شهدت الساحة الثقافية المغربية, خلال سنة 2009 , حرب بيانات عاصفة بين أعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، نتيجة العطالة التي دامت قرابة سنة، والتي فجرت أزمة حادة داخل الاتحاد، انتهت باستقالة الرئيس محمد عقار، والاتفاق حول عقد المجلس الإداري للاتحاد يو
وعرفت السنة ذاتها، أزمة عاشها بيت الشعر، جراء انشقاق بعض أعضائه، الذين اتهمهم البيت بقرصنة مهرجان الشعر الإيبيري، الذي كان مقررا تنظيمه من قبل، فضلا عن بعض الخرجات الإعلامية لبعض الرؤساء السابقين لبيت الشعر، خصوصا الشاعر محمد بنيس، الذي أدلى بحوار مطول لجريدة "الفجر" الجزائرية, تحامل فيه على البيت وبعض أعضائه، رغم بعض الإنجازات التي حققها هذا الأخير, خلال السنة ذاتها, بمنحه جائزة الأركانة للشاعر العراقي سعدي يوسف.
كما شهدت 2009 , أزمة بين مدير مسرح محمد الخامس محمد نسيب المسناوي، ووزارة الثقافة التي اتخذت قرارا بفصله اعتبر خطأ، لأن إقالة المدير، الذي يعين بمرسوم ملكي لم تكن من اختصاص الوزارة.
وعرفت السنة التي ودعناها أيضا، انتقال حقيبة وزارة الثقافة إلى الروائي والمفكر والشاعر بنسالم حميش بعد إعفاء الممثلة ثريا جبران, إثر تعرضها لأزمة صحية. كما عرفت السنة ذاتها، جدلا واسعا حول من يستحق بطاقة الفنان، ما تسبب في بعض الانشقاقات داخل النقابات، خصوصا في قطاع الفنون التشكيلية, الذي عرف تأسيس نقابة جديدة ترأسها محمد الملاخ، وحملت اسم النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين.
سنة 2009 , شهدت أيضا، جدلا كبيرا حول رواية "محاولة عيش" للأديب الراحل محمد زفزاف، كما شهدت رحيل العديد من المبدعين والمفكرين المغاربة, أمثال الروائي والمفكر عبد الكبير الخطيبي, والسياسي والمفكر عبد الهادي بوطالب، والمؤرخ عبد الوهاب بن منصور، والشاعر بنسالم الدمناتي، والشاعر والكاتب والمترجم مصطفى القصري، والباحث والشاعر والأديب فريد الأنصاري، والفنانة التشكيلية مريم مزيان، والفنان التشكيلي المكي امغارة، والفنانة التشكيلية بنحيلة الركراكية، والفنان المسرحي محمد سعيد عفيفي,
والمؤلف والمخرج المسرحي عباس إبراهيم، والمسرحي العربي بلشهب، والزجال محمد الزياتي الإدريسي.
ورغم هذه الأزمات والإخفاقات وحالات الجمود, التي عاشتها الساحة الثقافية على صعيد بعض المؤسسات، إلا أن هناك بعض الحراك والنجاح اللذين تميزت بهما هذه السنة، التي كانت أيضا، سنة تتويج للإبداع والفكر المغربيين، من خلال حصول مجموعة من الأدباء على جوائز رفيعة, مثلما هو الشأن بالنسبة للشاعر عبد اللطيف اللعبي، الذي حصل على أرفع جائزة فرنسية وهي جائزة "جونكور"، والمفكر محمد عابد الجابري الذي حصل على جائزة ابن رشد، والروائي بنسالم حميش، الذي حصل على جائزة نجيب محوظ، والشاعر حسن نجمي، وعبد اللطيف الوزاري، وعبد السلام الشدادي، وإدريس علوش، وعبد السلام الطويل، ونادية بنجلون، وغيرهم.
اكتفى اتحاد كتاب المغرب, طيلة السنة، التي ودعناها، بنشر غسيله الداخلي عبر وسائل الإعلام، عاكسا الصراع الدائر بين أعضاء مكتبه التنفيذي، وتحالف مجموعة ضد أخرى، ما أدى إلى إقالة الرئيس محمد عقار، إثر إعلان خمسة أعضاء من المكتب التنفيذي للاتحاد, الإطاحة بالرئيس عبد الحميد عقار، وتدبير شؤون الاتحاد بطريقة جماعية، في انتظار عقد مؤتمر استثنائي، القرار الذي رفضه عقار بشدة.
