للشاعر علي الصقلي

لسـت أنســاك !.....

الثلاثاء 24 غشت 2010 - 09:45
الراحل أحمد عبد السلام البقالي

تناهى إلى علمي، اخيرا، أن شاعر المغرب المبدع، صاحب الدواوين الشعرية الثمينة والمسرحيات التاريخية الأثيرة، ومبدع النشيد الوطني،

الأستاذ علي الصقلي ألقى في اليوم الثالث لوفاة صديقه الحميم الشاعر الكبير المأسوف على وفاته، أحمد عبد السلام البقالي (توفي يوم 17 شعبان 1431 هـ / 30 يوليوز 2010 )، مرثية سعيت إلى الاطلاع عليها، فلمست في أبياتها وجدانا يتحرق أسى وحسرة على فقدان صديق عزيز في زمن ندر فيه الأصدقاء، كما لمست في هذه القصيدة روح الوفاء لصداقة دامت أزيد من خمسين سنة منذ أن كان يلتقي به على صفحات جريدة العلم، من خلال مقالاته الموقعة باسم حسن الشريف في زمن أصبح فيه الوفاء عملة نادرة.

لفتـنة النص/ القصيدة، ولبراعة مبدعها في رسم اللحظات البهية لحياة الفقيد العزيز، وفي الحزن الدفين، الذي خلفه الراحل في نفس الشاعر، ارتأيت أن أقدمها عن طريق جريدة "المغربية" هدية لأسرة الفقيد ولأصدقائه، ولمن أعجبوا بعطائه أديبا موسوعيا كبيرا جال في عدة مجالات وأغراض شعرا ونثرا، والقصيدة النونية تقع في واحد وخمسين بيتا.

القصــيدة:

إيــه يا مـن بالحيـاة افـــتُـتِـنــا...... عاشــها حـبــا وشـــعـرا وهـــنا

وأحاديث غـرام لـم يُــشَــبْ....... بسوى ما شـاق من أشهى المنـى

فــي حــنان وحــنـو، وكَــأَنْ...... وحــــده حـــنّ بصـــدق وحــنــا !

مالـئــا من شــدوه أجـــواءها..... شــاعرا، كم قيل عنه: أحــســنـا !

وتمـلاّهـا ريــاضا للــهــوى...... محْصــنا، أكـرم بــه إن أُحْــصِـنا

لــقّــن الحــب قـُــلوبــا فــإذا...... هــي تــتــلو الآي حـــبا لُــــقِّــنــا

مـا حـوت قـطرة بغض بل لـها...... كــلُّ مـــا عــزّ من الحــب عَــنـــا !

ولــكم نــادى بنـبــذٍ للأُلـــــــى...... مُــلّئـت منهـــم قــلوب إحـــــــنا

وتــواروا، وكَأَنْ حــقــدهـــمو..... لــم يــدعــهم لــيـلـذُّوا الــوســنـا

هذه أيـامـك الخضـرا(1) زهــت..... ســـلك أحــلام تُجــافـي الشــجـنــا

وعـيون (2) ملكت كـل الغــنى..... . أَوَ مـا في سحــرهـا لــذَّ الغــنى ؟

أنـت من بالحــب وشَّـى عيشـه...... وكمثــل الزهـر وشَّى الأغــصـنا

مـا عـدا الموت الذي عشت لــه...... كــارها ، فيه تـرى غــول الـفـنـا

غـير موت للعلــى هـذا الــذي...... لـم تـكــن تــالـوه حـمــدا وثـــنــا

لسـت أنـساك عشيقــا مغــرما...... بالــذي عـــزّ جــمــالا أفــــتــنـا

مـالكـا بين الــشـذا في عـطـره..... والـندى في قــطره كـل الدنــــى !

