فؤاد عالي الهمة أو ممارسة السياسة بطريقة أخرى

الجمعة 22 أكتوبر 2010 - 15:03

في هذا الكتاب، الذي يعد الأول من نوعه حول فؤاد عالي الهمة، والصادر عن منشورات (le point) تحت عنوان " فؤاد عالي الهمة: أو ممارسة السياسة بطريقة أخرى" للكاتب والصحافي محمد نافع

يرى المؤلف أن السياسة كما هي متبعة في المغرب اليوم، لم تعد تقريبا تهم الكثيرين، ولم تعد تحشد الجماهير حولها وفي مقدمتهم الشباب، بل يذهب المؤلف إلى أن السياسة كما تمارس اليوم، باتت تزعج بالنظر لتناقضاتها، هذا إن لم تثر الملل والسأم حد الموت. فهل الأحزاب السياسية اليوم تعيش حالة انحطاط، يتساءل المؤلف؟ إذا كان الأمر كذلك، في هذه الحالة تصبح مسألة إجراء فحص شامل مطروحة، فانتخابات 7 شتنبر 2007 بينت أن المغاربة لم يعودوا يستسيغون السياسة كما تمارس اليوم، ولم يعودوا يهتمون بالشأن السياسي، والأدهى والأخطر هو استمرار هذه السياسة، التي باتت تحبط في العمق. إن الأحزاب السياسية لم يعد باستطاعتها أن تتخلص من بعض الممارسات، كاستعمال المال في شراء الذمم، وغياب الديمقراطية داخلها، وإصرار شيوخ الأحزاب على الالتصاق بالكراسي، وهزالة وضعف خطاب هذه المؤسسات، التي لا تسعى إلى البحث عن صيغ أخرى جديدة خلاقة ومبدعة، أي تتطلع إلى ممارسة السياسة بصيغة أخرى .

"من هنا كان لزاما على مغرب اليوم، مغرب نحبه جميعا، وطن ضحى من أجله الآباء والأجداد.. جيل من الرجال والنساء والسياسيين والوزراء ورجال الأعمال والمثقفين والفنانين والصحافيين، باختصار مواطنون قادرون على إنجاب مغرب جديد مزدهر، أصيل وحداثي في العمق مشحون بالنزعة الوطنية" يستخلص المؤلف، مضيفا أنه "سيكون من الخطأ أن نستسلم ونضع الأيدي, وأن نيأس، إن العبقرية المغربية قادرة على تنفيذ الوعود وعلى إعادة شحن الحقل السياسي بدماء جديدة، ذلك أن العهد الجديد جاء حاملا لمشروع ديمقراطي، حداثي، وحكامة جيدة ينخرط فيها جميع المغاربة.

هذا المشروع الكبير يتطلب نقاشا واسعا وجديا، شفافا ومسؤولا بعيدا عن كل سياسة سياسوية، يهدف أولا إلى مصلحة المغاربة مع السياسة والسياسيين، ويقطع الطريق أمام ظاهرة العزوف عن العمل السياسي وتجديده بصيغة أخرى أقرب إلى سياسة القرب لمعالجة المشاكل كما هي، بدل السباحة فوق الموجة، خصوصا العمل بالملموس، وترك الخلافات الجانبية إذ "لا يمكن الذهاب إلى معركة وصفوفنا مشتتة متفرقة" يكتب المؤلف.

هذه الحالة الجديدة والوضعية المأمولة في التعاطي مع الشأن السياسي بتصور جديد وبطريقة أخرى بدأت مع العهد الجديد، يوم الثلاثاء 7 غشت 2007 وفي عز الصيف صدر بلاغ عممته وكالة المغرب العربي للأنباء يقول إن صاحب الجلالة حفظه الله أعفى فؤاد عالي الهمة من مهامه الرسمية، خبر احتل صدر الصفحات الأولى للصحف المغربية، واهتم به المغاربة بشكل عام كونه حول الرجل القوي، الذي ظل ماسكا بخيوط اللعبة 12 سنة في "أم الوزارات" الاسم الذي أطلقه المغاربة على وزارة الداخلية زمن إدريس البصري .

في أول ظهور إعلامي لرجل الرحامنة، لتوضيح الوضعية، بعد سيل من ردود الأفعال المتباينة، التي أثارها خروجه من الحكومة، أعلن الهمة، وهو ما يزال تحت الأضواء، نشوء حركة لكل الديمقراطيين، وكان الفاعلون السياسيون والمتتبعون ينتظرون ميلاد حزب جديد، يخرج من رحم المخزن.

رغم أن الهمة لا يحب الأضواء، وهي صفة يتميز بها رجال المخزن، فقد أبان في لقاء إعلامي عن مواهبه التواصلية، وطرح رؤيته ومشروعه، واضعا حدا لكل التساؤلات والانتظارات، إذ صرح " أكون في خدمة بلادي وملكي انطلاقا من وضعية جديدة".

تبقى سنة 2007 تاريخا مهما في حياة ومسيرة الهمة أولا، لأنها السنة، التي قرر فيها مغادرة وزارة الداخلية للتفرغ لمشروعه السياسي، وأيضا لأنه تقدم لخوض انتخابات 7 يونيو 2007 كأي مواطن مغربي. بدءا من هنا، سيدخل الهمة سلسلة انتخابات يكون الجرار فيها حاضرا بقوة، كما هو الشأن، أيضا، في الانتخابات المحلية 12 يونيو 2009، التي حصل فيها على المرتبة الأولى من بين باقي الأحزاب المشاركة.

