القصة القصيرة ستستعيد بريقها داخل فضاء السرد العربي

سعيد الكفراوي: أنا كاتب ورقي وسأظل وفيا للكتاب

الأربعاء 07 أبريل 2010 - 11:40

قال سعيد الكفراوي، أحد رواد فن القصة القصيرة في العالم العربي، الذي ظل مخلصا لهذا الجنس الأدبي، إن القصة القصيرة نبوءة وفن لها صوت كأنه يأتي عبر الأمادي البعيدة.

وأضاف الكفراوي، الذي بدأ مساره الأدبي في ستينيات القرن الماضي، في حديث خص به صحيفة "المغربية"، خلال مشاركته في الملتقى الوطني السادس حول القصة القصيرة بمراكش، أنه كاتب من عصر الورق، ولا يستطيع مسايرة الشبكة العنكبوتية، لأن علاقته مازالت قائمة مع الكتاب.

وأوضح الكفراوي، الذي حصل على مجموعة من الجوائز، وترجمت أعماله إلى عدة لغات منها: الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، أن القصة القصيرة ظلت في وعي الكتابة السردية العربية، منذ نشأتها الحديثة، تمثل ذلك السرد الشغوف باكتشاف اللحظات النادرة من حياة الإنسان. وتحدث القاص والكاتب المصري عن قضايا فكرية وإبداعية ونقدية، سنكتشفها في الحوار التالي:

* ما هي الخلاصات التي خرجت بها من الملتقى الوطني للقصة القصيرة بمراكش؟

** في الحقيقة فوجئت بعدد الكتاب والأدباء، الذين يمارسون كتابة القصة القصيرة، والفهم العميق لدور هذا الجنس الأدبي على مستوى الشكل والمضمون والرؤية. ما لفت انتباهي هو عدد الكتاب والباحثين الذين تابعوا أشغال الملتقى فهناك صرخة مدوية ترى أن الزمن زمن الرواية، وأن الشعر والقصة القصيرة والفنون التشكيلية، كأنها تذهب كلها إلى الرواية، لكن أن ينظم ملتقى للدفاع عن القصة القصيرة، وعن ديمومتها ووجودها، وجعلها فاعلة في الواقع الثقافي العربي، فهذا شيء مهم جدا. الملتقى ربط الكتاب والمسؤولين بقدر من المحبة والمودة، التي ساعدت على إنجاح اللقاء الفكري، الذي اهتم بالعديد من المحاور، من ضمنها قراءة مجموعات قصصية، ودراسات نقدية عن القصة القصيرة، وتأكيد دور الرواد أمثال أحمد بوزفور، وربيع الريحاني، وغيرهم في القصة القصيرة، وإثارة جدل التراث المعاصر، وجدل التجريب والتقليد، كل هذه الأمور استطاع الملتقى أن يناقشها عبر محاوره المختلفة.

* ما هي أوجه الاختلاف بين القصة القصيرة المصرية والمغربية؟

** بداية القصة القصيرة نبوءة وفن لها صوت كأنه الصوت الذي يأتي عبر الأمادي البعيدة، أما فيما يخص أوجه الاختلاف فهو اختلاف في النظرة للواقع، أنت قصاص أو كاتب تكونك خبرة مكانك وزمانك، والمجموعة التي تنتمي إليها، فالإنسان في مصر ومشكلات الحياة فيها، ومنظومة القيم الاجتماعية، والموروث والنظرة إلى التاريخ، والصراع الموجود في الواقع بين من يملكون ومن لا يملكون، علاقتك الطويلة بالتراث الإنساني عبر 5000 سنة منذ العهد الفرعوني مرورا باليوناني والروماني، ودخول الفرس والعرب، كل هذه الخبرة يجب أخذها بعين الاعتبار في كتابة النص القصصي، الشيء نفسه بالنسبة للمغرب، فالقاسم المشترك بين الشعبين هو اللغة والهم العام، لكن عند كتابة النص القصصي، فكل واحد يكتب قصته عن واقعه. نحن في مصر نستفيد من التجارب الحداثية المغربية، والمغرب استفاد منذ بداية تأسيس القصة القصيرة من التجربة المشرقية التي بدأها عيسى اعبيد، ومحمود تيمور، لتنتقل إلى نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، مع جيل الستينيات. أتذكر في الستينيات، عندما كنا أزيد من 40 كاتبا نتحلق حول نجيب محفوظ، مرة كل أسبوع بمصر، وكنا نأتي بقصص مكتوبة في أوراق، ونسلمها له، ويعيدها لنا في الأسبوع الموالي، مبديا رأيه فيها بعد قراءتها كلها. أعتبر الجلسات حول نجيب محفوظ في تلك المرحلة، الورشة الأولى التي تخرج منها كتاب هذا الجيل.