بأزاهــيـر كــرام نــــسمـــــا...... وشــحـاريـر فـِــصَـاح ألـــــسـنــا

وفــراشـات وقد حـامت علــى...... شــــمّ أدواح أظــلّت ســــوســـنـــا


لــست أنسـاك وقد ذبْــتَ هوى..... في جــمـال يستـــهيــم الأعــيــنــا

كــان إنــسانـا تعــالى معـــدنـا..... لــم تجـــد أحــسن منــه مــعــدنــا

كـان صبحا ضاحكا أبهى سنى...... أم غــروبـــا يستـــثـيـر المـــكمــنا

كان روضا باسـما يجلو الأسى...... كــم بـه ضــاقت نفــــوس درنـــا

لست أنساك كمــسحـور بمــا..... قـد سـبى رجــع صـــداه الأذنــــــا

كان لحــنا عبقــريـا خــالــدا...... يــهــب المـصـغي إليــه المــأمــنــــا

أم أذانـأ ســحّ من أعلى السما..... كــالحــيا منـــهمــــــرا مــتــزنـــا

يــوقـظ الغــافـي، ولله دعـــا...... بـانـيا صــرح الهـــــدى في ـمــا بـــنى

لست أنسى عمــرة نــلنا بها..... مـا شـفـى الروح ، ونــقّــى البـــدنــا

وكأعــياد مضــت أيــامــهــا...... لــم نعـــش، واللــه، يــوما أدكــــنا

إن رعـتنا الكعبة الفيـحاء في...... ظـلـها، شــأن الــذي مــــنــها دنــــا

فـلنا الروضةُ عـدنٌ، كـم بها...... بــثَّ طـــــه مــا ارتــضـاه سُـــنَـــنا


أيـها الغارس أزهــار المـنى...... فـي نفــــوس يــئــست فــــرط عـــنـا

ومحــيلا كـم كئــيب مـرحـا..... كــان يحيــى للأســى مــرتـــهــنــا

هــو ذا يبكيك نـادي الأربـعا..... مـن لـه قـــد كــنت ينـبــوع ســـنــى

أدبــا يسـمو، وفكرا ثــاقـبـا...... وابتــداعا كــم تـزكــى مجـــــتــنــى !

وقـريـضا غالــيأ إن قِـــسته...... بقـريــض كـــــان أغـــلـى ثـــمــنـــا

وقـطوفـا من حكابـا ُملَــح...... هـي ما تجــلـو عن المضنى الضــنى

كـم لـها تهفو نفوس كلما...... مـــاؤها مــن مــــرح قــــد أسِــنــــا

يا لنادي الأربعا منـه أسـى ...... عــــاد في شـــــرح مـــداه ألــكــنــا !

منه قد آمنــته دهــرا وهــا...... هـــــو مــن بعـــدك مــا إن أمـــنــا

منذ أن ولّــيـت عنه راحلا ...... رحــلـــة هــــزّ صــداها الـــوطـــنــا !

كـاد لا يـذكــر إلاك أخـــا ...... شــــاد في كـــــل فــــؤاد ســــكــنا

هـو أولى بالعـزا فيك، ومن ...... بالـــعـزا إلاه أضــــحــى قـــمـنــا؟

لـيتـه يستطيع صبرا مطفئا........ لــهـبــا مــــلء الحــــشا مخــتــزنـا


يـا أبا شأن ولـين(3) إن يكــن........ محــنـــة فــقـــدك، أنــسـى المـحــنا

فلـنا في ابنيك بعض من عزا....... لــو لنــفس، مــرة، قــد طـمـأنــا

وللاثــنيــن ذرى آســــيـة (4)........ حــافــظ، ما بـقـيا، خـيـر ثُــنـــــى

ولـكـل قـبس من نـــور من........ فـقــــــــدوا، فـلــيتّــقـــدْ دون ونـــى

ولتدم ذكراه روْحــا في حمى...... بيــته، مــا عـن حمــى البيت انثــنى

إيــه بقـالــينـا الــغالـي إذا...... زمــــن فيــه ســبــقــت الـــزمــنا

فلــقد أوتـــيت مـــا لـم يؤتـه........ فــطــــن فــذّ تــــحــدى الـــفـــطـــنا

ومــنّـة منـــه تـعالـى، ولكم........ بــســـمـــاح منــه أولــى المـــنــنــا




تابعونا على فيسبوك