دعا الناقد المغربي، محمد العمري، في ورقة قدمها خلال ندوة حملت عنوان "الرؤية البلاغية والأسلوبية في قراءة النص الشعري" نظمت ضمن فعاليات الملتقى الثامن للشعر العربي، الذي اختتمت فعالياته، أخيرا، في الشارقة بالإمارات العربية المتحدة
بمشاركة شعراء ونقاد وباحثين من مختلف الدول العربية، إلى ضرورة إعادة تعريف الإيقاع الشعري في سياق حوار النظم والنسق، موضحا أن الإيقاع فرع من فروع النظم، وأنه ظاهرة معقدة تجعل المكونات اللسانية مختلفة، وأن هناك نصوصا شعرية تبني بلاغتها على الصوت.
وأضاف العمري في الورقة ذاتها، التي حملت عنوان "المهيمنات البلاغية في الشعرية العربية" أن التوازي النحوي والتقطيع التركيبي يلعبان دورا كبيرا، وأيضا الإخراج الطباعي للنص.
وأعلن محمد العمري، أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس، انحيازه لكلمة "إيقاع" لتاريخيتها وتداولها، منذ أن استخدمت مرادفا للوزن والموسيقى والرقص، مؤكدا أن الإيقاع ضرورة، وأنه البنية التي تتردد، فهو الحركات للأصوات، موضحا أن هناك عتبة دنيا وعتبة عليا للإيقاع.
وفي حديثه عن البلاغة العربية، أشار إلى أن "البلاغة مبحث نصي، وأن علم النص هو الممثل العصري للبلاغة القديمة، وأن هناك مسارين للبلاغة العربية، مسار لأبي عبيدة وابن جني والسكاكي والجرجاني، ومسار للجاحظ والقرطاجني"، مشددا على ضرورة إعادة قراءة البلاغة العربية القديمة قراءة نقدية، وتنظيم موضوعاتها، وبيان وظائفها وإمكانيات تشغيلها في بناء بلاغة عربية حديثة متفاعلة مع النظرية العامة الكونية.
وأضاف العمري، الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية في فرع اللغة العربية والأدب، لجهوده العلمية المتميزة في دراسة البلاغة العربية، وما يتصل بمفهوم النص ودراسته، ووظائف البلاغة والخطابة العربيتين قديما وحديثا، أن "البلاغة العربية القديمة كانت في عصور ازدهارها غنية بالملاحظات المفيدة والاجتهادات العميقة الصائبة، غير أنها عانت مثل البلاغة الغربية جمودا، فصارت تتقلص حتى لم يبق منها غير رسوم ومعالم دراسة من صور بديعة مفصولة عن الممارسة الخطابية الحية، تلقن في المدارس والجامعات بتعاريفها وأمثلتها القديمة
وأشار إلى أن سمعتها ساءت وامتدت العلوم المجاورة، خاصة اللسانيات والمنطق والسميائيات لاحتلال أرضها بإغارات، ليس بوسعها استيعاب موضوع البلاغة ولا تفسير الوظيفتين الجمالية والإقناعية فيها، والكثير من الباحثين المدققين في هذه الميادين انتهوا بطريقة عفوية إلى أن ما يبحثون عنه من أجل بناء "نظرية الأدب"، ومنطق الحجاج موجود في علم قديم اسمه الريطورية أو البلاغة، ومن هنا أعاد الباحثون البلاغيون في الغرب قراءة البلاغة الغربية، منذ منتصف القرن الماضي، ووظفوها في بناء بلاغة عامة حديثة، فحققوا بذلك نتائج جليلة، أما البلاغة العربية فظلت غير جهود فردية معزولة، ومحاربة أحيانا على حالها المذكور آنفا على هامش الحياة".
من جانبه، قدم الناقد المصري، محمد عبد المطلب، دراسة تطبيقية حول قصيدة "طلل الوقت" للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، مؤكدا أن البلاغة النقدية القديمة ما تزال تعمل، وكم ظلمناها كثيرا.
وأبرز عبد المطلب أن النقد الثقافي جاء ليرد لتلك البلاغة حقوقها، وأن البلاغة العربية لم تقدم معايير ثابتة، وكانت مهمتها مهمة وصفية، وتترك مهمة التقويم أو التقييم للنقد الأدبي، مشيرا إلى أن الإبداع والثقافة تراكم لا انقطاع، وأن قصيدة حجازي إحياء لزمن قديم هو زمن الطلل، واصفا الطلل بأنه بنية ثقافية، فعندما ظهر الطلل كان واقعا حياتيا أو يوميا.