"الإقالة" لم تمر في صمت، إذ سرعان ما أعلن الرئيس عبد الحميد عقار مسنودا بالكاتب العام للاتحاد عبد الفتاح الحجمري والمستشار المكلف بالإعلام محمد بودويك، أن الإقالة المذكورة لا شرعية، ولا سند لها في نص القانون الأساسي للاتحاد، ولأنها لم تصدر عن المكتب التنفيذي, بل عن بعض الأعضاء في هذا المكتب فقط.
وبعد شد وجذب، انتهت المعركة، بإعلان عقار والحجمري استقالتهما من المكتب التنفيذي للاتحاد، والاتفاق حول عقد المجلس الإداري للاتحاد يوم 16 يناير المقبل, بالرباط.
رغم مرور ثماني سنوات على رحيل الروائي والقاص محمد زفزاف، فإن بعض أعماله الأدبية ما زالت تثير الجدل، ما وصل إلى حد المطالبة بمنع روايته "محاولة عيش"، بعد أن أشعل بعض الإسلاميين، فتيل معركة إعلامية وأدبية، باعتراضهم على إدراج الرواية في مقررات التعليم الإعدادي بالمغرب، مشيرين إلى أن مضامين الرواية تتعارض مع القيم التربوية الإسلامية.
وورد في صحيفة "التجديد" أن المعرضين للرواية لا يعترضون عليها كنص إبداعي، وإنما كنص تربوي.
وسرعان ما دخلت صحيفة "الاتحاد الاشتراكي" على الخط للدفاع عن رواية "محاولة عيش"، وخصصت لها ملفا شارك فيه عدد من النقاد والباحثين، مشيرة إلى أن هجوم الإسلاميين على الرواية يتأسس على معايير أخلاقية لا تستقيم بالضرورة مع المعايير الجمالية للأدب والتحليل الأدبي ولا مع الشرط البيداغوجي للعملية التربوية, التي لا تستجيب للشرط العلمي الأكاديمي, البعيد عن أي حسابات سياسية أو معايير أخلاقية.
شهدت سنة 2009 اتهام نجيب خداري، رئيس بيت الشعر, أعضاء جمعية ملتقى الشعر الإيبيري بقرصنة مهرجان الشعر الإيبيري، الذي كان مقررا تنظيمه من قبل بيت الشعر، وقال خداري إن صنيع هؤلاء يعتبر سرقة مع سبق الإصرار والترصد، مشيرا إلى أن هذا الفعل يؤسس لسلوك ثقافي يسيء لمصداقية المثقف.
وكان خداري أكد في تصريح لـ"المغربية" أن هذا الفعل لا يليق بأناس يرغبون في تأسيس فعل ثقافي يراعي الخصوصية المغربية.
من جانبه, وصف الشاعر المهدي أخريف، أحد مؤسسي جمعية ملتقى الشعر الإيبيري، موقف الهيئة التنفيذية لبيت الشعر بقلة الحياء، وقال إن فكرة المهرجان ولدت وترعرعت في طنجة، وانبثقت عن لقاء عقد, قبل ثلاث سنوات, من خلال مجموعة من الشعراء، وأضاف في تصريح سابق لـ"المغربية" أن المجموعة التي احتضنت المهرجان, منذ بدايته, اتصلت ببيت الشعر, بهدف إضفاء جانب الشرعية على المهرجان، مشيرا إلى أنه شخصيا طرح الفكرة على الرئيس السابق لبيت الشعر حسن نجمي، وجرى عقد ثلاثة اجتماعات بالرباط، قبل أن يتوارى أعضاء بيت الشعر عن الأنظار.
وأشار إلى أن أكبر دليل على فشل بيت الشعر، عدم تمكنه من تنظيم المهرجان العالمي للشعر، الذي جرى تجميده, منذ ثلاث سنوات، وقال إن قرار بيت الشعر برفع دعوى ضد جمعية ملتقى الشعر الإيبيري هو دليل على انهيار القيم الثقافية في هذا البلد، مستغربا في الوقت نفسه لمتاجرة في رصيد بيت الشعر، الذي يعتبر مكسبا للمثقف المغربي، وأكد أن هذه المؤسسة تعاني فراغا كبيرا، بسبب وجود أناس بعيدين عن الفعل الثقافي الحقيقي.
