المحبون الصادقون يتفانون في إيثار بعضهم البعض، لا يرجون في ذلك إلا نظرة حب أو همسة تأسر شغاف القلب
، ومن علامات الحب الأخرى التي تعتبر "ترمومتر" للحب ومقياسه، فيها تقاس درجة الحب بين المحبين فهي الجذوة المشتعلة في قلوبهم لا تنطفئ حتى مع القرب، فكل ثانية بعاد تعنى أمواجا من الاشتياق، تتلاطم على صخور البعد والظروف فيلجأون إلى صور الحبيب وذكرياته، يحتمون بها من صخب الأمواج وفيضانها.
فالشوق، من علامات الحب الظاهرة التي لا تحتاج إلى متخصص لترجمتها، فهو سمة للحب ملازم له مرابط على بابه.. فلا تجد حب بدونه، فهو النيران التي تذكى الحب وتشعله ... لتجعله مضطرم في قلوب المحبين، وإذا اختفى الشوق خبئت جذوة الحب وخمدت، فالمحب مشتاق لمحبوبه يفكر فيه في كل لحظة تمر به، وغايته رؤية محبوبه، والنظر إلى عينيه ومداعبة أذنيه بكلامه.
وعرف الشوق بأنه احتياج القلوب إلى لقاء المحبوب أو سفر القلب إلى المحبوب في كل حال.
فالمحب، معلق بحبيبه، روحه تستلهم الحياة منه، فالأرواح عطشى للقاء، فعندما يغيب الحبيب ولو لثوان.. تهتاج المشاعر لوعة وتستلهم السلوى من ذكريات الحب، والسكينة من صدى همسات المحبوب، حتى يتحقق القرب فتسكن المشاعر وتحضر السكينة.
وعدم إشباع الشوق يتسبب في إصابة المحب الصادق بالإحباط والزهد في الدنيا، وعدم اكتراثه بالحياة، فقد أدمى الشوق جوارحه فلم تعد عيناه تشع بالضياء، وصمت لسانه عن عذب الكلام، وهام قلبه بين موجبات البعد وأمل الغرام . فهو تائه متخبط الخطى يري حبيبه في كل لحظة، و تنحصر كل أمانيه في استطلاع أخبار حبيبه والاكتفاء بالنظر إليه من بعيد.
فالمشتاق في حالة تدبر لحال الحبيب، صوره لا تغادر مخيلته، فهو معه شاء أم أبى، فإن كان جسمه مقيد، فروحه طليقه أسيره لروح المحبوب.
وعبر الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن عن حالة المحب في الشوق بكلمات رائعة من الشعر النبطي:
كثر النهار أشتاق وأخبارك بعيدة .... إلين أشوفك كثر ما تنبت أشجار
ومثل الرمال أحس روحي وحيدة .... إلي أجدبت عامين ما طاحت أمطار
طال السهر والليل ينزف وريدة.... في صدري هموم وهواجيس وأسرار
قبل الورق وأنت فبالي قصيدة.... وبعد الورق ضيعت أنا كل الأشعار
فالمشتاق في حالة من عدم الاتزان، فالشمس لا تشرق والأشجار لا تنبت، والليل ينزف فروحه ظمأه في صحراء قاحلة يجوبها غاية الارتواء، عندها تتغير الأحوال وتتبدل، وما بين أن يسكن اللقاء الشوق أو أن يذكى ناره، فتشتغل نيران الحب أكثر فيقول الشاعر:
عجبت لمن يقول: ذكرت إلفي
وهل أنسى فأذكر ما نسيت
أموت اذا ذكرتك ثم أحيا
ولولا حسن ظنى ما حييت
فأحيا بالمنى وأموت شوقا
فكم أحيا عليك وكم أموت
والشوق درجات ومراتب أولها مرتبة الشوق العادي الذي يشعر به الناس غايته اللقاء، والقرب وأمثلة هذا الشوق تملأ حياتنا ونراها في أنفسنا كالشوق إلى الأخ، الأب، الصديق، المعلم ...الخ، وتهدأ لواعج الشوق بالقرب من المشتاق إليه، وعبر الشاعر عن ذلك بقوله:
وألقت عصاها واستقر بها النوى .. كما قرّ عيناّ بالإياب المسافرُ
والمرتبة الثانية أن يتملك الشوق من المحب فلا يرى من دنياه إلا شوقه لمحبوبه فالمحب تمرس على الاشتياق حتى أصبح لا يطيق فراق الشوق ذاته، وغاية الشوق هنا هي الشوق في حد ذاته ..
وعبر أحد الشعراء على لسان أم كلثوم بقوله:
واحشنى وانت قصاد عينى وواحشنى وأنت بعيد
كما عبر عنها ابن الرومي بقوله:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ُُ .. إليها وهل بعد العناق تداني
والثم فاها كي تزول صبابتي .. فيشتد ما ألقى من الهـيماني
ولم يكُ مقدار الذي بي من الشوق .. ليشفيه ماترشف الشفتاني
كأن فؤادي ليس يشفي غليله .. سوى أن يرى الروحين تمتزجاني
فالشوق سواء في البعد أو القرب، ففي لقاءهما تتخاطب الأرواح بأنها ما زالت ظمأه وأنه لا سبيل للارتواء، كأن غاية الشوق امتزاج الروحين في ملكوت الله.
والمرتبة الثالثة أن يتعدى الشوق كل ما سبق فيطغى على المحب حتى يستولى عليه فأصبح لا يفارق محبوبه فهما معا لا يفترقان.
وعبر عن ذلك الحب بعض جماعات الصوفية حيث سئل أحدهم:
(هل تشتاق إليه) - يقصد الله سبحانه وتعالى- فقال: إنما الشوق لغائب وهو حاضر لا يغيب.
فالشوق لله له دلالات وصور يفيض بها الله على العبد فالله مشتاق لعبده ...
ولنسمات الحب بقية...
ومضات من نور:
تكونين بجواري ... يداك تعانق يدي ... وعبق عطرك يأسرنى .. وعذب كلامك يشعرني بأني في جنات الخلد أهيم ... لكن شوقي في الخلد يرادوني.. هلا اقتربت أكثر .. لأنهل من حبك وأستزيد.
للتواصل: [email protected]