الصالون الثقافي للصويرة، وهو مشروع جاء تتويجا لعمل هؤلاء الفاعلين الجمعويين، الذين اشتغلوا بالاعتماد على المقاربة الثقافية، بحيث أن الأنشطة والمشاريع التنموية والاجتماعية، التي تجري برمجتها تتضمن مبادرات أدبية وثقافية بحتة، مثل توقيع كتب وإحياء أمسيات شعرية وموسيقية وتنظيم ندوات ومحترفات الكتابة.
وأبرزوا أن الراحلة الركراكية أثرت المشهد الفني بالصويرة من خلال أعمالها التشكيلية، التي تركت أثرا دالا ورمزيا، وأقل شيء يمكن أن يقدم لابنة الصويرة، هو هذا اللقاء الثقافي الذي يشيد بمناقبها.
اعتمدت الركراكية، على موهبتها وخصوصيتها، وميولاتها الفطرية، خلال مسارها الفني الحافل، الذي قال عنه الناقد الفني والباحث الجامعي، أحمد حروز "الراحلة الركراكية فنانة استثنائية، فنانة تشكيلية، ليس بمعنى استعمال الألوان والأشكال فقط، لكن بالمعنى الروحي والمرئي والدلالي، إلى جانب الحمولة الإنسانية، التي تحملها الفنانة، وكيفية تجسيد أحلامها الصغيرة والكبيرة عبر السند. إنها رسالة جمالية تحمل أوجها متعددة... ومن هنا يمكن القول إنها لم تكن أمية تمارس الصباغة، لكنها مثقفة تفسر العالم بطريقتها الخاصة، تماما كما تجسد الموروث الثقافي، والتبادل عبر ثقافي، وتحديدا في أفراحها الفنية... ألوانها تحتفي بالحب الكوني المشترك، كما أنها فنانة مهووسة بورطة الفن الواقعي، وتثور انتصارا للحركة الفنية والفنانين، ولا تسخر ريشتها للمناسبات، وتمارس قناعاتها بطريقة قوية".
وحول منجزها الصباغي يقول الأنتروبولوجي عبدالقادر منان" فنانة عصامية، ولدت بالصويرة سنة 1940، وفي 1988 رسمت أولى أعمالها الفنية، التي طبعتها بعوالمها المتفردة، وبمخيالها الفردي والجماعي، وبأنوثتها وشخصيتها القوية. وهي من بين النساء الصويريات الأوليات، اللواتي مارسن الفعل الصباغي، وعرضت لوحاتها الأولى برواق فريديريك دامغارد في 3 مارس 1989 بمناسبة الاحتفال بعيد العرش، وبعدها عرضت بساحة "المكانة"، وكذا ببيت اللطيف، قرب السقالة، وتمكنت من ربط علاقات صداقة مع الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي، ومع مجموعة من الألمانيات اللواتي ساعدنها على عرض أعمالها في أروقة بكل من فرانكفورت وكولون، ومدن غربية أخرى. وتعد من بين الوجوه المألوفة في الصويرة، بتميزها بارتدائها الحايك".
وأسرت الراحلة لعبد القادر منا أن طقس إبداعها لا يختلف كثيرا عن امرأة في مرحلة الوضع، وقالت" حينما أرسم أشعر بألم شديد وبعياء مثل امرأة على أهبة أن تضع مولودها، كما تتملكني لحظات صمت، وأحاول أن أبرز في أعمالي كل ما يجول من أفكار بذاكرة جنين. وبكيفية لاشعورية أرسم حالات النساء، وكذا الحاملات منهن. كما رسمت الجني، الذي شاهدته بإحدى الغابات، حينما كنت صغيرة، رأيته على هيئة جمل ضخم بقرنين، يجمع يديه حول صدره".
من جانبها أفردت فاطمة المرنيسي مقالا حول تجربة بنحيلة الركراكية في كتابها المرجعي "سندباد المغرب" نقتطف منه شذرة تعبر عن شهادة صادقة للمرنيسي في حق الراحلة الركراكية: "تراها تنظر إليك بأعين كبيرة وهادئة هدوء امرأة تمكنت في حياتها ولوحاتها من نسج نور لا منتظر، في حين أن القدر ابتلاها بالظلام والإحباطات".
إن كتابة اللوحة لدى الركراكية بوابة مشرعة على الحرية، وعلى الحياة بأسمى معانيها وأرقى تجلياتها. فالراحلة احترقت بوهج اللوحة، كما احترقت بوهج الحياة، ناسجة خيوط بوحها الصادق الشفاف. كل جغرافيات شعرها التشكيلي الصامت تعلي من شأن الإبداع الباطني في طقوسه المجازية، إذ آمنت الراحلة بنحيلة بمقولة عالم الجمال الألماني كاسيرر "الذي نحس به في الفن ليس هو الصفة العاطفية البسيطة أو المفردة، وإنما هو العملية الدينامية للحياة، أي التأرجح المستمر بين قطبين متقابلين من الفرح والحزن والرجاء والأمل واليأس. إن إعطاء صورة جمالية لعواطفنا معناه تحويلها إلى حالة حرة نشيطة، أي أن قوة العاطفة في عمل الفنان تصبح قوة تشكيلية".
وقال مقربون من الفنانة، رافقوها في لحظاتها الأخيرة، إن الراحلة مجدت الكائن الإنساني، طالقة العنان لخيالها الواسع، ولحدسها المتدفق. إذ كلما زارت محترفها بقلب المدينة القديمة للصويرة، الذي حولته إلى قبلة لكل الملسوعين بالفن، كانت تردد قولها "يوم تموت الفطرة وتغيب البراءة في الإحساس الفني، تموت اللوحة". وتضيف آن الأوان كي ينتبه المسؤولون إلى الفن والثقافة، فمن دونهما ستظل المدينة جسدا ميتا.
لم تكن الراحلة، التي فارقت الحياة سنة 2009 نتيجة مرض عانته طويلا، بمرسمها في دوار "لمساسة" بنواحي الصويرة، تتردد في أي لحظة لإسماع صوتها وبوحها القاسي، كما أنها لا تجيد المجاملة والمواربة، ولا تعرف إخفاء انتشائها بميلاد فنان في محيطها الاجتماعي، فتراها منغمرة بفرحة تبنيه واحتضان تجربته، رغم شظف العيش وإكراهاته.