من جهة أخرى، وفي خرجة إعلامية, هاجم الشاعر محمد بنيس بيت الشعر المغربي، واتهم المسؤولين عنه حاليا, بأنهم السبب في ما وصلت إليه الأمور من ترد.
وقال إن بيت الشعر تنكر له، وأصبع مدجنا من قبل عدد من الأحزاب السياسية، التي أدخلته دوامة الصراعات السياسية. وأضاف في حوار أجرته معه جريدة "الفجر" الجزائرية, بمناسبة حضوره مهرجان تكريم الراحل محمود درويش أقيم بالعاصمة الجزائر، أن لغة الشعر الآن هي لغة السياسة، التي طغت بشكل غريب على المشهد الثقافي ككل، مبرزا أن السياسيين سيطروا على بيت الشعر، بطريقة اعتبرها بنيس "لا قانونية وغير أخلاقية". طريقة تعاملت بمنطق خيانة الفكرة، التي انبنت عليها القصيدة، والعدوانية والحقد، مشددا على أنه شخصيا كف عن التدخل في المشهد الثقافي المغربي، ولم تعد تربطه به أي علاقة.
خلفت سنة 2009 الكثير من الحسرة، والألم، نتيجة رحيل مجموعة من الأسماء الفكرية والثقافية والإبداعية والفنية، التي غادرتنا إلى دار البقاء.
ففي الفكر والأدب، عرفت سنة 2009 وفاة الأديب والباحث السوسيولوجي الدكتور عبد الكبير الخطيبي، صاحب روايات "الاسم العربي الجريح"، و"كتاب الدم"، و"ثلاثية الرباط"، وديوان "المناضل الطبقي على الطريقة التاوية"، ودراسة حول "المغرب المتعدد".
والمؤرخ عبد الوهاب بنمنصور، الذي اشتهر مؤرخا للمملكة المغربية، وإن كان نشاطه الثقافي والأدبي لم ينل حقه من التعريف، واشتهر بكتابه "قبائل المغرب".
وشيخ المفكرين، عبد الهادي بوطالب، السياسي والأديب، والأمين العام السابق للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، الذي بلغت مؤلفاته حوالي ستين كتابا في مجالات الفكر والسياسة والأدب واللغة والقضايا الإسلامية، من بينها "في نقد العولمة"، وبين القومية العربية والتضامن الإسلامي"، ورواية "وزير غرناطة لسان الدين بن الخطيب".
كما شهدت السنة ذاتها رحيل الشاعر، بنسالم الدمناتي، صاحب ديواني "قفاز بلا يد" و"واحة النسيان". والشاعر والكاتب والمترجم، مصطفى القصري، الذي اشتهر بترجمته أمهات الكتب الفرنسية مثل "زهور الشر" لشارل بودلير، و"الفلك الضيقة" لسان جون بيرس، و"نرجس" لبول فاليري، و"تأبين توفيل غوتيي" لستيفان مالارميه. والباحث والشاعر والأديب، فريد الأنصاري، صاحب ديواني "الإشارات"، و"مشاهدات بديع الزمان النورسي"، ورواية "كشف المحجوب".
وفي مجال الفن التشكيلي، رزئت الساحة الفنية التشكيلية المغربية بوفاة الفنانة التشكيلية، مريم مزيان، المعروفة بأسلوبها التشخيص الانطباعي، الذي تحضر فيه الطبيعة والبيئة المغربيتان. والفنان التشكيلي، المكي امغارة، الذي يعتبر أحد أعمدة مدرسة تطوان التشكيلية، والفنانة التشكيلية بنحيلة الركراكية، التي كانت من أعلام الفن الفطري بالمغرب.
كما شهد المسرح المغربي، وفاة ثلاثة من رواده، هم المؤلف والمخرج المسرحي، عباس إبراهيم، الذي تخرجت على يديه أفواج من الفنانين المغاربة، كما أخرج مسرحيات "الصعود إلى المنحدر الرمادي"، و"المنزه"، و"غرباء"، و"صناديق العجب" وغيرها.
والفنان المسرحي، محمد سعيد عفيفي، الذي اشتهر بأدائه أدوارا من مسرحيات لوليام شكسبير مترجمة إلى اللغة العربية. والمسرحي العربي بلشهب، الذي ارتبط اسمه بفرقة "المعمورة" للمسرح في أوج عطائها (قبل أزيد من ثلاثة عقود) كممثل وإداري وتقني.