* انطلاقا من موضوع الملتقى أين تكمن وضعية التجريب وتأثيره في القصة القصيرة؟

** أعتقد أن نشأة القصة القصيرة كانت عبر التجريب بالخروج مما هو تقليدي إلى ما هو حديث، حسن اعبيد، ومحمود تيمور، كتبوا الحدوثة أو الحكاية بمواصفاتها المقدمة وانفتاحها، فالتجريب هو الاستفادة من مجمل ما يحدث في العالم من إبداع فني، كيفما كان نوعه تشكيلي، أو روائي، قصة قصيرة، أو سينما، واستخدام هذا الشكل التجريبي في الكتابة عن مجتمعك. علينا ألا نحتفي بالتجريب من فراغ، ولكن نحن ككتاب وظيفتنا الأساسية معرفة المجتمع الذي ننتمي إليه، أنا لن أكتب قصة قصيرة، إلا إذا تعرفت على الجماعة، التي أنتمي إليها، خصوصا أساطيرها، لأن الخرافة تعكس العلاقة بالمكان والزمان، وطبيعة الصراع داخل الجماعة.

فالتجريب بالمعنى الحقيقي هو عندما يستطيع الكاتب أن يحول الواقع النثري القائم إلى شعر وخيال، وإلى سؤال معلق يتضمن إجابات، هذا إضافة إلى أن القصة القصيرة العربية استفادت مما جرى في أميركا اللاتينية على مستوى التجريب، فكان كل من غارسيا ماركيز، وبورخيس، وكونتدار يملكون واقعا شبيها بالواقع العربي، يعني خيال بورخيس والكتاب الآخرين كونته حكايات "ألف ليلة وليلة"، التي تعتبر في الواقع ملكية عربية، فإذا عدت إلى التراث العربي وقرأت حكايات "الأنبياء"، و"النبهاني"، ستجدها مليئة بقصص أسطورية غير موجودة، إذن أنا أستفيد من التجريب على مستوى الشكل كي أكتب موضوعي، وما يوجد في وعي الجماعة، التي أنتمي إليها.

* المتتبع لمجموعاتك القصصية يلاحظ أن الحلم والأسطورة يغلبان عليها، ما السر في ذلك؟

** أعتقد أن استخدام الحلم من حيل الكاتب للتعبير عن دواخل الروح، إذ غالبا ما يجد الحلم في القصص معنى في الواقع، أنا أستخدم الحلم للتعبير عن حلمي بواقع آخر هو الكتابة، التي أسعى دائما إليها، ولا أعرف إن كانت جيدة أم هي كتابة بائدة. أحاول التعبير عن أحوال الإنسان وانتصاراته وانكساراته، باستعمال مجازات كثيرة، باعتبارها طريق للاستفادة مما يمكث في تراثنا الشعبي والرسمي من أساطير، فواقعنا العربي أكثر غنى من الواقع اللاتيني عبر تناقضاته وأحواله، ومن ثمة أساطيره وحكاياته، إذ أن الكثير من أعمال بورخيس، وإيزابيل الليندي، وغارسيا ماركيز، تقوم على حكايات من تراثنا العربي.

* كيف تنظر إلى تأثير الشبكة العنكبوتية على القصة القصيرة؟

** أنا كاتب أنتمي إلى الورق وعلاقتي مازالت قائمة مع الكتاب، ولا أمتلك وعيي ومزاجي إلا عندما أفتح الكتاب، لا أستطيع مسايرة الشبكة العنكبوتية بسبب تقدمي في السن، وسأظل وفيا للكتاب، وسيظل الكتاب يساعدني على المعرفة وطرح سؤالي عن أحوال الحياة والموت.

* ما هو تقييمك لواقع القصة القصيرة في العالم العربي؟

** ظلت القصة القصيرة في وعي الكتابة السردية العربية، منذ نشأتها الحديثة مع عيسى عبيد، مرورا بيحيي حقي، ونجيب محفوظ، وغالب هلسا، ويوسف إدريس، وادوارد الخراط، وزكريا تامر، وبعض كتاب الستينيات من القرن الماضي، وحتى اللحظة الراهنة عند محمد المخزنجي، وجار النبي، وربيعة ريحان، وآخرين، تمثل ذلك السرد الشغوف باكتشاف اللحظات النادرة من حياة الإنسان. تراث هذا الفن البديع الباقي مثال للغبطة، وفرح حقيقي بالحياة، وظلت أهم أشكال الكتابة الصعبة للتعبير عن الجماعات المغمورة. كانت الأربعينيات والخمسينات والستينيات من القرن الماضي، هي المثال اللائق لهذا الفن البديع، رغم الإدعاءات المتداولة عن امتلاك الرواية لزمن السرد، ستظل القصة القصيرة هي الشكل الأمثل، الذي يعبر عن حياة الإنسان في واقع ملتبس، أنا أتوقع أن تستعيد القصة القصيرة بريقها داخل فضاء السرد العربي.




تابعونا على فيسبوك