إثر أخبار تناقلتها بعض الصحف في الآونة الأخيرة تتحدث عن قرب توقف برنامج مشارف، وبسبب غياب الموعد الثقافي لياسين عدنان خلال شهر رمضان من خريطة البرمجة، اتصلنا بمعد ومقدم البرنامج الثقافي المتميز في المشهد الإعلامي الوطني، وسألناه عما إذا كان هذا الاحتجاب ن
فوجدنا صاحب (رصيف القيامة)، يقضي أيامه الرمضانية في مدينته الحمراء مراكش، وأيضاً يستعد لتصوير حلقات جديدة من برنامجه لوضعها رهن إشارة القناة الأولى، وهي الحلقات التي يتوقع بثها مباشرة بعد الشهر الفضيل. بشرى إذن لجمهور مشارف، الذي اعتاد على لحظة الحوار الرفيعة، التي يوفرها هذا البرنامج الرصين للمثقفين المغاربة وقرائهم وجمهورهم. لكننا طبعا لم نضيع فرصة خلود ياسين عدنان إلى الراحة والعطلة بمناسبة الشهر الفضيل، وطرحنا عليه مجموعة من الأسئلة، فكان هذا الحوار:
أجد نفسي في الجنسين معا. أنا متعدد بطبيعتي، ولا أؤمن كثيرا بالحدود بين الأجناس الأدبية. لا أؤمن بالزواج الكاثوليكي في الأدب، وأستغرب حينما يطالبني البعض بالإخلاص للشعر على أساس أنني بدأت شاعرا. أعتبر الخيانة في الأدب حقا من حقوق الكاتب. لهذا أخون القصيدة مع القصة وأخونهما معا في ما أخطه أحيانا من مقالات وقراءات نقدية. المهم هو بهجة الكتابة، والمتعة التي تحققها لك. وإذا كان الشاعر القديم قال: تعدّدت الأسباب والموت واحد، فإنني أنسج على منواله قائلاً: تعدّدت الأجناس والأدب واحد.
أرى أن هذه المنافسة تتم أصلا في المعترك الخطأ. فالتنافس على الرفع من نسب المشاهدة بجميع الوسائل والمواد حتى لو كانت خردة مسلسات مكسيكية وتركية رخيصة أو مجموعة من السيتكومات الملفّقة، والفوز بأكبر نصيب ممكن من كعكة الإعلانات، حتى ولو جاء ذلك على حساب هوية القناة والتزاماتها إزاء المجتمع، مثل هذه المنافسة لا أجد فيها رابحاً. لأننا ببساطة قد نكسب المزيد من المشاهدين، وبالتالي المزيد من الإعلانات لكننا نخسر الإنسان.
وأعتقد أن قنواتنا الوطنية والعربية، خصوصا تلك الملتزمة بواجب الخدمة العمومية، معنية بمصاحبة المشروع المجتمعي الشامل في مجال التنمية البشرية. وهنا لا أتصور أن بإمكان المسلسلات التركية أن تفي بالغرض. لا بد من إنتاج أكثر جدية: دراما وطنية عميقة وذكية تنصت لتحولات المجتمع وتفتح مشاهديها على خيارات إيجابية هادفة وتُروِّج من خلال أبطالها لقيم إيجابية. برامج إخبارية تقارب مادتها بموضوعية ومهنية وبروح تحليلية نزيهة.
وبرامج ثقافية تنتج عن اقتناع بأولوية الثقافة في معركة التنمية البشرية، وبناء المواطنة الفاعلة وتأخذ بالاعتبار أهمية وحساسية دور الوسيط التلفزيوني في تثقيف المجتمع، خصوصا مع تراجع نسبة القراءة واكتفاء الغالبية العظمى من مواطنينا بالتلفزيون كوسيط يقدم الأخبار والمعرفة إلى جانب دوره الترفيهي.
ملاحظتك في محلها، وهذا وضع مؤسف فعلا. فأكثر من 50 في المائة من الكتاب المغاربة ليس في رصيدهم سوى كتاب واحد، رغم أن أغلبهم ما زالوا يمارسون نشاطهم الأدبي والإبداعي على صفحات الملاحق والمجلات الثقافية المغربية والعربية، إنما دونما حاجة إلى مؤلفات. فالكُتَّاب لا يُلدغون من الجُحر مرتين، وتجربة الكتاب الأول المريرة أصابت أصحابها بالإحباط الكافي، لكي لا يفكرون في إعادة الكرَّة.
ربما نحتاج اليوم إذا أردنا أن نعيد الثقة لهؤلاء الأدباء في الكتابة وغوايتها إلى سلسلات جديدة تدعمها وزارة الثقافة، يمكن أن نطلق عليها سلسلة "الإصدار الثاني" على غرار مشروع "الكتاب الأول" الذي، ورغم التراخي في توزيعه، مكَّن عدداً مهما من المبدعين المغاربة المتميزين من الجيل الجديد من خوض تجربة النشر لأول مرة في شروط حافظة للكرامة.
طبعا لاحظت أنني كنت أتحدث عن الكتاب بشكل عام، لأنني مقتنع بأن هذا الإشكال عام وشامل ولا يعانيه الشعراء لوحدهم، بل مختلف المبدعين والكتاب الشباب في حقول الشعر والقصة والرواية والنقد الأدبي أيضاً.
الشعر يغذي الروح والوجدان، واعتقد أنه ما زال يضطلع بهذا الدور. أما الخبز فيصعب المراهنة على الأدب لتوفيره. وقديما كان العرب يقولون لمن أنشد قصيدته الأولى أو ألف كتابه الأول : "فلان أدركته حرفة الأدب"، والحرفة في اللغة العربية تعني الفقر. هكذا ارتبط الأدب لدى العرب بالفقر منذ كان. أما الدواوين فقد تعددت، شعرا وسردا، والسؤال ليس: هل ما زال الشعر ديوان العرب أم أن الرواية قد أزاحته؟ السؤال الحقيقي في نظري هو سؤال القارئ الذي ينصف الشعر والرواية معا ويجعل الأديب يحس بقيمته ويستشعر جدوى الأدب.
هناك تعاون يجمعني بالفنانة لطيفة أحرار التي اقتبست ديواني (رصيف القيامة) ومسرحته وستقدمه على الخشبة قريبا في عمل مسرحي تحت عنوان (كفرناعوم أوتو- صراط). كما أعكف حاليا على كتاب شعري جديد. دفاتر شعرية عن السفر والعواصم ومحطات العبور. وأرجو صادقاً أن يُعيدني هذا الكتاب الجديد إلى المعترك، لأنني صرت فعلا أخشى على الشاعر فيَّ من انشغالات الإعلامي.