تطمح الروائية المغربية، دنيا بنداني، إلى أن تجد لها موقعا في الخارطة الروائية المغربية، من خلال باكورة أعمالها، التي صدرت، أخيرا، بالدارالبيضاء، تحت عنوان "رجالي مفخرتي".
في أول أعمالها الروائية تكشف بنداني، بلغة حميمية، الحياة الصغيرة والكبيرة لأسرة صارعت كل المحن. ورغم تمزقها المعنوي المتمثل في الطلاق، فإن الروائية تمكنت من القبض بتمرس على خيوط الحكي في لعبة الكشف والمكاشفة، مسنودة في تأثيث فضاء الرواية بحماسة الكتاب وبوعي شقي.
تنتمي الرواية الجديدة لدنيا بنداني، إلى ذلك النمط من الروايات الفرانكفونية، وتحديدا الكتابة النسائية باللغة الفرنسية، التي تجترح عوالم الذات البشرية. فالرواية انطلقت من التذكير بالزمن الجميل، حيث كانت الأسرة النووية، المشكلة من الأبناء والأحفاد والجدات، إذ العشيرة الصغيرة مرآة للهواجس والانكسارات والانتصارات، والأحلام، وحتى الخيبات.
في هذا العمل الموسوم بالجدة والقلق الوجودي، وأدق تفاصيل اليومي، آثرت بنداني الكاتبة المبدعة، بقلم أعجمي، أن يكون تقديم "رجالي مفخرتي" بكيفية مغايرة لما ألفناه في مختلف النصوص الإبداعية الأخرى، المتمثل في إهداء إلى شخصية عزيزة، فكان التقديم يمتح من حكايات الجدات، ولم تكن حكاية "الخطاف"، التي سردتها الروائية في بداية نصها، اعتباطا أو نزوة أو طرفا، وإنما كانت درسا بليغا في الحياة، ويتمحور حول حكاية سنونو غادر أهله ووجد نفسه بلا عشيرة تحميه، وخرج يبحث عن مكان يؤويه، وبنى عشا سهر الليالي والفصول في بنائه، كما تسرد الجدة لحفيدتها، ولأنه وحيدا استطاع النسر أن يطرده من بيته، في إشارة إلى قانون الأقوى، ختمت الجدة حكاية الخطاف بنهاية مأساوية، لأنه يفتقد عون الأب والأخ والزوج، وهذا الثلاثي هو عضد الرواية الموسومة بـ"رجالي مفخرتي".
في نصها الجديد، الذي يقع في 182 صفحة من الحجم المتوسط، قسمت الروائية دنيا بنداني عملها إلى 13 جزءا، كل جزء يرتبط مع الآخر عبر خيط ناظم، حيث يبدو أن تشكل الحبكة لن يكون إلا متموجا، لأن منطق السرد يستجيب لنسق توازني بين الجملة السردية الحديثة وبلاغة الحكي.
في تضاعيف هذه الرواية تطالعنا الشخصية المحورية، بتمسك بالحياة حينا وبالضياع والتيه أحيانا أخرى. فالأسرة التي كانت في مستوى عيش محترم، حيث السلطة للأب، الذي يمثل المجتمع الأبيسي، ويهابه كل أفراد الأسرة، بمن فيهم البطلة، التي لا تتذكر ملامحه كثيرا لحدة طبعه، سرعان ما ينقلب حالها، بعد طلاق الوالدين وتعيش موشا أو زينة كما يلقبها أساتذتها شرخا معنويا، تفوقت الكاتبة في وصفه بأسلوب خال من التعقيد، إذ ارتكزت الروائية دنيا بنداني على السهل الممتنع، في وصف أدق الحالات وأشهى التفاصيل، فبدءا من البيت والشارع إلى المدرسة، والجيران، وحالات الأمكنة والشخوص التي تظهر وتختفي، ينهض العالم الجواني لكاتبة استطاعت التمترس داخل بنية المحكي الاستبطاني، دونما انشغال بالهندسات الحبكوية، أو المنغلقات التي يعتمدها الكثير من الكتاب المغاربة، فهي حسب اعتقادنا، وحسب قراءتنا لروايتها، اعتمدت لغة حكائية لعبية، تبلغ الذروة في مجمل أجزائها لقوة حضور المعيش اليومي، إلى جانب الاستعارات الاختلافية.
في كثير من فقرات الرواية نلمس التماهي مع الذات والإشارات الصريحة والمضمرة، فالكاتبة تكتب انطلاقا من تجاربها وترصد حركات المجتمع، من خلال الصغيرة موشا/البطلة، التي تختزل لوحدها معاناة الطفولة المحرومة والمعذبة، والقمع الداخلي والخارجي، إذ في حكي ممتع تسافر بنا الكاتبة إلى عالم المتناقضات وعالم الكبوات والأحزان، عالم يكبر وفق أحلام الصغيرة زينة، كما أن الكاتبة عالجت موضوعا دالا وهو الطلاق وسلبياته، والنظرة الدونية التي يلصقها المجتمع بالمرأة المطلقة، كما عرجت في تضاعيف متنها على حالة الرجال، الذين يستسلمون في أول منعطف في الحياة، فوالد البطلة موشا أو زينة عامل عاش ملحمة بطولات انتهت إلى الصمت والخيبة والفراق، وبواقع المرارة تقدم لنا الروائية الشخصية الثانية، وهي الابن كريم المدلل، الذي عاش الضياع، أيضا، بعد انهيار أحلامه، في الشتات الذي عرفته الأسرة، ووفق هذا الحكي المستبطن صورت بنداني هذه الشخصية تصويرا واقعيا بلا فانتازيا، في مسار انتهى به إلى الإدمان والسرقة والتلصص على شقيقته، التي تزوجت برجل يخضع لأوامر عائلته ويلتصق بأفرادها كثيرا، في إشارة إلى عدم القدرة على استقلاليته.
واقع الزوجة ينهض في الرواية بمهمة الحارس على ديمومة الحلم والبطولة، فهي الحلقة الرابطة بين هذه العوالم كلها، فمنها تنطلق لعبة الحكي وإليها تعود. سيدة عركتها الحياة وعانت مع زوج تخلى عنها وتوارى إلى وجهة مجهولة، لم يظهر إلا ساعة زفاف ابنته موشا، للموافقة على زواجها. بيد أن دنيا بنداني تنطلق في وصفها لمراسيم الزواج من الواقع المغربي في كل تجل من تجلياته، بدءا بالموافقة بين المرتبطين والعائلتين، وانتهاء بعرس يسهر فيه الجميع حتى الصباح.
"رجالي مفخرتي" رواية استطاعت أن تصوغ عالما إنسانيا، ملتمسة في ذلك السرد الجواني المعتمد في روايات تيار الوعي، الذي تحتفي به الكتابات باللغة الفرنسية. فقارئ الرواية يلمس، عبر أجزائها شحنة ميلودرامية تختفي وراء مدارات حكائية، لا يعتريها تصدع أو ارتجاج مادام الصخب السردي يظل محايثا لأوعية الشخوص، وتفاعلات كثافتها الشعورية والنفسية.