يرى المؤلف أن حزب البام، ومنذ الإعلان عنه، أصبح مثل كرة الثلج وهي تتدحرج وتزداد ضخامة شيئا فشيئا، وأن الحزب، الذي تعتبره باقي الأحزاب الأخرى "وافدا جديدا" بدأ يتقوى ويترسخ، لأنه يأتي بشيء جديد داخل الحياة السياسية كما لم تكن من قبل، وبدأ التراكتور يحرث الحقل السياسي بطريقة "التويزة" ويشهد إقبالا جماهيريا واسعا ومستمرا، ما دفع الشيخ بيد الله إلى أن يقول "لا يمكن إقامة جدار ومنع الناس من الالتحاق بنا"، ومع أن أحزابا أخرى كانت تدعي الجماهيرية والشعبية والتوسع وراهنت على اكتساح صناديق الاقتراع مثل حزب العدالة والتنمية، فإن هذا لم يكن سهلا أمامها.


محمد نافع وهو يرسم مسيرة الرجل القوي، لم يجد طريقة أخرى أفضل من أن يكون عنوانه داخل الكتاب "بأن الله هو الذي خلق البام". فبعد أن قضى الهمة 21 سنة في الداخلية (1986- 2007) وتحرر من التحفظ، الذي تقتضيه مهنة رجل الدولة، خرج إعلاميا في عدة لقاءات وتصريحات لبلورة الشكل الجديد للحزب الجديد (البام)، الذي التحقت به العديد من الأحزاب والشخصيات السياسية من كل الأطياف والألوان ..

مسيرة الحزب الجديد لم تكن سهلة، إذ أخرجت وزارة الداخلية في عهد شكيب بنموسى المادة (5) من قانون الأحزاب، التي دفعت بأصدقاء الهمة إلى الاحتجاج والتلويح باستقالات جماعية، ليقول الشيخ بيد الله في برنامج (حوار) التلفزيوني "إن استقالات جميع نواب حزب البام معي في حقيبتي " كما أن العلاقات بين "التراكتور" و"الميزان" لم تكن على ما يرام، بسبب الخرجات الإعلامية لعمدة فاس حميد شباط . ويقف أمام التصعيد، الذي شهده الحزبان " الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال" محاولة قطع الطريق أمام وصول سعد الدين العثماني إلى رئاسة مجلس النواب . يقول حسن بنعدي:"ماذا تريدون منا أن نفعل أتريدون أن نترك سعد الدين العثماني(مرشح العدالة والتنمية) يصل إلى رئاسة مجلس النواب؟ لقد تحركنا كما فعل اليسار الفرنسي حين قطع الطريق أمام مرشح اليمين المتطرف، جان ماري لوبان، لرئاسة الجمهورية وصوت لصالح جاك شيراك".

ويلاحظ المؤلف أن حزب البام ، حين بدأ يتقوى أكثر فأكثر، أصبح هدفا للكثيرين، ويتهم بأنه يريد أن يجعل من الحزب الجديد، الحزب الأول في الخارطة السياسية المغربية، ويرد بيد الله:"ليس خطأ أن يقبل الناس على حزبنا".

كما أن غياب الهمة في الفترة الأخيرة عن الساحة العمومية أثار العديد من التساؤلات، وكأن رجال السياسة لا يمرضون ولا يأخذون قسطا من الراحة أو الاعتكاف لتجديد النشاط والحيوية، ولم تضعف التأويلات والإشاعات، التي رافقت غياب الرجل، بل لازمته منذ خروجه من الداخلية حتى ظهوره في تاوريرت للمشاركة في تشييع جنازة الراحل مزيان بلفقيه، حينها قال أحد المقربين من الهمة للصحافيين الحاضرين"هل اقتنعتم الآن بأن الغياب كان لأسباب صحية، ومطالبة الأطباء ونصائحهم بأن يأخذ قسطا من الراحة".

يختتم المؤلف كتابه حول الهمة، الذي جاء بمثابة رسم سيرة رجل استثنائي يحاول اليوم إعادة صياغة الخارطة الحزبية المغربية وممارسة السياسة بشكل جديد، بطرح التساؤل، الذي تنتظره الساحة السياسية، هل يحقق فؤاد عالي الهمة حلم الحسن الثاني؟ وهل يستطيع إعادة تشكيل الحياة الحزبية، التي تتميز بالتشرذم والتكاثر والتشابه في برامجها، وبالتالي التقليل من عددها وحصرها في قطبين: قطب اليمين وقطب اليسار؟ وهل ينجز حزب الهمة هذه الرغبة الملكية؟ نأمل مع المؤلف ذلك.

للإشارة فالكاتب والإعلامي محمد نافع سبق أن أصدر مجموعة من الكتب منها: "المغرب والإمارات: علاقات التوأمة" 1995، و"المغرب والإمارات.. التواصل" 1997، و"المغرب والعربية السعودية: علاقات الأخوة" 1989، و" حميد شباط: الظاهرة" 2010، وسيصدر له قريبا كتاب بعنوان "الحلم المغاربي".




تابعونا على فيسبوك