وأوضح الناقد أن هذا النسق الثقافي (الطلل) تحول إلى نسق ثقافي اجتماعي، بل تحول الطلل إلى ثقافة نفسية، ثم إلى نسق أدبي، وأن ما يجمع بين هذه الأنساق جميعا هو الإحساس بالفقد، مؤكدا أن حجازي في قصيدته يقدم طللا من نوع جديد.
وتوقف محمد عبد المطلب عند خمس دوائر في القصيدة، وهي: استعادة الطلل، واستعادة الطلل والإضافة إليه، واستدعاء زمن ما قبل الطلل، والاستفادة من القرآن الكريم "كأعجاز نخل خاوية"، ورد العجز على الصدر.
وما واكب ذلك من تشبيهات واستعارات واستدعاءات، موضحا أن البلاغة العربية ما تزال صالحة للتعامل مع النص العربي، على أن تستفيد من الدرس الأسلوبي، مؤكدا أن هناك ظواهر لا تناقشها البلاغة العربية.
وفي السياق ذاته، قال بهجت الحديثي من بيت الشعر بالشارقة، إننا "نجد كثرة في الكتب والدراسات النقدية في الجانب النظري، على حساب النقد التطبيقي، وأننا نطمح إلى نماذج تطبيقية"، مشيرا إلى أننا "حين ندرس نصا لا نطبق أيا من هذه المناهج".
من جانبه، قال الناقد العراقي ماهر مهدي هلال في ورقة تحدث فيها عن الرؤية عند حازم القرطاجني، إن الازدواجية بين البلاغة والأسلوبية هي الشغل الشاغل لأهل الحرفة، وأن المثاقفة تجعل من الترجمة رافدا يغذي الأصل، لأن الرؤية تحتم ذلك، أي لا أبقى في حدود ما أنا فيه، لأن الحياة تتغير، والعالم يتشكل على شكل بنية.
وأوضح هلال أن الأسلوبية بنت اللسانيات، وأنها جسر اللسانيات إلى الأدب، وأن هناك جدلية عن الأصل: هل البلاغة هي الأصل، أم الأسلوبية هي الأصل؟ مؤكدا أن الأسلوبية اتكأت على البلاغة، لأنها وجدت في البلاغة صحة لقراءة النص، وأن البلاغة قرأت، كما قرأت الأسلوبية، مستويات النص، مختتما مداخلته بأن البلاغة أسلوبية المحدثين.
وفي السياق ذاته، تحدث الناقد السوري محمد رفعت زنجير، عن منهج الخطيب القزويني في قراءة الشعر العربي، متوقفا عند البلاغة قبل الخطيب القزويني وبعده، مشيرا إلى أن العلوم عندنا تولد عملاقة ثم تتقزم بعد ذلك، على عكس ما يحدث عند الأوروبيين، وهذا ما يجعل حضارتنا تتهاوى.
وأوضح زنجير أن البلاغة القزوينية بنت وقتها، وأن الجملة مثل الخلية في جسم الإنسان، وأن البلاغة القديمة لا تغطي علم الأسلوب، مشيرا إلى أن البلاغة أُدخلت عليها أشياء خارجة عن وظيفتها، وأن هناك من ربط البلاغة بالكتاب والسنة، مختتما بأنه لا بد من انتفاضة داخل البلاغة كي نحييها.
يذكر أن فعاليات الدورة الثامنة من ملتقى الشارقة للشعر العربي، التي نظمها بيت الشعر التابع لدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة بشراكة مع كلية المجتمع بخورفكان، والنادي الثقافي العربي، على مدى سبعة أيام امتدت من 31 يناير الماضي إلى 6 فبراير الجاري، عرفت مشاركة عدد من الشعراء العرب.
ويتعلق الأمر بمحمد علي الرباوي من المغرب، ومحمد الصغير أولاد أحمد من تونس، وأشجان هندي من السعودية، وأحمد فضل شبلول من مصر، ومحمد نصيف من العراق، وجاك صبري شماس من سوريا، وعبدالعزيز صافي الجيل من تونس، وحسن النجار وشيخة المطيري وعلى سيف الشعالي من الإمارات، ومهند ناطق صالح وبهجت الحديثي من العراق.